تطور الذكاء الاصطناعي يُعزز أهمية الذكاء العاطفي

كحال جميع التقنيات التي تُحدث تغيرات جذرية يجمع تطور الذكاء الاصطناعي بين إثارة الحماس والمخاوف؛ فمن ناحية قد يُسهِم في تحسين الحياة اليومية ويُيسر تشخيص الأمراض وعمليات التصنيع، ومن ناحية أخرى قد يكون للبرمجيات المتطورة والروبوتات آثارًا سلبية على المستويين الاجتماعي والاقتصادي ولاسيما ما يخص القوى العاملة والمستقبل المهني لملايين الأشخاص، ما يُشير لضرورة الاهتمام بتدريس مهارات جديدة تضمن للبشر مكانًا في المنافسة مع الآلات.

وفي ضوء التطور السريع للذكاء الاصطناعي، يمتد تأثيره إلى وظائف تتطلب التفكير والبحث وليس فقط العمل اليدوي، وهي وظائف لم يتصور أحد قبل سنوات قليلة إنجازها دون متخصصين مدربين من البشر، ومنها المعلمين والأطباء والمستشارين الماليين والوسطاء في أسواق الأسهم.

وفي الواقع تتبع الكثير من الوظائف على اختلافها نفس إطار العمل، ويبدأ بجمع البيانات، ثم تحليلها، وتفسير النتائج، ثم تحديد الإجراءات اللازمة، وصولًا إلى تنفيذ الإجراءات المقترحة. ويصدق ذلك على مهن مختلفة؛ وعلى سبيل المثال يُجري الأطباء اختبارات ويُفسرون نتائجها من أجل التوصل إلى التشخيص الصحيح، ثم يخططون مسار العلاج المُلائم ويتعاونون مع المرضى في تنفيذه.

وكذلك يجمع المستشارون الماليون بيانات من عملاءهم وظروف الاستثمار ويُقيمون عناصر مثل مدى تقبل المخاطرة لاقتراح استراتيجية الاستثمار ومساعدتهم عملاءهم في تنفيذها.

ويعتمد المتخصصون في هذه المهن على ثلاث قدرات أساسية هي: خبرتهم بكيفية إنجاز المهام الأساسية المُتكررة بسرعة ودقة، وتجاربهم في تحديد الإجراءات الواجبة، وبراعتهم في مساعدة العملاء والمستهلكين. وباستطاعة الذكاء الاصطناعي قريبًا التفوق على البشر في الجانبين الأولين.

ومن السهل تصور إنجاز الحواسيب مهام جمع البيانات والتحليل بكفاءة، وهو ما يحدث الآن بالفعل. ويظل  البشر أسرى لتجاربهم وخبراتهم المحدودة وتحيزهم لآراء بعينها. ومثلًا لا يستطيع الأطباء متابعة جميع الأبحاث الجديدة المنشورة في تخصصصاتهم، وبالتالي يعتمدون على خبرات شخصية محدودة بغض النظر عن حجمها. وكذلك تستند آراء المستشارين إلى تجارب معدودة خلال مسارهم المهني.

وربما يقول البعض أنه لا يُمكننا الثقة بالآلات لاتخاذ قرارات مهمة تتعلق بالأمور الصحية والمالية، لكن في الواقع تثق الأجيال الجديدة بقدرات الآلات، كما يصعب تجاهل نجاحاتها مثل تشخيص الحاسب الفائق “واتسون” من “آي بي إم” لأعراض مرضية، وتنامي الإقبال على الاستشارات المالية من البرمجيات.

ويحتاج الموظفون الراغبون في الاحتفاظ بالقدرة على المنافسة في العصر الرقمي إلى التركيز على مهارات لا تتوافر في الذكاء الاصطناعي؛ وربما تنجح البرمجيات المتطورة في تحليل البيانات والتوصل إلى التشخيص الصحيح للمرض والعلاج المناسب، لكن الطبيب فقط يستطيع تفهم الظروف المالية والعائلية وأسلوب حياة المريض وتحديد خطة العلاج المُثلى. وأيضًا قد تنجح البرمجيات في اقتراح سبل تحسين أداء المؤسسات، لكن يتفوق البشر في مهام مثل تحفيز فريق العمل وتجنب الموضوعات المثيرة للخلافات السياسية وتحديد الأشخاص الأكثر مُلائمة لقيادة التغيير.

وستزيد قيمة هذه المهارات خلال العقد المُقبل، وستُشكل القدرة على الإقناع والتعاطف الفوارق المميزة للبشر في ظل تطور الذكاء الاصطناعي وقيامه بالمزيد من وظائفنا. وللأسف كثيرًا ما اعُتبرت هذه المهارات الإنسانية في مرتبةٍ تالية للمعرفة التقنية والخبرات المُتخصصة. ولذلك من المهم التركيز على التوصيات الثلاثة التالية من أجل التكيف مع تأثيرات التكنولوجيا على سوق العمل:

  1. تجنب محاربة تطور التكنولوجيا: ويعني الترحيب بالتغيير والسغي للاستفادة منه وبدوره التكميلي؛ فبمفدور الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة رفع إنتاج وأداء الاكثير من التخصصات وخفض التكاليف في الوقت نفسه.
  2. مراجعة القدرة على تحفيز فريق العمل والتفاعل معه وتحديد مواطن القوة والضعف فيما يخص الذكاء العاطفي.
  3. الاستثمار في تطوير الذكاء العاطفي والبدء بتغيير الفكرة السائدة عن المهارات المهمة للعمل، والعناية بتحسين قدرات الإدارة والتواصل والتأثير على الآخرين مثل الاهتمام بتحصيل المهارات التقنية.

المصدر والصورة