تطبيق يستفيد من البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالجرائم في ريو دي جانيرو

كثيرًا ما ترتبط تقنيات ومحاولات التنبؤ بالجرائم بتصورات الخيال العلمي مثل ما عرض الفيلم الأمريكي “تقرير الأقلية” في عام 2002، وكذلك باستغلال الشرطة لها بطريقةٍ قد لا تكون صحيحة دائمًا، لكن تطبيق جديد في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية يُحاول التنبؤ بمستويات الجريمة ليُساعد المواطنين على تحسين سلامتهم وأمنهم.

ويستخدم تطبيق “كرايم رادار” CrimeRadar البيانات التاريخية عن الجرائم خلال السنوات القليلة الماضية وتكنولوجيا تعلم الآلة للتنبؤ بمستويات الجريمة في أحياء ريو دي جانيرو خلال الأوقات المختلفة من اليوم في أيامٍ مختلفة.

وفي الواقع سلطت “أوليمبياد ريو 2016” الضوء على مستويات الجريمة في ريو دي جانيرو ، وعرضتها أمام جمهورٍ أوسع من خلال تقارير عن سرقات تعرض لها أفراد في فريق السباحة الأمريكي ورياضيين من أستراليا ومسؤول أمن دورة الألعاب الأوليمبية.

وبحسب روبرت موجا، مُدير الأبحاث في “معهد إيجارابي” Igarapé Institute المُشارك في تطوير التطبيق، تُوجد في البرازيل ما يقرب من اثنتين وثلاثين مدينة من بين المدن الخمسين الأكثر خطرًا في العالم وفقًا لمعدلات جرائم القتل.

وأضاف أن استطلاع للرأي جرى العام الماضي أظهر خشية 84% من البرازيلين من وقوعهم ضحايا لجرائم القتل. وذكرت منظمة “المنتدى البرازيلي للأمن العام” غير الحكومية أن عدد جرائم القتل وصل إلى 58 أألف حادثة خلال عام 2014.

وأقر موجا بتحسن الوضع الأمني في ريو دي جانيرو خلال العقد الماضي، وشهدت المدينة بالفعل تراجعًا بنسبة 65% في جرائم العنف بفضل وحدات شرطة التهدئة. ومع ذلك فلا تزال معدلات الجرائم تشهد تقلبًا واضحًا، ومنذ عام 2014 عاودت الارتفاع مُجددًا على مستوى حوادث القتل وسرقة الممتلكات والقتل على أيدي الشرطة.

ولفت موجا إلى خطأ الاعتقاد الشائع بتركز الجرائم في المناطق الأكثر فقرًا، وقال أن الجرائم تطول المناطق الثرية في ريو دي جانيرو، الأمر الذي يؤشر على حاجة السكان والسائحين إلى معلومات تُساعدهم على تجنب المناطق الأشد خطرًا.

وقال موجا: “طورنا (كرايم رادار) من أجل الإسهام في إطلاق نقاش أكثر اعتمادًا على البيانات والأدلة حول الأمن العام في ريو دي جانيرو”. وأوضح أن فكرة التطبيق تتمثل في توفير مصدر موثوق للمعلومات بدلًا من الاكتفاء بتقارير إخبارية عرضية تُسهِم في إذكاء شعور مشاعر الفزع والهستيريا، كما يسعى لتمكين الجمهور من الوصول إلى البيانات المنشورة بالفعل واتخاذ قراراتهم بناءً عليها.

الجمع بين البيانات الضخمة والتحليل التنبؤي

صدرت النسخة الأولى من تطبيق “كرايم رادار” الأسبوع الماضي وتُلائِم متصفحات الإنترنت في الهواتف والحواسيب المكتبية، وتتضمن خريطةً بسيطة لمواقع الجرائم يُشير كل لون فيها إلى فئة معينة من المعلومات. وطوَّر التطبيق “معهد إيجارابي” البحثي بالتعاون مع شركة “فيا ساينس” Via Science للبرمجيات واستثمار من شركة “موازيكو إنترنت” Mosaico Internet.

ويعتمد عمل “كرايم رادار” على بيانات من شرطة ولاية ريو دي جانيرو حول الجرائم في المدينة لخمسة أعوام، وتشمل معلومات أربعة عشر مليون جريمة. ونُشرت هذه البيانات مُؤخرًا للجمهور، وسعى التطبيق إلى عرضها بطريقة سهلة بالإضافة إلى تقديم ميزة التنبؤ بمواقع الجرائم مستقبلًا.

ويستخدم “كرايم رادار” واجهة برمجة التطبيقات من “جوجل إيرث” Google Earth API. ويعرض في البداية خريطة للمدينة، ويُتيح للمستخدم الاختيار بين مشاهدة بيانات الجرائم السابقة أو تنبؤات باحتمالات وقوع جرائم في المستقبل.

تطبيق "كرايم رادار" للتنبؤ بالجرائم في ريو دي جانيرو

يعرض تطبيق “كرايم رادار” احتمالات وقوع جرائم في قطاعات تبلغ مساحة كلٌ منها 250 متر مربع وخلال الأوقات المختلفة من اليوم

وعند اختيار المستخدم عرض توقعات بالجرائم مستقبلًا تظهر خريطة تفاعلية وعالية الدقة للمنطقة الحضرية في مدينة ريو دي جانيرو، وتتوزع عليها احتمالات وقوع الجرائم بألوان تتراوح من الأخضر للمناطق التي لا يُحتمل أن تشهد جرائم أو ستقع فيها القليل منها، ووصولًا إلى اللون الأحمر الذي يعبر عن ارتفاع احتمالات وقوع جرائم في منطقة ما.

وتتوافر في الجزء السفلي من الشاشة إمكانية التمرير إلى اليمين أو اليسار ليتحقق المستخدم من احتمالات وقوع جرائم في موقعه الحالي أو لتقييم مخاطر الجرائم في موقع محدد خلال الفترات المختلفة من اليوم أو على مدار أيام الأسبوع.

أما عند اختيار استعراض البيانات التاريخية تظهر خريطة مختلفة لمدينة ريو دي جانيرو تُفصِّل أنواعًا مختلفة من الجرائم مثل القتل والاعتداءات العنيفة والسرقة والقتل على أيدي ضباط الشرطة، وبمقدور المستخدم اختيار عرض إحداها فقط.

ويُقيّم تطبيق “كرايم رادار” خطورة وقوع جرائم في المناطق المختلفة بالبحث في الأنماط المُميِّزة لكل جريمة والأوقات والأماكن بواسطة خوارزميات مُتطورة وبالاستفادة من إحداثيات “نظام تحديد المواقع العالمي”. ويُقسِّم المنطقة الحضرية في ريو دي جانيرو إلى قطاعات تبلغ مساحة كلٌ منها 250 متر مربع، واستبعد مناطق البحيرات والغابات.

وشرح الرئيس التنفيذي لشركة “فيا ساينس”، كولن جوندن، أن التطبيق يُنقح القطاعات بحسب ارتفاع مستوى الجرائم، ويُقيّم الجرائم مع احتساب الكثافة السكانية في كل قطاع وحالة القطاعات المجاورة والفترات الزمنية قبل التوصل إلى التقييم النهائي لكل قطاع.

وتُعبر الدرجة النهائية لكل قطاع عن احتمال نسبي لوقوع الجرائم فيه خلال الأوقات المختلفة، وتتراوح بين واحد لأقل احتمالات وقوع الجرائم إلى عشرة للمناطق المُصغَّرة الأكثر خطرًا في المدينة. وأنتجت هذه التقييمات مئات الآلاف من الدرجات العشرية التي تظهر على الخريطة برموزٍ لونية يسهل على المستخدمين رؤيتها وفهمها.

ويشمل “كرايم رادار” ثلاث فئات للجرائم هي؛ الأشد خطرًا مثل القتل والاعتداء والاختطاف والاغتصاب والسرقة باستخدام أسلحة نارية، وجرائم متوسطة الخطورة، بالإضافة إلى جميع  أنواع الجرائم بغض النظر عن مدى خطورتها.

وأشار جوندن إلى احتساب نموذج عمل التطبيق لموسمية الأحداث مثل اختلاف أوقات اليوم وأيام الأسبوع، واستبعاده البيانات التي لا تحمل دلالة إحصائية. وقال: “نستخدم بنية الخدمات المُصغرة Microservices Architecture والتركيز من أجل تحليل البيانات التي تُغطي خمسة أعوام”. ويُشير أسلوب “بنية الخدمات المُصغرة” في تطوير البرمجيات إلى بناء تطبيقات كحزمة من الخدمات المستقلة الصغيرة تتواصل معًا من خلال آلية واضحة لتحقيق الهدف النهائي.

تطبيق "كرايم رادار" للتنبؤ بالجرائم في ريو دي جانيرو

يعتمد تطبيق “كرايم رادار” على تحليل بيانات الجرائم السابقة ويعرضها على خريطة ويستطيع المستخدم عرض فئة بعينها كجرائم القتل أو السرقة

ويُمثل “كرايم رادار” جزءًا من اتجاهٍ أوسع يرمي إلى تيسير الوصول إلى البيانات الضخمة والانتفاع بها. واعتبر موجا أن التطبيق مثال على واحدة من طرق تمكين المواطنين من تحسين سلامتهم الخاصة. كما لفت إلى إمكانية استفادة الشرطة من التطبيق من بين مصادر تطبيق نهج “الشرطة القريبة” proximity policing  أي وجود ضباط الشرطة قريبًا من التجمعات والمواطنين. ومن بين الأدوات الأخرى أداة “آي إس بي جيو” ISP Geo للخرائط.

ويرى موجا أن الثورة الحاصلة في الشرطة هي ثورة في المعلومات، ويرتبط توفير خدمات شرطية أكثر ذكاءً باستراتيجيات تعتمد على البيانات والأدلة تُولي اهتمامًا كبيرًا بالوقاية ومنع جرائم.

ويقول مُطورو “كرايم رادار” أن التطبيق نجح في تجاوز ثلاثة تحديات رئيسية فيما يتعلق بتعقب الجرائم تشمل؛ التنبؤ بموسمية الجريمة، والمواقع الرئيسية التي تشهد جرائم، علاوةً على عرض النتائج بطريقة بسيطة.

ويسعى التطبيق لتجنب وصم مناطق مُعينة بسمعةٍ سيئة فيما يخص احتمالات وقوع الجرائم في المستقبل، ولذلك لا يُحدد بدقة أحياءً أو شوارع بل يُظهِر نتائج قطاعات يتألف كلٌ منها من 250 متر مربع. كما لا يُقدم معلومات حول أسماء مجرمين أو ضحايا. وفي المُقابل يُتيح “كرايم رادار” عددًا من خيارات البحث عن مستويات الجريمة في المناطق السياحية الشهيرة والمتنزهات وبعض المناطق الفقيرة. وقال موجا أن هذا يسمح للغرباء عن المدينة بفهم أفضل للوضع على الأرض.

خطط لتطوير التطبيق وإصداره في مدن أخرى

ومع انطلاق النسخة الأولى من التطبيق الأسبوع الماضي، توجد بالفعل خطط لتحديثه ليشمل الأحياء الفقيرة في ريو دي جانيرو أو ما يُعرف باسم “فافيلا”. وفي الوقت الراهن لا يشملها بسبب نقص البيانات المُتاحة عن مُعدلات الجرائم فيها.

وأرجع موجا سبب نقص بيانات الأحياء الفقيرة إلى أن أغلب الجرائم لا يجري الإبلاغ عنها؛ نظرًا للتهديدات القوية من عصابات تهريب المخدرات. وقال أن الأحياء الفقيرة الضخمة التي يسكنها مئات الآلاف تخضع بشكل كبير لسيطرة العصابات وتشهد عنفًا متكررًا، لافتًا إلى أن البيانات الخاصة بتلك المناطق غالبًا ما تفتقر إلى الموثوقية وتتسم بمستوى مرتفع من التقلب، الأمر الذي دفع الفريق إلى استبعادها من الإصدار الأول من “كرايم رادار”.

وأكد جوندون أنه مع رغبة الفريق في سد الفجوات الحالية في بيانات التطبيق كما هو الحال مع الأحياء الفقيرة، إلا أن القيام بذلك يتوقف على إدخال تحسينات على جودة جمع البيانات والبلاغات. وقال أن الفريق تجنب الاستعانة بحشد المصادر لجمع البيانات؛ لما قد ينتج عنها من أخطاء وتضليل يُؤثر سلبًا على موثوقية التطبيق.

ويسعى فريق “كرايم رادار” إلى التعاون مع الوكالات المسؤولة عن الأمن العام لتحسين طرق الإبلاغ، ما يعود بالفائدة على التطبيق. وربما تُوفر الإصدارات التالية من “كرايم رادار” ميزة اهتزاز هاتف المستخدم عند دخوله في منطقة تشهد مخاطر مرتفعة لوقوع جرائم، كما قد يرتبط بأدوات أخرى لرصد الجريمة. وقال موجا: “نخوض حوارًا مع شركاء حكوميين وغير حكوميين حول إضافة طبقات أخرى من البيانات”.

وعلاوةً على خطط تحديث “كرايم رادار” في ريو دي جانيرو، يجري التخطيط لإطلاق تطبيقات مُشابهة في مدن أخرى إذا ما توافرات البيانات الضرورية عن الجرائم السابقة. وكشف جوندون عن إجراء الفريق نقاشات مع وكالات حكومية لإصدار تطبيقات مُماثلة، وأضاف موجا عن دراسة الفرص المناسبة في أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الأمريكية.

وأوضح أن برمجة التطبيق تُلائم أية ظروف طالما توافرت بيانات تُغطي تاريخ الجرائم لعدة أعوام وتُقدم تفاصيل كافية لتكوين خريطة دقيقة. وقال موجا: “ننظر إلى (كرايم رادار) كمنصة يُمكن توسيعها إلى مدن وولايات أخرى في البرازيل وفي مختلف أنحاء العالم. إنه جزءٌ لا يتجزأ من ثورة أوسع للبيانات المفتوحة والحكومة المفتوحة”، مُضيفًا: “والأهم من ذلك أنه طريقة لمساعدة المواطنين على اتخاذ إجراءات لتعزيز أمنهم وسلامتهم بدلًا من الاعتماد حصرًا على الشرطة”.

المصدر