تقرير: التكنولوجيا سلاح في مواجهة الثلوج والجليد

في ظل الاستعداد لموسم الشتاء والعواصف الثلجية، يتزايد لجوء عدد من الولايات الأمريكية ومسؤولي النقل والطرق فيها للاستفادة من أدوات التكنولوجيا وتوظيفها بأساليب جديدة؛ للمساعدة في تنظيف الطرق والتخلص من الجليد، وتوفير بيئة آمنة لقيادة السيارات، وضمان المحافظة على البيئة.

وتستعين إدارات النقل بأجهزة الاستشعار والكاميرات لمتابعة حالة الطرق، والحصول على معلومات فورية حول الطقس، وأماكن كاسحات الجليد ما يسمح لها بإدارة عملها على نحوٍ أفضل، وترشيد استخدام الملح والمواد الكيميائية المُضادة للجليد، فضلًا عن توفير سُبل لنشر المعلومات للجمهور بما يُساعدهم على اتخاذ قرارات أدق بشأن الخروج من المنزل والتنقل.

وأشار مدير الصيانة والعمليات في “إدارة النقل في بنسلفانيا”، ريتش رومني، إلى تأثير التكنولوجيا بقوله: “غيرت التكنولوجيا خدمات الشتاء في جميع المجالات”، وأضاف أن داخل كاسحات الجليد حاليًا يُشبه قمرة القيادة في الطائرات، ويزدحم بأدوات التحكم والاتصالات اللاسلكية.

وقال مُنسق برنامج الصيانة في الشتاء في “الجمعية الأمريكية لمسؤولي الطرق السريعة والنقل”، ريك نيلسون، أن ولايات أمريكية تُكرس المزيد من الوقت والمال للأبحاث والتكنولوجيا؛ بهدف ضمان وصول مواطنيها إلى حيث يريدون على الرغم من ظروف الطقس.

وتابع نيلسون: “يعتقد كثيرون أنه ما من شيء يُمكن فعله حيال الشتاء. تتساقط الثلوج وعليك تقبل ذلك. لكننا كدولة نعتمد كثيرًا على التنقل. تُواجه الولايات ضغوطًا جمة للمحافظة على إمكانية التنقل طيلة ساعات اليوم وأيام العام بصرف النظر عن الطقس”.

التكنولوجيا سبيل للتوفير المالي

عادةً ما تتولى إدارة النقل في كل ولاية مسؤولية صيانة الطرق الداخلية والطرق السريعة والجسور، ما يدفعها لتخصيص ملايين الدولارات لجرافات الجليد والملح والمواد الكيمائية اللازمة لإذابة الجليد ورواتب الموظفين.

وأظهر استقصاء أجرته “الجمعية الأمريكة لمسؤولي الطرق السريعة والنقل”، وشمل ثلاثةً وعشرين ولاية إنفاق هذه الولايات نحو 1.13 مليار دولار بين أكتوبر/تشرين الأول 2014 وأبريل/نيسان 2015 على تنظيف الطرق وإزالة الجليد. ويُشكل هذا الإنفاق لكثيرٍ منها نسبةً كبيرة من ميزانيتها المُخصصة للصيانة على مدار العام. وعلى سبيل المثال، استحوذت هذه الفترة على ما يقرب من ثلث ميزانية ميرلاند، و55% من ميزانية ولاية نيو هامبشاير.

وكانت ماساتشوستس واحدة من أكثر الولايات الأمريكية تضررًا في الشتاء الماضي، وواجهت إحدى وثلاثين عاصفة، كانت اثنيتن منها من بين الأسوأ في تساقط الثلوج. وأسفر ذلك عن إنفاقها أكثر من 153 مليون دولار على التعامل مع الجليد وتنظيف الطرق.

ويرى المسؤولون عن النقل في أكثر الولايات الأمريكية عرضةً للطقس البارد أن التخلص من الثلج وإزالة الجليد بسرعة وكفاءة يُمثل أكبر التحديات التي تُواجههم.

وأقر ريك نيلسون بتقديم “الخدمة الوطنية للأرصاد الجوية” وخبراء الأرصاد الجوية الكثير فيما يخص توقع حالة الطقس، لكن العاصفة الثلجية قد تختلف كثيرًا  على أرض الواقع حين تبدأ بالفعل. ودفع ذلك ولايات عدة لاعتماد التكنولوجيا سلاحًا في مواجهتها مع الثلوج.

واستعانت الكثير من إدارات النقل بمحطات للأرصاد الجوية على الطرق، تتضمن أجهزة استشعار على الأرصفة لإعلامها بدرجة حرارة الطريق، وما إذا كان مُبتلًا أم جافًا، وما إذا كان قد جرى استخدام المواد المُضادة للجليد فيه. ويُساعدها ذلك في تحديد المقدار المُناسب من المواد الكيميائية التي ستستخدمها.

وقال نيلسون أنه في الوقت الراهن تتصرف الولايات بشكل مُسبق يفوق ما اعتادت عليه في الماضي. وتستعين بعض الولايات بأجهزة تتبع في كاسحات الجليد لإمدادها ببيانات فورية حول موقع كل مركبة منها، ويستخدم عددٌ أقل أدوات لمُتابعة حالة الطقس والطرق وكمية الملح المُستخدمة. ويُطلع ذلك المشرفين على الظروف المتغيرة، كما يُساعدهم في تحسين إدارتهم لعمل الكاسحات والمواد المستخدمة، وتنظيم ساعات العمل الإضافية على نحوٍ أفضل.

وقال ريتش رومان، المسؤول في “إدارة النقل في بنسلفانيا”، أن 728 كاسحة أو نحو ذلك تعمل في الطرق الداخلية والسريعة للولاية ستحمل أدوات تتبع مُتقدمة هذا الشتاء ضمن مشروع تجريبي يتكلف مليون دولار.

وأضاف رومان : “نأمل أن يجعل هذا مسارات الشاحنات أكثر كفاءة، ويُيسر لنا إدارة أفضل كثيرًا للمواد مثل رصد استخدامنا الكثير من الملح في وقتٍ بلغت فيه درجة الحرارة 34 درجة والطقس مُشمس، ما يعني أننا لم نكن بحاجة إلى استخدام الكثير من الملح”.

وأنفقت بنسلفانيا العام الماضي نحو 74 مليون دولار على شراء الملح اللازم لإذابة الجليد، بحسب رومان. وقدّر أن يُحقق المشروع التجريبي للولاية توفيرًا لا يقل عن سبعمائة ألف دولار خلال الشتاء الحالي.

ويعني التوفير في استخدام الملح أن بمقدور بنسلفانيا وغيرها من الولايات تخصيص جانب أكبر من الميزانية للصيانة الدورية في بقية شهور العام، وأعمال مثل ردم الحفر وتهذيب الحشائش.

نحو طرق أكثر أمنًا

يستفيد بعض المسؤولين عن النقل من أدوات التكنولوجيا في تحليل أداءهم ونتائج العمل خلال العواصف الثلجية، ومعرفة مدى نجاحهم في التخلص من الجليد المُتراكم على الأرصفة، وتهيئة الظروف الملائمة لقيادة السيارات بالسرعات العادية. كما يُحاولون التعرف على مدى النجاح في الحد من حوادث اصطدام السيارات.

ووفقًا لما قاله بول بيسانو، القائم بأعمال مدير الأبحاث والتطوير في “الإدارة الفيدرالية للطرق السريعة”، يموت نحو ألف وخمسمائة شخص سنويًا في المتوسط بسبب حوادث ترتبط بالثلج أو الجليد أو المطر المُتجمد. وقال بيسانو: “أؤمن تمامًا بتقديم هذه التقنيات المُساعدة للولايات في تحسين إدارة الطرق، وإتاحة بيئة أكثر أمنًا لقيادة السيارات، ونظام أكثر فعّالية وكفاءة”.

وتتمتع ولاية أيوا بمرتبة متقدمة فيما يخص توظيف التكنولوجيا للتعامل مع مشكلات الثلوج ومُشاركة المعلومات مع سكانها.

وأوضح مُدير العمليات في فصل الشتاء في “إدارة النقل في أيوا”، كريج بارجفريدي، أن نحو نصف عدد جرافات الجليد في الولاية، البالغ عددها تسعمائة جرافة، مُجهزة بهواتف “آيفون” تلتقط صورًا للطريق الظاهر أمامها كل خمس أو عشر دقائق، وتُنشر هذه الصور على موقع إنترنت مُخصص لموظفي الإدارة، ما يسمح للمُشرفين بمتابعة الحالة الفعلية للطرق إلى جانب إحداثيات “نظام تحديد المواقع العالمي” لمواقع عمل الجرافات.

وتحدث بارجفريدي عن الوضع السابق الذي استلزم تجول المشرفين في كاسحات الجليد للتحقق من حالة الطرق، في حين يُمكنهم حاليًا البقاء في مكاتب العمل أو منازلهم والإطلاع على ما يجري فعليًا عبر موقع الإنترنت، ويُسهِم ذلك في توفير الوقت والمال اللازمين لدوريات المشرفين في الطرق.

وعلاوةً على ذلك، أنشأت “إدارة النقل في أيوا” موقعًا على الإنترنت باسم Track-A-Plow أو “تتبع جرافة”، ويُتيح للجمهور مُشاهدة صور التقطتها جرافات الجليد موزعة على خريطة الولاية، إلى جانب علامات تُشير إلى مواقع عمل الكاسحات، والاتجاه الذي تمضي فيه، واستخدامها الملح أو المواد الكميائية.

ولفت بارجفريدي إلى إعجاب السكان بالتجربة، ومُساعدتها لهم في تحديد الطرق التي تم تنظيفها بالفعل واتخاذ قرارهم بالتنقل. ووصف الموقع بأنه “أداة للسلامة العامة”.

وفي ولاية مينيسوتا جرى إعداد ما يقرب من ثلث كاسحات الجليد في الولاية، ويبلغ عددها 850 كاسحة، لتتمكن من جمع البيانات حول أحدث الأحوال الجوية، ودرجة حرارة الهواء والطرق. وتستعين بخوارزميات التحليل للتوصل إلى توصيات بالمواد الكيميائية المناسبة، وكميتها، ومُعدل عمل الجرافات. ويحصل سائقو الكاسحات على هذه المعلومات مباشرةً على شاشة الحاسب أثناء القيادة.

وعلق مهندس الصيانة في “إدارة النقل في مينيسوتا”، ستيفن لوند قائلًا: “نأخذ الثلوج على محمل الجد، إنها معركة. نحب أن نُطلق على سائقينا مُقاتلي الثلوج”. وأوضح أن تقبل بعض السائقين للتكنولوجيا الجديدة مثّل تحولًا ثقافيًا، مُضيفًا أن التجربة تعكس التوازن بين استخدام التكنولوجيا المُعتمدة على الحواسيب وسنوات الخبرة.

أما ولاية ميشيجان فتستفيد من جرافات الجليد المُزودة بكاميرات وأجهزة استشعار، وتسمح لها التكنولوجيا إلى جانب الاستهلاك الرشيد للملح بتوفير نسبة تتراوح بين 5 إلى 10% من تكاليف الملح سنويًا، بحسب ما قال ستيف كوك، مهندس والعمليات والصيانة في “إدارة النقل في ميشيجان”.

وأسست مشيجان مشروعًا تجريبيًا يُسهل على كاسحات الجليد الوصول إلى أماكن للانتظار أثناء العواصف الثلجية، يحمل اسم Truck Smart Parking. واعتاد سائقو الكاسحات خلال الظروف الجوية السيئة الانتظار على جوانب الطرقات بسبب عدم معرفتهم بالأماكن المتاحة لإيقاف مركباتهم، ويرى المسؤولون أن ذلك قد يضر سائقي السيارات العابرة، ويزيد صعوبة عمل كاسحات الجليد.

ويُتيح المشروع للجرافات معرفة المساحات الشاغرة للانتظار في سبع ساحات خاصة وخمسة مواقع أخرى تابعة للولاية، وتُرسَل هذه المعلومات إلى مواقع الإنترنت واللوحات الإلكترونية وتطبيق للأجهزة المحمولة لتنبيه السائقين إلى الأماكن الخالية وسُبل بلوغها.

وسيلة للمحافظة على البيئة

وفي مجال مواجهة الثلوج لا يقتصر قلق مسؤولي النقل على متابعة حالة الطقس القاسي والتعامل مع الأوضاع سريعة التقلب فقط، بل تنال الآثار الناجمة عن استخدام الملح والمواد الكيميائية المُضادة للثلوج نصيبًا من اهتمامهم، وخصوصًا بسبب خطورتها على بعض المناطق الحساسة بيئيًا.

وخلال الأعوام الماضية، اعتاد المسؤولون عن تشغيل كاسحات الجليد رش الملح وتوزيعه على الطرقات مرارًا وتكرارًا، بينما تسعى الاستراتيجية الجديدة إلى الاكتفاء باستخدام كمية الملح الضرورية لإنجاز المهمة دون زيادة. ويقول مسؤولون في إدارات النقل أن أدوات التكنولوجيا تُساعد في بلوغ هذا الهدف.

وفي ولاية نيفادا تسمح محطات الأرصاد الجوية البعيدة للمسؤولين عن مجال النقل بمعرفة الحالة الفعلية لدرجات الحرارة في طرق الولاية، وبالتالي في حال احتفاظ الأرصفة بالدفء حتى مع تساقط الثلوج لا تستخدم كاسحات الجليد الملح.

وتستعمل نيفادا نظامًا يختص بالتعامل مع تساقط الثلوج على الجسور التي تتجمد عليها المياه أسرع من غيرها من الطرق؛ نظرًا لبرودة الهواء حولها وأسفلها. وأوضح المهندس في “إدارة النقل في نيفادا”، ثور دايسون، أن نظام رش المواد المُضادة للتجمد المُطبق على أربعة جسور يتضمن إطلاق الفوهات المُثبتة على الأرصفة موادًا كيميائية لإذابة الجليد إذا رصدت أجهزة الاستشعار اقتراب المياه من حالة التجمد.

ووفقًا لدايسون، تكلف النظام المُخصص للجسور 1.5 مليون دولار، وتُخصص الولاية سنويًا ثلثمائة ألف دولار لتوفير المواد اللازمة. ونظرًا لقرب هذه الجسور من مناطق تتطلب رعاية بيئية خاصة، يجري توجيه المياه بعد ذوبان الثلوج إلى الصرف الصحي، وتجنب وصولها إلى الأنهار والجداول المائية.

وقال دايسون أن النظام، فضلًا عن أمانه من الناحية البيئية، يتسم بالفاعلية ويجعل الجسور أكثر أمنًا. لافتًا إلى توفيره الوقت اللازم لزيارة الموظفين للجسور والتحقق من الوضع القائم، وأضاف دايسون: “وفي حال تمكنا من تخفيض أعداد الاصابات والحوادث إلى أدنى حدٍ مُمكن، فسنُحقق مكسبًا وكذلك الجمهور”.

المصدر