تخصصات مختلفة تُواجه تهديد الروبوتات والذكاء الاصطناعي

في مواجهة الحديث عن اقتراب الروبوتات وتقنيات الذكاء الاصطناعي من احتلال مكانة كثير من الموظفين، يُبدي المتخصصون في مجالات مثل الطب والمحاماة اطمئنانًا على مستقبل وظائفهم، ويُصرون على أن الآلات والبرمجيات يُمكنها أداء المهام الروتينية فقط، بينما سيحتفظ الخبراء بدورهم لإنجاز مهام تتطلب إصدار الأحكام والإبداع والتعاطف.

وعرض مقال كتبه ريتشارد سسكيند ودانيال سسكيند رؤيةً مُناقضة استنادًا على مقابلات مع نحو مائة من القادة ومقدمي الخدمات الجديدة في ثمانية قطاعات هي: الصحة والمحاماة والهندسة المعمارية والصحافة والاستشارات وتدقيق الحسابات والضرائب واللاهوت، وتحليل لكتب وتقارير ومنصات الإنترنت.

وأظهر بحثهما تعدد الأدلة على بدء تغيير جذري فعلي في هذه المهن، وتوقعا تفكك التخصصات التقليدية، واستبدال أغلب المهنيين، إن لم يكن جميعهم، خلال عقود قليلة بمزيجٍ من موظفين أقل خبرة وأنظمة آلية فائقة الأداء وخبراء يتمتعون بمهارات جديدة.

وعدَّد المقال بين هذه الأدلة تخطي الزيارات الشهرية لشبكة “ويب إم دي” WebMD، وهي مجموعة من المواقع الطبية على الإنترنت، إجمالي زيارات الأطباء في الولايات المتحدة. وفيما يخص المُنازعات يُحل سنويًا ستين مليون خلاف بين المتعاملين في “إي باي” بواسطة “تسوية المنازعات عبر الإنترنت”، ويبلغ هذا الرقم ثلاثة أضعاف الدعاوى القضائية أمام نظام المحاكم الأمريكية.

ومن بين المؤشرات الأخرى تلقي إدارة الضرائب الأمريكية في عام 2014 نحو خمسين مليون إقرار ضريبي عبر الإنترنت، استخدم مقدموها برمجية لإعداد الإقرارات بدلًا من الاستعانة بمتخصصين من البشر. ويُوفر “ويكي هاوس” WikiHouse على الإنترنت تصميمات لمنازل يُمكن طباعتها بواسطة تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد وجمع أجزائها، وفي عام 2011 منح الفاتيكان موافقته الأأولى على تطبيق للهواتف الذكية يُعِّد مستخدميه لطقس الاعتراف.

ويرى الكاتبان في هذه البيانات دلالةً مُبكرة على تحول جذري في الخدمات المهنية، وتشهد مؤسسات مثل الشركات والمدارس والمستشفيات اتجاهًا إلى توحيد الخدمات بدلًا من الحلول المُخصصة لكل عميل أو مريض. ومن ذلك إقبال الأطباء على استخدام قوائم التحقق أو المراجعة، واستعانة المحامين بدراسة الحالات السابقة، واعتماد المستشارين على منهجيات معروفة.

ويُضاف إلى ذلك توجه نحو وضع الأنظمة Systematization واعتماد أسلوب حل المشكلات استنادًا على الذكاء الاصطناعي بدلًا من أنظمة سير العمل. وبمجرد إنشاء نظام للمعرفة والخبرة المهنية، ستُتاح على الإنترنت، وتُقدم كخدمات مهنية مدفوعة في بعض الأحيان، أو مجانية في أحيانٍ أخرى، كما يكثر تقديم الخدمات وفقًا لنظام التقاسم الذي يُحاكي حركة المصادر المفتوحة.

ويستند إدعاء أمن التخصصات المهنية عن استبدال أصحابها بالروبوتات والبرمجيات على افتراض عجز الحواسيب عن إصدار الأحكام والإبداع والتعاطف، وضرورة هذه القدرات لتقديم خدمات ناجحة. ويُمكن التشكيك في صحة هذا الافتراض من خلال نقطتين: الأولى تُبينها التجارب؛ فحين يُقسَّم العمل إلى وحدات جزئية، يتضح الطابع الروتيني لكثيرٍ منها وعدم حاجتها لهذه المهارات.

وتتعلق النقطة الثانية بالمفاهيم، والإصرار على حتمية إنجاز كائنات عاقلة للخدمات المهنية، وهو ما يُسمى “مغالطة الذكاء الاصطناعي”، أي اشتراط تقليد الآلات لأسلوب أفضل المتخصصين من البشر كي تفوقهم. وهو أمر غير صحيح في ظل تفوق مزيج من قوة المعالجة الحاسوبية وتحليلات البيانات الضخمة والخوارزميات على البشر.

ويُساند الكاتبان هذا الاستخدام التحويلي للتكنولوجيا لأسباب ليس أقلها تراجع التخصصات المهنية الراهنة، وتعقيدها وافتقارها إلى الكفاءة وعجزها عن تقديم قيمة متساوية للمجتمعات كافة، وقلق تشهده أغلب الاقتصادات المُتقدمة حول ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية ونقص الأنظمة التعليمية وإخفاف المدققين في اكتشاف الفضائح المالية. وفي الواقع تحتاج المهن إلى تغيير ربما تدفعه وتُعجل به الروبوتات.

الصورة