تقرير: “آبل” في مواجهة الحكومة الأمريكية: من سيفوز بالصراع على القوة؟

منذ بدء الخلاف المُعلن بين شركة “آبل” و”مكتب التحقيقات الفيدرالي” الأمريكي الأسبوع الماضي حول طلب مساعدة الشركة اختراق بيانات هاتف “آيفون” يعود إلى أحد المُشاركين في هجوم سان برناردينو، تتراكم يومًا بعد آخر ردود فعل تتفاوت بين التأييد والمعارضة، وتفسيرات مُختلفة لموقف الشركة وكيفية تطور الصراع.

ونال موقف “آبل” تأييد بعض مسؤولي شركات التكنولوجيا الكبيرة مثل “جوجل” و”فيسبوك” و”تويتر”، فضلًا عن ترحيب المنظمات المُدافعة عن الخصوصية والكثير من المستخدمين، مُقابل دعوات للشركة بالاستجابة للطلب الحكومي لاقتصاره على قضية محددة، بالإضافة إلى انتقادات أخرى لشركة “آبل” ورئيسها التنفيذي، وتفسيرات لموقفها بدوافع تتعلق بالتسويق وحسابات الأرباح أكثر من استنادها على مبادئ راسخة لحماية حقوق المستخدمين وخصوصيتهم.

وفي كل الأحوال يُسلط هذا الخلاف الحاد وغير المسبوق الضوء على قوة “آبل” وغيرها من شركات التكنولوجيا الكبرى التي تستند على قاعدة من المستخدمين تُقدر بمئات ملايين الأشخاص، وتتجاوز الحدود السياسية. كما لا يختلف كثيرون على أهمية المعركة الحالية كمرحلة مهمة في حروب عصر المعلومات التي تتداخل فيها قوة الحكومات والشركات مع رؤوس الأموال وتأثيرات واسعة لتكنولوجيا سريعة التقدم، وتمس قضايا كقوة الدول الوطنية وعلاقتها بمواطنيها.

وبغض النظر عن التفاصيل التقنية لطلب “مكتب التحقيقات الفيدرالي” وفرص بلوغه ما يُريد دون مساعدة “آبل”، تعود أهمية المواجهة ونقلها إلى العلن بعيدًا عن المفاوضات السرية إلى رغبة كلا الطرفين، “آبل” والحكومة الأمريكية، في تأسيس سابقة لمثل هذه القضية وغيرها أمام الرأي العام ومن الناحية القانونية تُحدد صاحب اليد العُليا في التحكم في البيانات التي تتزايد أهميتها كبوابة إلى حياة الملايين.

ما الذي تُريده الحكومة الأمريكية؟

يدور الخلاف الحالي حول هاتف “آيفون” عُثر عليه في سيارة استأجرها سيد رضوان فاروق وتاشفين مالك بعدما قتلت الشرطة الزوجين في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، وسبق ذلك بساعات قليلة إطلاقهما النار على تجمع في مدينة سان برناردينو في ولاية كاليفورنيا، ما أسفر عن مقتل أربعة عشر شخصًا، وجرح اثنين وعشرين آخرين.

ويعتقد “مكتب التحقيقات الفيدرالي” أن الهاتف يحوي أدلةً قيّمة تُفيد في سير التحقيقات، لكنه عجز عن تجاوز قفل الهاتف للوصول إلى المعلومات المُخزنة فيه. وفي الأسبوع الماضي طلب “مكتب التحقيقات الفيدرالي” من “آبل” مُساعدتها في اختراق بيانات الهاتف، وهو الطلب الذي رفضته الشركة.

وتعود ملكية الهاتف “آيفون 5 سي” الخاص بفاروق إلى إدارة الصحة العامة في مقاطعة سان برناردينو التي عمل بها، ووافقت على حصول “مكتب التحقيقات الفيدرالي” على الهاتف، وهو أمر يراه البعض يُضعف حجة “آبل” في الصراع الدائر. ويُمكن الوصول إلى بيانات الهاتف فقط في حال أمكن تجاوز رمز التعريف الشخصي الذي لا يتوافر لدى سلطات التحقيق الأمريكية.

ولا يُمكن اختراق هاتف فاروق من خلال تجربة أرقام مختلفة؛ نظرًا لوجود ميزة أمنية تمحو جميع بيانات الهاتف بعد عدد من المحاولات الخاطئة. كما لا يُمكن مثلًا اللجوء إلى نسخ بيانات الهاتف بطريقة ما؛ بسبب ارتباط تشفير الجهاز بمُفتاح فريد يُوجد ضمن عتاد الهاتف نفسه. ويعني ذلك كله اختصارًا أن “مكتب التحقيقات الفيدرالي” يُمكنه فقط اختراق الهاتف بمُساعدة “آبل”.

وطلب “مكتب التحقيقات الفيدرالي” من الشركة تطوير نسخة خاصة من نظام التشغيل “آي أو إس” يُمكن تثبيتها على الهاتف المُغلق دون الإضرار بالبيانات المُخزنة فيه، على أن تتضمن النسخة إلغاء خاصية مسح البيانات بعد عدة محاولات خاطئة، الأمر الذي سيسمح للوكالة الحكومية بتجربة عدد كبير جدًا من التخمينات بواسطة برامج مُعينة، وفتح قفل الهاتف.

وأشار باحثون أمنيون إلى أن الأمر قد يستغرق وقتًا طويلًا، وفي حال كان الهاتف مُؤمنًا برقم من أربع خانات يتطلب الأمر دقائق قليلة لتجربة 9999 احتمال مُمكن، بينما في حال كان محميًا بواسطة كلمة مرور من ستة خانات تجمع بين الحروف والأرقام، فقد تحتاج المحاولات أكثر من ثلاثمائة عام.

وتعترض “آبل” على المبدأ نفسه، وترى أن توفيرها مثل هذه الأداة، التي لا تُوجد لديها حاليًا، يحمل نفس المعنى والتأثير لاختراق جميع هواتف “آيفون” بتوفير مُفتاح رئيسي قادر على الوصول إلى مئات الملايين منها وتهديد خصوصية مستخدميها.

خطاب تيم كوك

كتب الرئيس التنفيذي لشركة “آبل”، تيم كوك، خطابًا مفتوحًا إلى المستهلكين نُشر في موقع الشركة، ولاقى قبولًا واسعًا في مواقع الإعلام الاجتماعي ووصل الأمر إلى تنظيم تظاهرات لتأييد موقف الشركة في مدن مُختلفة. ويُشار إلى موقف كوك الشخصي من حماية الخصوصية، وهو ما أعلنه مرارًا ووصفها له بالواجب المدني والحق الإنساني.

وقال كوك في خطابه أن اختراق هاتف واحد سيُضعف أمن جميع هواتف “آيفون”. وتحدث عن أهمية الهواتف الذكية واحتضانها أجزاءً مهمة من المعلومات الشخصية مثل المحادثات الخاصة والصور والفيديو والبيانات المالية والصحية، لافتًا إلى التزام “آبل” بحماية هذه البيانات.

واعتبر أن طلب “مكتب التحقيقات الفيدرالي” لا يقتصر على هذه القضية تحديدًا، بل يعني توفير “باب خلفي” للوصول إلى أجهزة الشركة لا يُمكن التحكم في كيفية استخدامه، الأمر الذي يُقوض التطورات الأمنية التي وفرتها الشركة على مدار سنوات لحماية مستخدميها، ومنهم عشرات الملايين من الأمريكيين، من الهجمات الإلكترونية.

ورأى أن الطلب الحكومي يتناقض مع أسس الأمن الرقمي، لافتًا في الوقت نفسه إلى موقف الشركة المُضاد للإرهاب وانطلاقها من الالتزام بقيم الديموقراطية الأمريكية ومساعدتها مُبكرًا في التحقيقات التي تلت الحادث، ومُقرًا بالنوايا الطيبة لمكتب التحقيقات الفيدرالي.

وقال كوك أن إذعان “آبل” لهذا الطلب غير المسبوق لن يضر سوى بالمواطنين الملتزمين بالقانون الذين يعتمدون على شركات مثل “آبل” لحماية بياناتهم، بينما سيُواصل المجرمين توظيف أدوات التشفير. ووصف الآثار المُترتبة على طلب الحكومة الأمريكية بالمُرعبة، وقد تقود لاحقًا إلى طلب الحكومة توسيع الاختراق ليشمل الرسائل والبيانات الصحية والمالية والموقع الجغرافي.

وفند كوك دفاع “مكتب التحقيقات الفيدرالي” عن طلبه باعتبار أنه يقتصر على هاتف واحد وقضية مُحددة، وقال أنه يمجرد توافر الأداة المطلوبة، سيصير من المُمكن استخدامها مرارًا وتكرارًا في أي عدد من الأجهزة، وشبهها بالمفتاح الرئيسي في العالم الحقيقي الذي يفتح مئات الآلاف من الأقفال.

إعلان حرب وشركات بملامح حكومية وامبراطورية

يرى أستاذ أمن المعلومات والخصوصية في “معهد أوكسفورد للإنترنت” في المملكة المتحدة، إيان براون، في خطاب تيم كوك “إعلانًا حقيقًا للحرب”، وقال: “إنها تقريبًا الحرب الأولى لعصر المعلومات بين مُمثل حكومي وآخر لا ينتمي لحكومة، إنه المُمثل غير الحكومي الأقوى في العالم”، بحسب ما تضمن تقرير لمجلة “نيو ساينتست” البريطانية.

وترجع جذور هذه المواجهة المُحتدمة إلى الوثائق التي كشف عنها المُتعاقد السابق مع “وكالة الأمن القومي” الأمريكية، إدوارد سنودن، في عام 2013 وكشفت عن ممارسات مراقبة واسعة النطاق للحكومة الأمريكية على مواطنيها، الأمر الذي زاد من حدة المخاوف حول الخصوصية الشخصية في عصر الإنترنت والهواتف الذكية، ودفع شركات التكنولوجيا إلى إصدار بيانات تُؤكد فيها مُعارضتها للمراقبة الحكومية، وعنايتها أساسًا بأمن المستخدمين.

لكن شركات التكنولوجيا العملاقة، وخلال تأكيد مُعارضتها لممارسات المُراقبة الحكومية، استعارت بعض سمات الحكومات. وقال براون: “إذا ما نظرت إلى (جوجل) و(مايكروسوفت)، فإنها لا تحظى فقط بقوة دول، بل تُنظم نفسها كدول. لدى (مايكروسوفت) قسم أجنبي يتفاوض مع الحكومات الأجنبية”، كما أسست “فيسبوك” وحدتها الخاصة بمُكافحة الإرهاب.

ويرى المُحاضر في قانون تكنولوجيا المعلومات والملكية الفكرية في “جامعة إيست أنجليا” البريطانية، بول برنال، تشابهًا بين نزاع “آبل” مع “مكتب التحقيقات الفيدرالي” من جانب، ومعركة “فيسبوك” مع “هيئة تنظيم الاتصالات” الهندية مُؤخرًا حول برنامج “فري بيزكس” للإنترنت المجاني. وقال برنال: “هناك شعور بأن شركات التكنولوجيا العملاقة هي الموجة الجديدة من الاستعمار. بطريقة ما تُقيم امبراطورياتها الخاصة”.

وأشار هاري هالبين، أحد أعضاء “رابطة شبكة الويب العالمية” W3C إلى اشتراك هذه الشركات في سمات معينة مع الحكومات. وفي حين تُصدر الحكومات لمواطنيها جوازات السفر ورخص قيادة السيارات كتعريفات للهوية، تُستخدم على الإنترنت وسائل تحديد الهوية تُوفرها شركات مثل “جوجل” و”فيسبوك” و”آبل”.

وترتبط تلك الهويات بخدمات أخرى مهمة مثل أنظمة الدفع الرقمي عبر الهواتف المحمولة مثل “جوجل والت” و”آبل باي”، الأمر الذي يُوسع نفوذ هذه الشركات، ويسمح لها بالتحكم في وصول المستخدمين إلى أموالهم وبياناتهم وممتلكاتهم الرقمية. وقال هالبين أن ذلك لا يعني اتجاه الدول الوطنية إلى الضعف، بل إن أُطرًا أخرى تُمثل ما بعد الدولة الوطنية تستحوذ على بعض أدوارها.

ويتجلى تحلي شركات التكنولوجيا الكبيرة بملامح الحكومات في قدرة الأولى على تخفيض فواتير الضرائب الواجبة عليها حول العالم، ما يضعها في مواجهة مُباشرة مع الحكومات. ومثلًا في عام 2014 سحبت “جوجل” أربعة عشر مليار دولار خارج الاتحاد الأوروبي لتجنب دفع الضرائب.

وبطبيعة الحال، لم يبدأ نفوذ الشركات الكبيرة مُتعددة الجنسيات الآن، بل هي ظاهرة قديمة، ومثلًا تحتفظ شركة “إكسون” للنفط وبسبب حجمها بالكبير بتأثير غير قليل في البلدان التي تعمل فيها. وفي القرن الثامن عشر أدارت “شركة الهند الشرقية” البريطانية الهند فعليًا، كما وُصفت أسرة بارينجز المصرفية بأنها واحدة من القوى العُظمى الست في قارة أوروبا.

مستهلكين مُخلصين أم مواطنين؟

ومع ذلك، لدى شركات التكنولوجيا العملاقة ما يُميزها عن القصص التاريخية لنفوذ الشركات؛ وهو ملايين المستهلكين المُخلصين، واختار الكثير منهم دعم شركاتهم المُفضلة في مواجهة حكوماتهم. ويصدق ذلك خصوصًا على النزاع بشأن الخصوصية والتشفير. وفي ضوء هذا يُمكن النظر لموقف “آبل” كحماية لمواطنيها.

وقال المُؤسس المُشارك لمؤسسة حرية الإنترنت، نيخيل باوا: “يتطلب الأمر دائمًا اتخاذ شخص ما لموقف، ثم يتبعه الآخرون”. وقادت المؤسسة حملة “انقذوا الإنترنت” Save the Internet التي ساعدت في هزيمة برنامج “فري بيزكس” للإنترنت المجاني من “فيسبوك” في الهند، وقاومت الحملة ملامح الحكومات التي أبدتها “فيسبوك”، وانتهت المعركة بقرار “هيئة تنظيم الاتصالات” الهندية بمنع “فري بيزكس” والبرامج المُماثلة.

وبينما قاوم باوا برنامج “فري بيزكس”، الذي واجه انتقادات كثيرة، يدعم رأي “آبل” في المعركة الحالية. وقال أن “آبل” تجني أرباحها من بيع الأجهزة، من الهواتف والحواسيب اللوحية والمحمولة، مُقابل “فيسبوك” التي تربح من بيع بيانات المستخدمين للمعلنين. ويرى باوا أن النموذج التجاري لشركة “آبل” يجعل منها قوةً حميدة.

وفي الواقع يعتبر البعض أن “آبل” تتخذ موقفًا قويًا حيال الدفاع عن الخصوصية في هذه القضية؛ لاعتمادها على بيع الأجهزة بعكس شركات مثل “جوجل” و”فيسبوك” تُعول أساسًا على عائدات الإعلانات وجمع البيانات، كما يقول البعض أن تصميم “آبل” يعود جزئيًا لعدم ارتباطها بتعاقدات مع الحكومة الأمريكية تدفعها للقلق على مصالحها، إلى جانب خشيتها من التأثير على قيمتيّ الأمن والخصوصية كملمحين رئيسين لعلامتها التجارية وصورتها على الصعيد الدولي.

ويختلف براون مع هذا تقدير باوا، ويرى في موقف “آبل” مُفارقةً كبيرة. وربما تكون حماية “آبل” لخصوصية المستخدمين أمرًا جيدًا، واحتفى به مُناصرو الخصوصية كثيرًا، لكن تكديس الشركة للقوة قد يكون خطيرًا.

وقال براون أنه لا ينبغي لشركات التكنولوجيا أن تعلو القانون مُستعينةً بالقاعدة الضخمة من عملائها. وعلى الرغم من جميع أخطاء “مكتب التحقيقات الفيدرالي”، فإنه في نهاية المطاف مؤسسة خرجت من نظام ديموقراطي على الأقل من ناحية المبادئ والنظريات، وهو نظام حكم من الشعب وبيد الشعب ومن أجله بتعبير أبراهام لينكولن. كما نشأت “آبل” أيضًا في سوقٍ حُرة، وتُدين بالفضل إلى المُساهمين فيها. وتساءل براون: “كيف نُطبق مفاهيم قيّدت الدول في الماضي مثل حقوق الإنسان وأعراف الحرب واتفاقات التجارة؟”.

ومن المُهم الإشارة إلى أن موقف “آبل” المُعارض قد يكون مُجرد لعبة باهظة التكلفة والعائد تحوي الكثير من التظاهر والادعاء بما يُخالف الواقع. وتحدث البعض عن طلب “آبل” من “مكتب التحقيقات الفيدرالي” إبقاء طلبه سرًا بعيدًا عن أعين الرأي العام. وربما تفعل “آبل” في الخفاء ما يُملى عليها استجابةً لأوامر سرية من المحكمة، وتُقدم المفاتيح الخاصة. وهو أمر لا يُمكن للجمهور معرفته.

ولفت باوا إلى الأهمية التاريخية لهذه المعركة ومآلاتها، وقال: “سنرى ما إذا كان المواطنون سيدعمون شركات تُدافع عنهم أم لا”. وفي الولايات المتحدة تتأثر اتجاهات الرأي العام كثيرًا بمخاوف الأمن القومي، وكشف استطلاع أجراه “مركز بيو للأبحاث” عن تأييد أكبر لموقف “وزارة العدل” الأمريكية لفك شفرة هاتف “آيفون”، وربما يعتمد كل شيء على ما يحمله هاتف فاروق حال كُشفت محتوياته يومًا ما.

مصدر الصورة