تشجيع الاختلاف سمة القيادة الناجحة

في عالم مُتعطش لقيادات جيدة وفعّالة تكثر الأسئلة حول أفضل سُبل القيادة والأساليب الأكثر فعالية للمنافسة، منها سمات السلوكيات المقبولة للمسؤولين والسلوكيات الجديرة بالمحاكاة، وأسلوب المبتكرين في التعامل مع الانتقادات والاعتراضات التي ستُواجههم بالضرورة، وكيفية تجنبهم تحول الثقة إلى شعور زائف بالأهمية الشخصية.

وكتب ويليام تايلور، المؤلف وأحد مؤسسي شركة “فاست كومباني” للإعلام، أنه على الرغم من عدم امتلاكه إجابات سهلة لهذه الأسئلة وغيرها حول القيادة، إلا أن دراسته لأفضل القادة ورواد الأعمال أكدت إدراكهم وتبنيهم قيمة “الالتزام بالمعارضة”؛ فلا يُمكن لأحد النجاح في القيادة سواءً في السياسة أو الأعمال أو المجتمع دون أن يُشجع المحيطين به على إبداء آرائهم ولفت الانتباه إلى النفاق والسلوكيات السيئة، وأن يقدموا تقييمهم للقيادة مُباشرةً وبحزم يُعادل حزم القيادات ووضوحها في عرض استراتيجتها وخططها.

وروى فيكتور هو، وهو رئيس تنفيذي وأحد مؤسسي شركة متخصصة في ولاء المستهلكين حصلت على استثمارات تتخطى مائة مليون دولار، أن أقوى الدروس التي تعلمها من تجربته السابقة في شركة “ماكينزي آند كومباني” للاستشارات ويُشاركه الآن مع كل موظف جديد في شركته هو الالتزام بالاختلاف، ويعني أن يكون الموظف الأصغر سنًا والأحدث عهدًا بالعمل هو الأقدر على الاختلاف مع أعلى الموظفين منصبًا في أي لقاء يجمع بينهما.

وتتناقض هذه الصورة مع ما يجري في أروقة السلطة والإدارة. وفي واقع الأمر يُعتبر الالتزام بالخلاف علامةً مميزة لثقافة “ماكينزي”، إحدى أبرز شركات الاستشارات في العالم. وقبل عقود أسس هذه الثقافة ورسخها الرئيس الشهير للشركة مارفن باور.

وتجلى هذا المبدأ في حادثة جمعت باور وفريد جلوك، المدير الإداري السابق في “ماكينزي”. وفي لقاء عرضي بينهما استفسر باور عن مدى تقدم جلوك في أول مهامه في الشركة. وأعرب جلوك عن رأيه بأمانه واعتقاده بأخطاء الشركاء في العمل. وفي صباح اليوم التالي طلب مكتب باور التواصل معه. وظن جلوك أن الأمر سينتهي بفصله من وظيفته، لكن حدث العكس تمامًا؛ إذ ناقش باور رأيه مع مدير المشروع، واتفق مع نقده، وانتهى الأمر بالتخلي عن أسلوب العمل القائم والبدء من جديد.

ويتبع آخرون هذا الأسلوب مثل روبن ريتشاردز الرئيس التنفيذي لشركة “كارير آرك جروب”. وشرح لزملائه أنه لا ينبغي أن تشهد الاجتماعات اتفاق الموظفين مع جميع ما يقوله رؤسائهم، وتابع: “إذا كان لديكم التزام بالمعارضة فسيكون لدينا أفضل العقول ونحصل على أفضل النتائج. يحب الناس العيش في تلك البيئة حيث يشعرون بقيمتهم ولا يخافون”.

وفي الواقع يتمتع عددٌ قليل من الأشخاص بشجاعة المعارضة دون خوف؛ نظرًا لأن القليل جدًا من القادة يحتفون بهذا الالتزام الذي يتطلب التواضع. وكان التواضع إحدى السمات التي أبرزها مرارًا وتكرارًا إدجار شاين، الأستاذ المتقاعد في “كلية سلون للإدارة” في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” خلال عقود من تدريسه صفات القيادة الجيدة.

وسأل شاين يومًا مجموعةً من الطلاب عما يعنيه لهم الترقية لدرجة مدير، وكانت إجابتهم دون تردد أن ذلك يعني أن بمقدورهم تحديد ما يتعين على الآخرين القيام به. ويُعبر هذا الجواب عن أسلوب القيادة التي تُؤمن بمعرفتها بكل شيء، وهو نمط أدى في الكثير من الأحيان إلى أزمات وخيبة أمل.

ويفترض المسؤولون ضمنًا أن الحياة في جوهرها منافسة دائمة. وكما حذّر شاين: “في أعماقنا يعتقد كثيرون إذا لم يفوزوا فقد خسروا”. وليس من الضروري أن يتعارض التواضع والطموح، ويُعد توظيف التواضع لخدمة الطموح السبيل الأكثر فعالية واستدامة للقادة الذين يطمحون لإنجازات كبيرة.

الصورة

One Response

  1. ضيغم