تقرير: الأمن والخصوصية ونظام الإدارة.. تحديات تُواجه تكنولوجيا المدن الذكية

لا يبدو الإقبال على تقنيات المدن الذكية في سبيله للتراجع قريبًا، وهو أمر مُتوقع في ظل نمو المدن سواءً من ناحية السكان أو الحجم، وتنامي حاجتها إلى أدوات رقمية وأنظمة تُساعد في إدارة مُختلف المرافق والخدمات من المرور والسلامة العامة إلى النفايات وانتظار السيارات. وتتوقع شركة “نافيجانت” لأبحاث السوق ارتفاع الإنفاق على تقنيات المدن الذكية على الصعيد العالمي إلى 27.5 مليار دولار بحلول عام 2023.

ويُرافق تنامي اعتماد المراكز الحضرية على أجهزة الاستشعار والخوارزميات الآلية المعنية بتحسين الإنتاجية والاستدامة والمشاركة المدنية مخاطر عدة؛ تشمل اختراقات لأمن البيانات وثغرات تسمح بانتهاك خصوصية المواطنين، فضلًا عن مخاوف بشأن مدى الوثوق بالبرمجيات.

ويومًا بعد آخر تزيد المدن من اعتمادها على البيانات لاتخاذ القرارات المختلفة، وفي الوقت نفسه تزيد المخاوف من أن يقود ذلك لاحقًا إلى نظم حكم تكنوقراطية أي التي تعتمد على الكفاءات، وتحل مكانة العمليات السياسية التقليدية المُعتمدة على التشاور ودور المواطنين.

وحتى الآن شهدت تقنيات المدن الذكية القليل من المشكلات، وإن كانت جميعها تُنذر بأخطارٍ أكبر. ومثلًا تسببت ثغرة في البرمجيات في إيقاف نظام قطارات الأنفاق في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية قبل ثلاثة أعوام، وإبقاء بعض الركاب تحت الأرض لبعض الوقت.

وفي عام 2006 وخلال إضراب عمالي في مدينة لوس أنجليس اتُهم اثنين من مهندسي المرور بقرصنة نظام إشارات المرور الضوئية الذكية في المدينة، ما تسبب في ازدحام حركة السير لعدة أيام. وقبل عامين نشر باحثون في شركة أمنية تدوينة شرحوا فيها سهولة اختراق إشارات المرور في العاصمة الأمريكية واشنطن دي.سي. بسبب افتقارها إلى أية ضوابط أمنية.

الأمن والموثوقية والسلوك والخصوصية

تعتمد تكنولوجيا المدن الذكية على شبكات الإنترنت اللاسلكية التي يتزايد ضعفها أمام هجمات القراصنة، وترتبط ببعضها البعض لتحسين الأداء كما هو الحال في شبكات الكهرباء من أجل الحد من إهدار الطاقة، وأنظمة إدارة المرور سعيًا لتقليل الازدحام في شبكات الطرق، ويتضح دورها أيضًا في الأنظمة الذكية للمياه المُصممة لتحسين كفاءة المرافق.

وفي العام الماضي نشرت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية دراسة تناولت مخاطر الأمن الإلكتروني في المدن الذكية بعنوان “مستقبل المدن الذكية: خطر البنية التحتية الإلكترونية المادية”. وفصلت المسألة إلى ثلاث موضوعات تتقاطع مع الاعتبارات الأمنية للبنية التحتية الذكية.

وكان أولها الاتصالات القائمة بين مكونات البنى التحتية الحضرية والريفية والموروثة والجديدة، وتؤدي إلى زيادة نفاذ القطاعات المسؤولة عن المواصلات وأنظمة الكهرباء والمياه وزيادة إمكانية الوصول إليها عن بُعد. وبينما يُيسر هذا الاتصال تدفق البيانات، فإنه يُضيف حدود وجبهات جديدة يتوجب على المدن تأمينها.

وثانيها المخاوف التي أثارها التقرير بشأن تفاوت التحول إلى التقنيات الذكية سواءً بسبب الموارد المحدودة أو تباين استعداد المستهلكين وهو ما يظهر مع المركبات ذاتية القيادة. ويتبع ذلك الخوف من ثغرات أمنية مثل “البقع العمياء” التي لا يكتمل فيها اندماج التقنيات الجديدة والقديمة، بالإضافة إلى مشكلة التكلفة التي يتوجب على المرافق دفعها من أجل توفير الحلول الذكية والاحتفاظ في الوقت نفسه بنظامٍ احتياطي يدوي للاستخدام عند وقوع مشكلات.

أما الموضوع الثالث فتمثل في تقليل أنظمة المدن الذكية للتفاعل البشري سعيًا لزيادة كفاءة أنظمة الحواسيب. ويُرافق لجوء المدن إلى الحلول المُعتمدة على البيانات وأجهزة الاستشعار زيادة عدد نقاط الوصول الأمني وقلة أنظمة التحكم اليدوي ومعها تضعف المهارات البشرية اللازمة لتشغيل الأنظمة.

ويُضاف إلى ذلك الأخطاء المُحتملة عند توظيف الأنظمة الذكية في تشغيل أجزاء حيوية من البنى التحتية أو بهدف كفاءة الخدمات العامة. ومنها مثلًا تعطل موقع “هيلث كير” HealthCare.gov الحكومي الأمريكي بسبب زيارة الكثير من الأشخاص في نفس الوقت. وكذلك “مشكلة عام 2000″ أو مشكلة الألفية” Y2K الخاصة بتغيير التاريخ في الحواسيب في مطلع القرن الحادي والعشرين، وكلف إصلاحها الحكومات والشركات 300 مليار دولار.

وبحسب ما كتب روب كيتشن، الأستاذ في “جامعة ماينوث” في أيرلندا والمُتخصص في المدن الذكية ومشكلات البنية التحتية الحضرية، تُمثل هذه أنواع المشكلات التي قد تقع عند استخدام برمجيات يُحتمل أن تتضمن أخطاءً وأن تكون هشة وعرضة للقرصنة، وبالتالي تُسبب نقاط ضعف شاملة في البنية التحتية بالغة الأهمية.

كما تبرز مشكلة الاستعانة بالتكنولوجيا لزيادة كفاءة منشآت للبنية التحتية القديمة التي قد يبلغ عمرها عدة عقود. ويُمكن في هذا السياق استعادة أزمة انقطاع الكهرباء في مناطق واسعة من شمال شرقي ووسط غرب الولايات المتحدة وعدد من المدن الكندية في عام 2003 الذي دام لثلاثين ساعة، ونتج عن خللٍ برمجي في نظام الإنذار في غرفة تحكم شركة الطاقة.

وعبر كيفن دي سوزا، العميد المُشارك للأبحاث في كلية الخدمة العامة وحلول المجتمع في “جامعة ولاية أريزونا”، بقوله: “أجزاء كبيرة من البنية التحتية الأمريكية مُتداعية بالفعل، وعند إضافة مستوى من التعقيد مثل تكنولوجيا ذكية إلى شيءٍ بالغ الضعف ستزداد صعوبة صيانته”. واعتبر دي سوزا أن الحل الأفضل لتحويل البنية التحتية القديمة إلى أخرى ذكية يتمثل في إعادة بنائها كليًا، واستبعد هذا الخيار بالنظر إلى موارد الحكومة الأمريكية.

وتهدف تقنيات المدن الذكية إلى جمع بيانات في الوقت الحقيقي حول الأشخاص والأنشطة وتقديم هذه المعلومات إلى المسؤولين عن اتخاذ القرار للتوصل إلى سياسات يُؤمل منها تعديل السلوكيات لتحقيق الصالح العام. ومن أمثلة ذلك الشرطة التنبؤية وكذلك أجهزة مُراقبة سرعة السيارات، وترمي الحكومات من استخدامها إلى تشجيع الأشخاص على قيادة السيارات بسرعات مُنخفضة وسط الأحياء السكنية. ومع ذلك، فإن الخطأ في توظيف الأنظمة الذكية قد يقود إلى سياسات سيئة.

وقال دي سوزا: “جمع البيانات واستخدام التحليلات التي تُوفر المزيد من المعلومات الاستخبارية لدفع سلوكيات الأشخاص بطريقة أخلاقية أمرٌ، وإجبار الأشخاص على القيام بأشياءٍ تُقيد سلوكياتهم أمرٌ آخر”. واستشهد باحتمال تطبيق سياسات تمييزية ضد فئة معينة استنادًا على البيانات التي جُمعت حولهم، ومن ثم إجبارهم على دفع مُقابل أكبر نظير الخدمات أو تقليل القدر الذي يحصلون عليه من المنافع العامة.

ولا يُمكن تجاهل المخاوف من انتهاك خصوصية الأفراد عند استخدام تقنيات المدن الذكية؛ إذ يُمكن للكثير منها جمع معلومات تُسهِم في كشف هويات الأشخاص وبيانات على مستوى الأسرة عن المواطنين، كما تربط مُختلف المعلومات معًا لتكوين ملفات حول الأشخاص والأماكن سعيًا لاتخاذ قرارات بشأنهم، بحسب ما تضمن تقرير كيتشن حول المدن الذكية المنشور هذا العام.

وتُعتبر تطبيقات الهواتف اذلكية أحد المصادر الرئيسية للخطر؛ نظرًا لاعتماد الكثر من خدمات المدن الذكية عليها. وأوضح كيتشن أن كل هاتف ذكي يحمل مُعرفات فريدة يُمكن للتطبيقات الوصول إليها وتبادلها، كما تستطيع أطرافٌ خارجية الحصول عليها من خلال إشارات “واي فاي” و”بلوتوث”.

ولفت كيتشن إلى إمكانية استغلال هذه المعرفات لتتبع الهاتف ومالكه. وعلى الرغم من أن هذه المُحددات تحمل اسمًا مُستعارًا إلا أنها علامات واضحة جدًا لمعلومات شخصية مُرتبطة بها مثل أرقام الهواتف وحسابات البريد الإلكتروني ومواقع الإعلام الاجتماعي وسجلات العناوين والرسائل وتفاصيل البطاقات الائتمانية ومعلومات مرجعية أخرى مثل عناوين المنزل والعمل.

الحكم التكنوقراطي

قد يكمن الجانب الأقل وضوحًا والأكثر إثارة للقلق في تقنيات المدن الذكية في الحاجة إلى برمجيات تحليلية من أجل تفسير التدفقات الهائلة من المعلومات التي ترد من أجهزة الاستشعار وغيرها من أنظمة جمع البيانات. وفي ظل تنامي الاعتماد على تحليلات البيانات تنشأ مخاوف من قدرة التكنولوجيا على قياس مختلف جوانب الحياة ورصدها، ما قد يُنذر بتحول المدن إلى آلات عقلانية بدلًا من وضعها الحالي كنظام مُعقد مليء بالمشكلات والمصالح المُتنافسة.

وكتب كيتشن أن مثل هذا الرأي “يُعزز التركيز البالغ على تقديم حلول تقنية، ويدعم كثيرًا وجود شكل تكنوقراطي للحكم والإدارة يتجه من أعلى إلى أسفل عوضًا عن حلول سياسية واجتماعية وديمقراطية تداولية تُركز على المواطن”.

ويُثير ذلك مخاوف انقلاب حلول المدن الذكية على مصالح المواطنين، وتحويلها المشهد السياسي من شكلٍ ديمقراطي حميد إلى حكومة استبدادية أو أوتوقراطية من خلال سيطرة نظام قمعي على المدينة الذكية ليُحول أجهزة استشعار السلامة العامة والمواصلات إلى أدوات للمُراقبة واسعة النطاق.

اقتراحات للحد من المخاطر

ربما يقود إدراك المخاطر المُتنوعة لتقنيات المدينة الذكية لقدرٍ كبير من القلق وإعاقة بعض المبادرات التي يجري تنفيذها فعليًا أو التخطيط لها، لكن في الواقع تحمل هذه التقنيات فرصًا لنفع المجتمعات والمواطنين بدرجة يصعب معها تجاهلها.

وبدلًا من ذلك يحتاج مسؤولو الحكومات والرؤساء التنفيذيون للمعلومات وشركاؤهم في قطاع التكنولوجيا إلى اتباع أسلوب أكثر شمولية للتقليل من احتمالات الخطر، وفي الوقت نفسه المُضي قدمًا في تنفيذ مُبادرات المدن الذكية.

وأوصى الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة “آي كيو أكتيف” IQActive للأمن، سيزار سيرودو، المدن باختبار الأنظمة والأجهزة قبل تشغيلها بما يسمح باكتشاف الثغرات الأمنية، واقترح الاعتماد على قائمة مرجعية بسيطة من شأنها أن تُحدث فارقًا كبيرًا، وتشمل عمليات التشفير والترخيص والتصديق وتحديثات البرمجيات. كما نصح سيرودو المدن بممارسة ضغوط على شركات التكنولوجيا لتزويدها بتعليمات واستجابة أمنية شاملة في الوقت المُلائم، بحسب ما ذكر خلال مؤتمر “آر إس أيه” المتخصص في التشفير وأمن المعلومات في عام 2015.

وبينما يتوجب على حكومات الولايات والمدن في الولايات المتحدة السعي لضمان أمن الأنظمة الرقمية التي تتحكم في المياه والطاقة المواصلات، أقرت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية في تقريرها حول نقاط الضعف في المدن الذكية بأهمية اضطلاعها بدورٍ رئيسي في هذا الشأن.

وذكر التقرير: “تستطيع وزارة الأمن الداخلي المُساعدة في وضع معايير ولوائح تُساعد في ضمان الاتساق عبر مُختلف القطاعات والمناطق الجغرافية. ربما يُتيح الاتصال الاستراتيجي والمُشاركة تطورًا أكثر أمنًا للبنية التحتية الإلكترونية المادية في وقتٍ تتفاوت فيه مُعدلات اعتماد المدن الذكية للتقنيات. بمقدور وزارة الأمن الداخلي أيضًا تيسير أو توجيه المُساعدة الفيدرالية لحكومات الولايات والحكومات المحلية”.

 وفي ضوء توقعات بالحاجة إلى تعامل أكثر قوة مع أسباب الخطر ألف عددٌ من الباحثين من بعض الشركات الرائدة في قطاع التكنولوجيا مُبادرة غير ربحية باسم “تأمين المدن الذكية” Securing Smart Cities. وتعمل المُبادرة التي تأسست العام الماضي بمثابة خدمة استشارية للحكومات المحلية التي تتطلع إلى تحسين البنية التحتية بواسطة التكنولوجيا، كما تُمثل مركزًأ للاتصال بين مسؤولي الحكومة والشركات ووسائل الإعلام بهدف التثقيف ونشر المعلومات ذات الصلة بالأمن الإلكتروني في المدن.

وفي الوقت نفسه يتوجب على المسؤولين البحث في كيفية الاستفادة من تقنيات المدن الذكية لصالح المواطنين. وكتب كيتشن: “لا يُعد تجاهل تقنيات المدينة الذكية أو تجنبها عن عمد أسلوبًا قابلًا للتطبيق، وبالمثل لا يصلح تطوير مدن ذكية تتسبب في أضرار وتُعزز غياب التوازن في السلطة”، وتابع: “نحتاج إلى إقامة نوع مُحدد من المدينة الذكية تحمل في أساسها مجموعةً من المبادئ الأخلاقية والقيم”.

المصدر

مصدر الصورة