تغيير ثقافة المؤسسة شرط لنجاحها في التعامل مع البيانات

يُنتج عمل المؤسسات قدرًا هائلًا ومُتناميًا من البيانات، ولا تكفي الاستراتيجات وحدها للاستفادة منها، ويلزم أولًا ترسيخ ثقافة معرفة البيانات والاهتمام بها لدى جميع العاملين، ودون ذلك تظل الاستراتيجيات والخطط وتوظيف الكفاءات إضافات لا تُثمر تغييرًا كبيرًا.

ولا تعني المعرفة بالبيانات إجادتها، كما لا تستلزم تكوين مؤسسات تقتصر على علماء البيانات. وكما تُشير معرفة الشخص بالقراءة والكتابة إلى قدرته على فهم الكلمات المكتوبة واستيعابها، تعني معرفة البيانات فهم البيانات ونتائجها، دون أن يتفاعل الموظفون بالضرورة مع تحليل البيانات أو يحتاج عملهم ذلك.

ومن أجل جني ثمار البيانات وقيمتها، تتجه الكثير من المؤسسات إلى وضع خطط استراتيجية للاستفادة منها، لكن الاستراتيجيات الحديثة للبيانات تتغاضى عن قيمة تغير ثقافة المؤسسة، وتنتهي إلى تأسيس كيانات مُنعزلة، وتُركز على توظيف نخب من المتخصصين الخبراء في التعامل مع البيانات في وقتٍ تعتمد فيه المؤسسات أساليب عتيقة، ما يجعل الأمر أشبه بإضافة تحسينات حديثة وبراقة إلى عربة تجرها الخيول.

وفي الواقع لا تظل البيانات حكرًا على المتخصصين في علوم البيانات وتحليلها، بل تجمعها وتُحافظ عليها المؤسسة ككل بأساليبها القديمة. وبالتالي فإن غياب المعرفة العامة بالبيانات يقود إلى تجاهل الأهمية المُتنامية لاستراتيجيات البيانات، وإهمال المؤسسات –عن غير قصد- معايير جودة البيانات ما يُؤدي بدوره إلى نتائج ضعيفة المستوى.

ويكمن الحل في ترسيخ ثقافة الاهتمام بالبيانات لدى جميع الموظفين، ويتوقف نجاح استراتيجية البيانات وكفاءة مبادراتها فيما بعد على قوة ثقافة البيانات والتفاف المؤسسة حولها وليس المتخصصين فقط. ويندر انتشار هذا الأمر لثلاثة أسباب:

أولها: أن تغيير الثقافة مهمة مُعقدة ومبهمة، وتفشل 70% من البرامج الرامية إلى التغيير الثقافي.

وثانيها: عدم اهتمام المسؤولين عن إعداد استراتيجيات البيانات كثيرًا بالتغيير الثقافي الشامل، ويعتبر 77% منهم حوكمة البيانات أولويتهم الرئيسية.

ويكمن السبب الثالث في افتقار الكثير من مسؤولي البيانات إلى الإلمام الكافي بالتغيير المؤسسي، وتتركز خبرات 64% من الرؤساء التنفيذيين للبيانات في تكنولوجيا المعلومات أو البيانات.

ويُشير ذلك إلى أهمية تأسيس ثقافة معرفة البيانات وتقدير أهميتها داخل المؤسسات، وهو ما يبدأ بالتعلم والتطوير لجميع أفراد العمل دون الاقتصار على التخصصات الفنية والمهارات اللازمة للتنفيذ. ويتحقق ذلك من خلال ثلاث خطوات:

الخطوة الأولى: تقييم المعارف والمهارات اللازمة لثقافة البيانات، وفي هذا الشأن طوَّر “معهد البيانات المفتوحة” أداةً باسم “إطار عمل مهارات البيانات” Data Skills Framework لمساعدة المؤسسات على تأسيس ثقافة البيانات عبر المؤسسة وفي الوقت نفسه تقديم ما يحتاجه المتخصصون لتنفيذ عملهم.

الخطوة الثانية: الانفتاح؛ إذ يرتبط ترسيخ ثقافة البيانات باشتراك جميع العاملين في مشاعر الحماس تجاه أهمية البيانات وما تُتيحه من فرص لتحسين العمل والكفاءة، ويعني ذلك التخلص من السرية والتجاهل، وتقديم استراتيجية البيانات بلغة وبأسلوب يُثيران اهتمام الجمهور أو الموظفين ويدفعهم لإدراك التأثير الفعلي للبيانات على وظيفتهم المباشرة بدلًا من الحديث عن دورها العام في تخفيض التكاليف الإدارية. ومن المهم أيضًا إتاحة المجال أمام المتدربين لاختيار طريقة التعلم المناسبة لهم، بما يضمن فهمهم لاستراتيجية المؤسسة وانخراطهم فيها.

الخطوة الثالثة: الرصد والتحرك: يتطلب بناء ثقافة البيانات المرونة والرصد المنتظم للتغيرات والتكيف حسب الحاجة، وينبغي أن يجري التعريف بالبيانات في الوقت المناسب ويرتبط بدعم الأولويات الاستراتيجية.

ويعتمد نجاح المؤسسات في القرن الحالي على نشرها ثقافة البيانات وتقديرها بين جميع موظفيها على مختلف المستويات والتخصصات وليس فريق محدود منهم.

المصدر

الصورة