تغيير المدن والبنى التحتية سبيل لمكافحة تغير المناخ

يستهدف اتفاق باريس بشأن المناخ خفض الاحترار العالمي أو ارتفاع دراجات حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية، وتحث أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة دول العالم على اتخاذ إجراءات فورية من أجل التصدي لتغير المناخ. ويتطلب ذلك خفض انبعاثات الكربون، وإعادة النظر في تصميم المدن وتشييد البنية التحتية، وسيدعم إنشاء مدن ذكية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة الإجراءات الرامية لمكافحة تغير المناخ.

واعتبر أحدث تقارير “الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ” أن المدن تلعب دورًا أساسيًا في منع التغير المناخي الكارثي. وتُسهِم المدن بنسبة تتراوح بين 71 و76% من انبعاثات الكربون الناشئة عن استهلاك الطاقة.

وفي دول الجنوب العالمي أو الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية تتفوق المناطق الحضرية في استهلاك الطاقة على الريف. ويُتوقع أن تشهد المدن والتجمعات الحضرية الأصغر حجمًا أغلب النمو السكاني في المستقبل، وفي الوقت نفسه تفتقر المراكز الحضرية الصغيرة إلى الإمكانات الملائمة لمعالجة تغير المناخ.

وتهدف سياسة التوسع الحضري الجديدة في الصين إلى زيادة عدد سكان المدن من 52.4% في عام 2012 إلى 60% في عام 2020، ويستلزم ذلك مشروعات ضخمة للبنية التحتية واستثمار تريليونات الدولارات. وتشهد الهند توسعات هائلة في المناطق الحضرية والبنى التحتية.

وفي الواقع تُسهِم البنية التحتية في غازات الاحتباس الحراري عبر طريقين أولهما: الأضرار الناجمة عن تصنيع مواد البناء مثل الأسمنت والألومنيوم والصلب، والثاني أثناء استخدام منشآت البنية التحتية كعواقب سير السيارات والقطارات على الطرق والسكك الحديدية.

وخلصت دراسة جديدة إلى أن تصميم المباني وأنظمة المواصلات المستخدمة اليوم يُحدد حجم انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في المستقبل، ولذلك سيقود تحسين البنية التحتية إلى خفض الانبعاثات الضارة بمقدار النصف ابتداءً من عام 2040، ومن المُمكن تقليل الانبعاثات المستقبلية بمقدار 10 جيجا طن سنويًا، ما يُساوي تقريبًا الانبعاثات الحالية من الولايات المتحدة وأوروبا والهند معًا ويبلغ 11 جيجا طن.

وبمقدور المدن الحد من الانبعاثات عبر ثلاثة سُبل: تحديث البنية التحتية القائمة، وإنشاء بني تحتية جديدة تتميز بالاستخدام الفعّال للطاقة، وخفض الانبعاثات الإضافية الناتجة عن عملية التشييد. وبينما تستطيع مدن اليوم إحراز تقدم كبير عبر تجديد بنيتها التحتية، فإن الفرص الأكبر تكمن في مشروعات جديدة تُوفر استهلاك الطاقة من البدء.

وتبلغ التخفيضات السنوية للانبعاثات بفضل إنشاء بنية تحتية جديدة ما بين ثلاثة إلى أربعة أضعاف ما يُمكن خفضه نتيجة تحديث الطرق والمباني القائمة. وفي ضوء ذلك ينبغي على حكومات العالم الاهتمام بتطوير بنية تحتية منخفضة الانبعاثات ودعم الاستثمارات الصديقة للبيئة.

وبالإضافة إلى البنية التحتية، هناك فرص لتحسين الآثار البيئية للحياة في المدن من خلال تلبية الأماكن لأكثر من غرض كالسكن والعمل والترفيه معًا، وزيادة الترابط داخل المدن.

ولا يقتصر التوسع الحضري على المدن العملاقة مثل مومباي وشانغهاي، بل يشمل المدن الأصغر حجمًا التي تتوسع أسرع من المدن الكبيرة وستضم أغلب سكان المناطق الحضرية في العالم مستقبلًا. وتُعاني من  نقص إمكانات الإدارة والتمويل مقارنةً بنظيراتها الأكبر حجمًا.

ولذلك من المهم تجنب الإفراط في الاهتمام بالمدن العملاقة، وتحسين قدرات المدن المتوسطة والصغيرة على معالجة تحديات المناخ، ووضع سياسات للمناخ أوسع أثرًا وشاملة وقوية. وحتى الآن يبدو التغيير الفعلي نتيجة إجراءات المدن لمكافحة تغير المناخ غير واضح.

وتُمثل خطط مدن مثل لندن وطوكيو وبانكوك وجهود مجموعات مثل “اتفاقية رؤساء البلديات للطاقة والبيئة” مجموعة مدن “سي 40″ المهتمة بخفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، و”المجلس الدولي للمبادرات البيئية المحلية” بدايات جيدة جديرة بالتقدير وبحاجة للدعم.

ويحتاج العالم إلى مساندة إجراءات المدن والدول بأُطر عمل ومؤشرات تقيس التقدم الجاري نحو مستقبل أقل في الانبعاثات الكربونية. ومن خلال الاهتمام بالمدن الكبيرة والصغيرة معًا قد يتمكن العالم من بلوغ الهدف الطموح لاتفاق باريس وحماية الأرض.

الصورة