تقرير: أي دور سيلعبه علم المواطن في دعم الابتكار؟

على مدار عقود مُتتالية أسهم العلماء المواطنون ببيانات ثمينة قدمت الكثير للأبحاث العلمية من الملاحظات الميدانية للحيوانات البرية وحتى تصنيف الصور على الإنترنت. ويُشير علم المواطن Citizen Science، أو ما يُطلق عليه أحيانًا العلم المعتمد على حشد المصادر أو العلم المدني أو المتشابك أو المراقبة الطوعية، إلى مُشاركة أشخاص عاديين غير متخصصين في إجراء الأبحاث العلمية وغالبًا بإشراف علماء مُحترفين. ويتفق في بعض سماته مع مفاهيم مُشابهة مثل صحافة المواطن.

وغالبًا ما يقتصر إسهام علم المواطن على مساعدة العلماء المحترفين في مهام يُحددونها، واستكمال ما يعجز الباحثون عن عمله بسبب قيود الوقت ونقص الموارد البشرية. ودفع هذا النوع من التفاعل من المستويات الأعلى إلى الأدنى علم المواطن إلى هوامش البحث العلمي، واعُتبِر مجرد وسيلة لسد النقص في العمالة البشرية. وبذلك لم تتبين بعد قيمته الكاملة. ويُؤثر تقليص دور العلماء المواطنين سلبًا على تقدم الاكتشافات العلمية ونطاقها.

وفي المُقابل، هناك مسار مختلف لعلم المواطن يُوظف تزايد الترابط والاتصالات في ظل العولمة وحركة البيانات المفتوحة والبرمجيات والأجهزة مفتوحة المصدر. ووفقًا لهذا التصور يتحول علم المواطن إلى جزءٍ أساسي من الابتكار المفتوح، ويسمح للمواطنين بوضع خطط للأبحاث العلمية. وسيقود نجاح هذا النموذج إلى انتقاله إلى مجالات أخرى تتجاوز البحث العلمي ومنها تطوير المدن والتخطيط الحضري وسُبل الإدارة الحكومية والتنمية الاقتصادية.

قصص نجاح علم المواطن

منذ ما يزيد عن مائة عام يستفيد علم المواطن من القوة الجمعية لعقول الأشخاص العاديين من أجل جمع بيانات وملاحظات ومُطابقة بيانات تُسهِم عمومًا في توسيع نطاق الاستكشاف العلمي. وأثمر ذلك عن نجاحات لافتة منها مشروع “إي بيرد” eBird الذي تابع فيه العلماء المواطنون انتشار الطيور من خلال الملاحظة الميدانية، وأسهمت هذه البيانات في أكثر من تسعين مقال بحثي.

ويعتمد “ديد يو فيل إت؟” ?Did You Feel It على حشد المصادر لجمع معلومات حول وقوع الزلازل في مختلف أرجاء العالم. أما مشروع “سناب شوت سيرينجيتي” Snapshot Serengeti فيستعين بالمتطوعين في تعريف وتصنيف ووضع فهارس بالصور التي تُلتقط يوميًا للطبيعة والكائنات الحية في منطقة سيرينجيتي في تنزانيا.

لعبة FoldIt

يتولى المستخدمون في لعبة FoldIt ثني تراكيب البروتينات لمساعدة الباحثين في المجال الطبي

ومن بين نماذج نجاح علم المواطن مشروع لعبة “فولد إت” FoldIt على الإنترنت والتابع لجامعة واشنطن الأمريكية. ويُكلَف اللاعبون باستخدام الأدوات المُتاحة لثني تراكيب البروتينات؛ بهدف مساعدة العلماء على اكتشاف إمكانية الاستفادة من هذه التراكيب أو البُنى في تطبيقات طبية. ونجح مجموعة من المستخدمين في تحديد البنية البلورية لإنزيم يتصل بنسخة فيروس “نقص المناعة المُكتسبة” التي تُصيب القرود في غضون ثلاثة أسابيع، وهي مشكلة ظلت سابقًا دون حل لمدة خمسة عشر عامًا.

وربما يكون مشروع “جالاكسي زوو” Galaxy Zoo أشهر إنجازات علم المواطن على الإنترنت. ويتضمن صورًا من “مسح سلووان الرقمي للسماء” Sloan Digital Sky Survey، ويُسهِم المتطوعون في تصنيف المجرات من ناحية الشكل، ونجح علماء الفلك المواطنون في اكتشاف فئة جديدة كليًا من المجرات أشبه بحبات البازلاء الخضراء، وصارت موضوعًا لأكثر من عشرين بحثًا أكاديميًا.

وتُعتبر هذه الأمثلة جميعًا نماذج لإسهام المواطنين في مشروعات تخضع لإشراف علماء مُتخصصين، لكن في الواقع يُوفر علم المواطن فرصًا أكبر ويُتيح دورًا أوسع للمتطوعين بالاستفادة من الابتكار المفتوح وتأثيرات العولمة والانتشار الواسع للتقنيات الرقمية وتراجع تكلفتها.

دور الابتكار المفتوح في تقدم علم المواطن

من المُلائم الآن الجمع بين ميزات علم المواطن والابتكار المفتوح الذي يُشير إلى التعاون بين أشخاص وتقاسمهم للأفكار بهدف التوصل إلى اكتشافات جديدة. ويقوم على تصور إمكانية إنجاز المزيد عند تقليص العوائق وإتاحة الموارد التي تشمل الأفكار والبيانات والتصميمات والبرمجيات والأجهزة مجانًا للجميع.

ويُعبر الابتكار المفتوح عن عملٍ تعاوني ومُوزع وتراكمي يتطور بمُضي الوقت. وربما يُمثل علم المواطن مُكونًا بالغ الأهمية في هذا النوع من الابتكار؛ نظرًا لأن الجمع بين إسهام المحترفين والهواة قد يُصبح مصدرًا رئيسيًا للبيانات والمعايير وأفضل المُمارسات التي تسمح بمواصلة العمل العلمي وتخدم المجتمعات.

ودعمت العولمة وسماتها هذا الاتجاه كثيرًا من خلال الانتشار واسع النطاق للإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات اللاسلكية وتراجع تكلفة الأجهزة المُستخدمة في جمع البيانات مثل الكاميرات والهواتف الذكية وأجهزة الاستشعار الذكية والتقنيات القابلة للارتداء وقدراتها الكبيرة على الاتصال اليسير ببعضها البعض.

مشاركة المتطوعين في إجراء الأبحاث العلمية

تُيسر الهواتف الذكية وتقنيات الاتصال مشاركة العلماء المواطنين في إجراء الأبحاث العلمية

ويُطلِق تزايد إمكانات الوصول إلى المعلومات والأفكار آفاقًا جديدة وأشكالًا جديدة من العلاقات والتعاون الذي يتخطى الحدود، ويُوفر للأفراد مجالًا واسعًا للاهتمام واستثمار أوقاتهم فيما يريدون البحث فيه. ويتجلى ذلك فيما يُعرف باسم “اقتصاد الحل” Solution Economy، الذي يُشير إلى توصل المواطنين إلى علاجات وحلول لتحديات طالما تولت الحكومات تقليديًا إدارتها والتعامل معها.

ومن ذلك قضية سهولة تنقل المعاقين. واستهدف قانون الأمريكيين من ذوي الإعاقة الذي صدر في عام 1990 تحسين إمكانات تنقل المعاقين في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن بعد مرور أكثر من عقدين تستمر مُعاناة ذوي الاحتياجات الخاصة من مشكلات التنقل في الأماكن العامة؛ لأسبابٍ منها سوء حالة الطرق، وتصدع بعض الأرصفة أو غيابها كليًا، وغياب المنحدرات اللازمة للكراسي المتحركة، وانتشار العوائق، وإمكانية وصول المعاقين إلى أجزاءٍ محدودة من المباني دون غيرها. ويتصل ذلك كله بتحديات مادية وعاطفية تُواجه ذوي الإعاقة في حياتهم اليومية.

وبهدف المساعدة في التعامل مع هذه القضية جمع البعض بين علم المواطن والابتكار المفتوح والمصادر المفتوحة لتوفير تطبيقات للويب والأجهزة المحمولة، تُقدِم معلومات عن سُبل تنقل المعاقين في الشوارع. ومن ذلك تجربة جيسون داسيلفا، وهو مخرج أفلام يُعاني من مرض التصلب العصبي المتعدد.

وطور داسيلفا تطبيق “أيه إكس إس ماب” AXS Map المجاني للويب والهواتف الذكية، ويعتمد على واجهة برمجة التطبيقات في خدمة “أماكن جوجل” Google Places. ويستفيد التطبيق من حشد المصادر لجمع معلومات على مستوى الولايات المتحدة حول مدى سهولة استخدام كراسي المعاقين في كل مكان.

استثمار نموذج علم المواطن خارج الأبحاث العلمية

في واقع الأمر لا يوجد ما يفرض اقتصار الاستفادة من توزع الموارد والعمليات المفتوحة في علم المواطن على المجال العلمي والإجابة عن التساؤلات العلمية وحدها. ومثلًا يبحث مشروع “ساينس جوسيب” Science Gossip في المُنجزات العلمية للعلماء المواطنين في التاريخ الطبيعي خلال العصر الفيكتوري، ويتبع المشروع بوابة “زوونفيرس” Zooniverse على الإنترنت لعلم المواطن.

واعُتبر العصر الفيكتوري، الذي يمتد من ثلاثينيات القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين، علامةً لبداية البحث العلمي الحديث ولاسيما الأبحاث العابرة للتخصصات، وحينها توزعت الأفكار العلمية بين الخطابات الخاصة والكتب والصحف والدوريات، كما شهدت تلك الفترة بداية النشر واسع النطاق.

ويُتيح مشروع “ساينس جوسيب” للعلماء المواطنين البحث في صفحات من دوريات التاريخ الطبيعي خلال العصر الفيكتوري، ويطرح الموقع أسئلةً بحثية تضمن اتصال مُشاركات المتطوعين ببعضها البعض. ويتمثل المنتج النهائي في بيانات رقمية تعتمد على مائة وأربعين ألف صفحة من الدوريات المنشورة خلال القرن التاسع عشر، ويُمكن الإطلاع عليها بسهولة ومجانًا من خلال “مكتبة تراث التنوع البيولوجي” Biodiversity Heritage Library على الإنترنت.

مشروع Science Gossip

يكشف مشروع Science Gossip جانبًا من إنجازات العلماء المواطنين خلال القرن التاسع عشر بالبحث في الدوريات المنشورة

ولهذا العمل فوائده الواضحة للباحثين في التاريخ الطبيعي، وكذلك لهواة الفنون وعلماء الأعراق البشرية وكُتاب السيّر الذاتية والمؤرخين والمهتمين بفنون البلاغة والخطابة ومؤلفي الكتب التاريخية الخيالية ومخرجي الأفلام الساعين إلى توفير أجواء تاريخية دقيقة لأعمالهم. وتتجاوز قيمة المجموعة البيانات العلمية، ولها أهميتها الكبيرة في الفهم العام للفترة التي جُمعت عنها البيانات.

وعلاوةً على الاستفادة من نموذج علم المواطن في مجالات غير الأبحاث العلمية والاكتشافات الجديدة، يُمكن تصور مسار مختلف يتولى فيه المواطنون أنفسهم دون الباحثين المتخصصين تحديد مجالات البحث، وربما يُوفر سبيلًا لتمكين أفراد المجتمع ولاسيما في وجود مجتمعات محرومة من حقوق المشاركة والتصويت.

وفي الوقت الراهن تسعى الكثير من الحكومات المحلية إلى اعتماد تقنيات المدن الذكية، أي المدن التي تستفيد من تقنيات المعلومات والاتصالات لتحسين جودة الحياة للسكان وطُرق إدارة الأصول والموارد. ويستطيع علم المواطن التأثير مُباشرةً على مشاركة المجتمع والتخطيط الحضري من خلال استهلاك البيانات والتحليل وردود الأفعال واختبار المشروعات. كما يستطيع السكان جمع بيانات حول قضايا تهم حكومتهم المحلية، وتُتيح التكنولوجيا والابتكار المفتوح تحقيق ذلك كله.

عقبات تعترض توسع علم المواطن

ربما تكون مسألة الموثوقية بالنتائج هي أهم القيود التي تُعرقِل توسيع نطاق الاستفادة من علم المواطن. وعلى سبيل المثال، واجه تقييم المتطوعين لحجم الخسائر التي أحدثها إعصار هايان في الفلبين في عام 2013 من خلال صور الأقمار الاصطناعية تحديات. ووفقًا لوكالات الإغاثة عانى تقييم العلماء المواطنين لحجم الخسائر من مستوى منخفض من الدقة بلغ 36% فقط، وبالغ المتطوعون في تقييم عدد المباني المُدمرة بنسبة 134%.

وفي كثيرٍ من الأحيان ترجع عيوب الموثوقية إلى نقص تدريب المتطوعين وسوء التنسيق فيما بينهم وغياب المعايير القياسية في المنصات المستخدمة وفي جمع البيانات. وفي حالة إعصار هايان تبين أن صور الأقمار الاصطناعية لم تُوفِر القدر الكافي من التفاصيل أو صور عالية الدقة بالقدر المطلوب بما يسمح للمساهمين بالتصنيف الدقيق لحالة المباني. كما لم يتوافر الإرشاد المُناسب للمتطوعين بما يُساعدهم على التقييم الدقيق. وغابت المعايير والتوحيد القياسي لإجراءات التحقق ومُراجعة تقييمات المتطوعين.

إعصار هايان في الفلبين 2013

لم يتسم تقييم المتطوعين لحجم الدمار الذي خلفه إعصار هايان في الفلبين 2013 بمستوى مرتفع من الدقة، وتُواجه الكثير من مشروعات علم المواطن تحديات تتعلق بالموثوقية

وبالإضافة إلى مسألة الموثوقية يكمن تحد آخر في الابتكار مفتوح المصدر؛ ويتعلق بكيفية تنظيم البيانات وتوحيدها على نحو يضمن انتفاع مختلف الأطراف منها. وبطبيعة الحال تُلائِم عملية جمع البيانات أساسًا احتياجات خاصة للمشروعات البحثية. ومع ذلك يبقى المسؤولون عن قواعد البيانات بحاجة إلى الالتزام بمعايير جمع البيانات التي تسمح باستفادة جهات أخرى من البيانات، وفهمها لأسباب جمعها ووقته ومعرفة المشاركين في العملية.

كما تستحوذ البيانات المفتوحة والسماح للجميع باستخدامها مجانًا وإعادة نشرها على قدرٍ كبير من الأهمية، وعلى الرغم من الدعوات المُتعددة والقبول الشعبي الواسع لإقدام الحكومات على نشر بياناتها، إلا أن ذلك لم يتحقق بعد بالقدر المطلوب ولم يُحدِث حتى الآن كل التأثير المنشود.

وفضلًا عن البيانات الحكومية، لا يزال إتاحة البيانات التي تمتلكها مؤسسات غير حكومية مثل المؤسسات غير الربحية والجامعات والشركات ناقصًا ويحتاج إلى الكثير من العمل. ويتطلب الأمر إقدام المنظمات المختلفة على نشر بياناتها قدر الإمكان لتوفير بيئة تُشجع على الابتكار في المستقبل.

وبالفعل أثبت نموذج علم المواطن نجاحًا في بعض المجالات، كما تُوجد فرص كبيرة لتطبيقه في قطاعات أخرى من خلال استثمار تأثيرات العولمة في تعزيز الابتكار. ويتطلب ذلك المزيد من الاهتمام بموثوقية علم المواطن ومُساهمات المتطوعين، وإتاحة البيانات المفتوحة في مختلف القطاعات، بالإضافة إلى السعي المُتواصل لنقل نموذج علم المواطن إلى تخصصات ومجتمعات جديدة.

المصدر

مصادر الصور: 1 2 3 4 5