تحليل البيانات مُفتاح لاستفادة الحكومات من مواقع الإعلام الاجتماعي

صار من المُعتاد استخدام إدارات المدن وكبار مسؤوليها لمواقع الإعلام الاجتماعي المختلفة مثل “فيسبوك” و”تويتر” و”إنستجرام” وحتى تطبيق “سناب شات”، وغالبًا ما يُوظفونها لنشر أحدث المعلومات والإطلاع على آراء المواطنين وتعليقاتهم على القرارات الحكومية.

ومع أهمية مواقع الإعلام الاجتماعي في دعم مشاركة المواطنين، إلا أن الاستفادة الأكبر منها تتجاوز إعلام السكان بما تُنفذه الحكومة المحلية أو المركزية، ويتطلب تحقيقها التخفيف من حديث الإدارات والمؤسسات الحكومية عن إنجازاتها الفعلية لصالح إفساح مجال أكبر للاهتمام بما ينشره المواطنون وتحليله جيدًا.

وفي المناطق الحضرية تُشكل منشورات السكان المُقترنة بوسوم تُحدد المواقع الجغرافية لأصحابها مجموعات من المعلومات القيّمة، وتضع فرصة ثمينة أمام إدارات المدن لتطويرها إلى نماذج تنبؤية تُفيد في دعم القرارات، وبالتالي ينبغي أن تُمثل جزءًا حيويًا من أية أدوات تحليل لحكومة ذكية تستفيد من البيانات.

وفي الآونة الأخيرة نشرت شركة “جارتنر” للأبحاث تقريرًا يصف المراحل الأربعة لنضج التحليلات الاجتماعية في المنظمات. وأولها هو التحليل الوصفي الذي يُترجم البيانات إلى معلومات واضحة وسهلة الفهم. وأوصى التقرير المنظمات بتطوير تحليلاتها الاجتماعية إلى المرحلة التشخيصية ثم التنبؤية وصولًا إلى المرحلة التوجيهية أو الإلزامية Prescriptive.

وبمقدور التعرف على الجذور الأساسية للاتجاهات المُؤثرة في الإنترنت المساعدة في التنبؤ بتأثير الأحداث المُستقبلية. ومن أجل إطلاق الإمكانات الكاملة للبيانات الاجتماعية اقترح تقرير “جارتنر” على المنظمات جمع هذا النوع من  البيانات مع أنواع أخرى؛ للتوصل إلى تحليلات ذات تأثير عملي حقيقي.

وتتضمن أمثلة تطوير النماذج التنبؤية استنادًا على البيانات الاجتماعية في القطاع العام ما نشره باحثون في “جامعة كاليفورنيا في إرفاين” في شهر مارس/آذار الماضي، ووصف مقالهم مشروعًا تجريبيًا لتوفير تحليلات عن سلامة الغذاء في مدينة سان فرانسيسكو باستخدام أداة تنبؤية تُوظف مُراجعات المطاعم في موقع “يلب” Yelp. وتعتمد الأداة على 71630 منشورًا تتضمن كلمات رئيسية ترتبط بأمراض ذات صلة بتناول الغذاء، وتوصلوا إلى نموذج، نجح في تحديد مُخالفات قواعد الصحة في 78% من المطاعم التي ارتكبت انتهاكات للقواعد الصحية.

وفي تجربة أخرى استخدم الأستاذ في “كلية هارفارد للأعمال”، مايكل لوكا، بيانات المُراجعات في “يلب” في مدينة سياتل ولاحقًا في بوسطن، وبينت التجربة دور التحليلات التوجيهية في تخفيض التكاليف، ويتأتى ذلك من خلال توزيع أفضل للموارد وتقليل عمليات التفتيش على المطاعم.

ولا تُعتبر استفادة المدن من مًراجعات المطاعم في موقع “يلب” في تحديد المخاطر على سلامة الغذاء ظاهرةً جديدة، لكن تلفت هذه المشروعات التجريبية النظر بسبب إضافتها قوة تنبؤ عملية تزيد فائدتها مع اتباعها أساليب مُتطورة.

وعلى سبيل المثال، خلصت الدراسة التي استخدمت مُراجعات “يلب” في مدينة سان فرانسيسكو إلى دور المُراجعات التي صنفها المستخدمون باعتبارها الأكثر نفعًا في تحسين دقة نماذج التنبؤ، بما يفوق المُراجعات ذات التقييمات المُنخفضة. ويُشير ذلك إلى أن قيمة البيانات المُتاحة على الإنترنت لا تكمن فقط فيما يُكتبه الجمهور، وإنما أيضًا في كيفية تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض.

وفي هذا السياق، تعاونت شركة “جيوفيديا” Geofeedia المُتخصصة في مُتابعة الإعلام الاجتماعي في الوقت الحقيقي مع عددٍ من مؤسسات القطاع العام في قضايا لا تتعلق بسلامة الغذاء. ومثلًا حين جرى الإعلان عن أول الحالات المُصابة بفيروس إيبولا في مدينة نيويورك، استعانت “إدارة الصحة والصحة العقلية” في المدينة بالشركة من أجل التعامل السريع مع المخاوف والشكوك التي اتسع نطاقها في مواقع الإعلام الاجتماعي.

وأتاحت الإدارة مواقع لتوفير الوقاية الشاملة لأشخاص يُحتمل تعرضهم للفيروس. واستفادت “إدارة الصحة والصحة العقلية” من خدمات “جيوفيديا” في توفير وعي بالموقف سواءً لموظفيها العاملين مع الجمهور أو للمسؤولين عن اتخاذ القرارات.

كما استعانت إدارة الشرطة في مدينة لوس أنجليس بشركة “جيوفيديا” لمُتابعة مواقع الإعلام الاجتماعي وتحليل الكلمات ذات الصلة بالتوزيع غير القانوني لأكسيد النيتروز، الأمر الذي ساعد في التوصل إلى الجناة ومُقاطعة سلسلة التوريد.

وتتعاون “جيوفيديا” والشركات المُماثلة مع إدارات المدارس في الولايات المتحدة؛ بهدف مُتابعة المنشورات في مواقع الإعلام الاجتماعي، ما يُؤدي أحيانًا إلى اكتشاف تهديدات باستخدام الأسلحة النارية أو ما يدل على حالات إيذاء النفس ربما كانت ستظل بعيدة عن ملاحظة المشرفين. وتُبرز هذه الأمثلة تجاوز استخدام الإعلام الاجتماعي للمشاركة المدنية فقط، ودوره في التدخلات الوقائية التي تحول دون حدوث مشكلات.

ومثلما حظيت المشاعات والمساحات العامة في المدن والبلدات بمكانة كبيرة في تصور المناطق الحضرية وحياة السكان كمكان يتفاعل فيه المواطنون مع بعضهم البعض ويتبادلون الأفكار، تجري هذه التفاعلات في الوقت الراهن على الإنترنت.

وعلى غرار مسؤولية الحكومة المحلية عن توفير المساحات العامة وتهيئتها، تتحمل مسؤولية مُشابهة في الاستفادة من المشاعات الرقمية الجديدة. وتُعد منشورات الإعلام الاجتماعي العامة مصدر بيانات مُلائم للتحليل قد يُتيح للحكومات فرصًا لتوفير الوقت والمال، وإنقاذ حياة الأشخاص في بعض الأحيان.

المصدر

مصدر الصورة