تقرير: تجربة للديمقراطية الرقمية.. مكسيكو سيتي تدعو مواطنيها للإسهام في إعداد الدستور عبر الإنترنت

أطلقت العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي تجربةً جديدة لمُشاركة المواطنين تُمثل اختبارًا للآليات الرقمية للديمقراطية، وطلبت المدينة من سكانها البالغ عددهم نحو تسعة ملايين نسمة المُساهمة في صياغة دستور جديد للمدينة من خلال الإنترنت.

وتُعتبر التجربة غير مسبوقة في المكسيك، كما لم يسبق تكرارها كثيرًا في الدول الأخرى. ويُمكن لسكان المدينة أو “تشيلانجوس” Chilangos كما يُطلق عليهم، التقدم بطلبات لإدراج قضايا معينة في الدستور الجديد من خلال موقع “تشينج” Change.org باللغة الأسبانية.

ويُمكن للمواطنين عرض قضيتهم مُباشرةً على أعضاء لجنة صياغة الدستور حال اجتذب طلبهم أكثر من عشرة آلاف توقيع. كما يُتاح لهم إضافة ملاحظاتهم وتعليقاتهم على الاقتراحات التي تنشرها اللجنة من خلال منصة “بب بب” PubPub لتحرير الوثائق التي تُشبه “جوجل دوكس”.

وعبَّر عمدة مكسيكو سيتي، ميجيل أنخيل مانسيرا، عن الفكرة بقوله أنها “تُضفي طابعًا ديمقراطيًا وتقدميًا وشاملًا ومدنيًا ومتنوعًا على مشروع إعداد الدستور”.

وعلى الرغم من البريق الذي تحمله فكرة مشاركة المواطنين في الدستور عبر الوسائل الرقمية من الناحية النظرية على الأقل، إلا أن تطبيقها عمليًا لا يسلم من عقبات كبيرة. ومنها أن الجمعية الدستورية، وهي الهيئة صاحبة كلمة الفصل في إعداد الدستور الجديد، لا تُواجه أي التزام بأخذ مُساهمات المواطنين في الحسبان. ويُضاف إلى ذلك الصعوبات العملية المرتبطة بجمع عدد ضخم من وجهات النظر وتلخيصها في واحدة من أكبر مدن العالم سكانًا.

ويجعل كل ذلك من تجربة التشاور العام في مكسيكو سيتي اختبارًا حقيقيًا ومُهمًا للقوة الرقمية للمواطنين وتأثيرات الثورة الرقمية على الممارسة الديمقراطية، وهو أمر يهم مختلف دول العالم.

ومن اللافت للنظر ظهور فكرة الاعتماد على المصادر الجماعية في إعداد الدستور كردٍ على محاولة لتقليص دور المواطنين. وعلى مدار عقود كافح المسؤولون في مكسيكو سيتي للخروج من قبضة الحكومة الاتحادية التي استأثرت باتخاذ قرارات مثل تعيين رئيس الشرطة في المدينة. وخلال العام الحالي نالت المدينة تغييرًا قانونيًا حولها من منطقة أو مقاطعة فيدرالية تُشبه وضع مقاطعة كولومبيا أو العاصمة الأمريكية واشنطن دي.سي. إلى كيانٍ أكثر استقلالية أقرب الشبه بالولاية.

وسعيًا للاحتفاظ ببعض السيطرة على المدينة قرر الكونجرس في المكسيك الانتخاب الشعبي لنسبة 60% فقط من أعضاء الجميعية الدستورية في المدينة، بينما يُعين رئيس البلاد والكونجرس وعمدة المدينة بقية الأعضاء، ويُسمَح للعمدة مانسيرا وحده بالتقدم بمسودة للدستور إلى الجمعية الدستورية.

ورد عمدة المدينة بإنشاء لجنة لكتابة المسودة تتألف من نحو ثلاثين مواطنًا منهم ساسة ونشطاء مُدافعون عن حقوق الإنسان وصحفيين، بالإضافة إلى أحد الحاصلين على ميدالية ذهبية في الألعاب البارالمبية أو الأولمبياد الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة. ودعا مانسيرا إلى تطوير آليات لجمع “تطلعات المواطنين وقيمهم وتوقهم إلى الحرية والعدل” بما يسمح بدمجها في الوثيقة النهائية.

وكان الإنترنت سبيلًا لتحقيق هذا الهدف، وانطلقت المنصة التي وفرت طرقًا متنوعة للمشاركة في شهر مارس/آذار الماضي، وسيستمر جمع إسهامات المواطنين حتى الأول من شهر سبتمبر/أيلول المُقبل، وستُواصل لجنة الصياغة عملها لكتابة مسودة الدستور حتى مُنتصف الشهر ذاته لتتقدم بها إلى الجمعية الدستورية التي سيتوجب عليها إقرار الدستور الجديد لمدينة مكسيكو سيتي بحلول نهاية يناير/كانون الثاني من العام التالي.

وفي واقع الأمر لا يتوافر أمام مكسيكو سيتي الكثير من الأمثلة والتجارب السابقة التي يُمكنها الاستفادة منها والسير على خطاها، ولم تشهد أنحاء كثيرة من العالم تجارب لإعداد القوانين بناءً على حشد المصادر. وسبق أن استخدم القليل من المُشرعين في ولايات أمريكية التحرير الجماعي عبر صفحات “ويكي” ومنصة “جيت هَب” لصياغة القوانين، بحسب ما قالت مارلين باوتيستا، المُحاضرة في كلية الحقوق في “جامعة ستانفورد” الأمريكية والمهتمة بدراسة التجربة.

ومن بين الأمثلة القليلة أيسلندا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 320 ألف نسمة أي أقل سبع وعشرين مرة تقريبًا من مكسيكو سيتي، واستعانت بإسهامات مواطنيها في الدستور عبر مواقع الإعلام الاجتماعي، لكن أخفقت المحاولة بعد تعثر الدستور في البرلمان.

تحديات إقناع المواطنين ثم الاستفادة من المُساهمة الشعبية

يشعر الكثير من مواطني مكسيكو سيتي بالفعل بأنهم مُستبعدون من حسابات السياسة، وتكمن العقبة الأولى أمام نجاح التجربة في إقناعهم بأهمية المشاركة وفائدتها. ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته “السلطة الوطنية الانتخابية” في المكسيك في عام 2013، أعربت نسبة 66% من المواطنين عن اعتقادها بوجود القليل من الاحترام للقانون أو بغياب احترام القانون على الإطلاق.

واعتبر نصف المشاركين أن الديمقراطية نظام يُشارك فيه الجميع، لكن يستفيد منه القلة. كما عبر ما يقرب من الثلث عن عدم ثقتهم في الحكومة الاتحادية على الإطلاق، كما لا يثق أكثر من 40% من المشاركين في الأحزاب السياسية والمشرعين. وبينت نتائج الاستطلاع أن أكثر من 70% من المكسيكيين لا يثقون في مواطنيهم.

وبهدف ضمان مشاركة السكان الذين فقدوا حماسهم واهتمامهم بالمساهمة، أنشئت مدينة مكسيكو سيتي موقعًا على الإنترنت يتضمن فيديو جذاب وغير مُعتاد للمدينة التُقط بواسطة طائرة بدون طيار، كما تنشر مقاطع فيديو عبر موقع “يوتيوب” لأعضاء من لجنة الصياغة يُشجعون المواطنين على المشاركة. ومنهم كارلوس كروز، وهو عضو سابق في عصابة أطلق عدة برامج لحماية الشباب من الانخراط في سلك الجريمة المُنظمة، وتحدث في فيديو عن الحد الأدنى للأجور والحد من عدم المساواة.

وتتضمن التجربة مستويات مُختلفة للمشاركة منها تصنيف أكبر المشكلات التي تُواجهها المدينة في استقصاء عبر الإنترنت، وكتابة تعليقات مُنفصلة على اقتراحات صياغة الدستور. وتُوفر مكسيكو سيتي ثلاثمائة كشكًا في مختلف أنحاء المدينة زُودت بحواسيب مُتصلة بشبكة الإنترنت وموظفين لإرشاد المواطنين الذين لا يتوافر لديهم إنترنت. وقال المُحلل في المدينة، دييجو كوسي: “لكي يكون هذا مُؤثرًا، فإن يتطلب مئات الآلاف من الإجابات”. وأسهم كوسي في تطوير “تشينج”.

ويُمثل إقناع سكان مكسيكو سيتي بالمشاركة الخطوة الأولى فقط، وتليها مهمة التوصل إلى رؤية واضحة وسط الأفكار المُتضاربة والضجيج الذي يُرجح ظهوره. ويُمكن تنظيم بعض المُساهمات بسهولة أكثر من غيرها كما هو الحال في نتائج الاستقصاء التي يعرضها رسم توضيحي في الوقت الحقيقي. وفي المُقابل قد تنتج عن المشاركة آلاف الوثائق والتعليقات في العرائض المُقدمة عبر موقع “تشينج” وكذلك في المنصة المُخصصة لتحرير النصوص.

ويجري تصنيف الأفكار ضمن ثمانية عشر موضوعًا منها الديمقراطية المُباشرة والشفافية والحقوق الاقتصادية، وتُحدَد أولويتها وفقًا لحجم المُساندة الذي يتمتع به كلٌ منها ومدى أهميتها، بحسب ما قال بيرناردو ريفيرا مستشار مدينة مكسيكو سيتي. وستتلقى لجنة الصياغة مُلخصًا أسبوعيًا للالتماسات التي يتقدم بها المواطنون.

وتعهدت لجنة الصياغة بالرد على الطلبات في موقع “تشينج” التي تحظى بأكثر من خمسة آلاف توقيع، وكذلك بالتقاء بعض أعضاء اللجنة بمُقدمي الطلبات التي تجمع أكثر من عشرة آلاف توقيع، وباجتماع اللجنة بأكملها مع مُقدمي العرائض التي تنجح في نيل ما يزيد عن خمسين ألف توقيع.

وتُمثل منصة “بب بب” الجزء الأكثر تفصيلًا في تجربة جمع آراء المواطنين، وهي منصة مفتوحة للنشر على غرار “وثائق جوجل” أو “جوجل دوكس”، وطورها في الأصل “مختبر وسائل الإعلام” في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” في الولايات المتحدة.

ويُفترض أن ينشر أعضاء لجنة الصياغة فيها مقالات تتناول كيفية معالجة القضايا الدستورية، ومن المُحتمل أن تُنشر فيها أيضًا مسودة الدستور حال الاتفاق عليها. ويمتلك أعضاء لجنة الصياغة وحدهم وكذلك من يسمحون لهم القدرة على تعديل صيغة الوثيقة الأصلية.

ويجري تسجيل تعليقات المستخدمين وتعديلاتهم في قسمٍ جانبي يتضمن روابط تقود إلى أجزاء النص الذي تُشير إليه، وتُسجل شاشة أخرى كل تغيير بما يسمح للجميع بمتابعة الاقتراحات التي طرأت على النص، كما يُمكن للجمهور التصويت بالتأييد أو الرفض على التعليقات، بالإضافة إلى نشر مقالاتهم.

فرص النجاح وقيمة التجربة

بعد مضي نحو ثلاثة أسابيع جمع موقع “تشينج” أكثر من مائتي عريضة وقع عليها ما يزيد عن عشرة آلاف مواطن. وحتى الآن حظيت العريضة الأكثر شعبية بنحو ثلاثة آلاف وخمسمائة مُؤيد وتنادي باعتبار الساسة مُقدمين للخدمات وليسوا موظفين، وأن يحصلوا على رواتبهم مُقابل الوقت الذي يعملون فيه دون “أسابيع من النوم والعبث بأجهزة آيباد”. وتناولت ثاني أكثر الالتماسات شعبية حقوق الحيوانات.

أما في منصة “بب بب”، فقد نشر عضوٌ واحد من لجنة الصياغة مقالًا أكاديميًا مُكثفًا حول إطار العمل القانوني الذي ينبغي للمدينة تطبيقه لحماية حقوق الإنسان، واجتذب تعليقين فقط. كما أضافت مجموعة من طلاب الجامعات عشرين نصًا ظل أغلبها دون تعديل.

وربما من الإنصاف القول أن التجربة لا تزال في مهدها، وربما تتحسن الأمور مع تنظيم المزيد من الفعاليات لحث المواطنين على المشاركة. لكن حتى إذا ما شارك الكثير منهم، فلا يُوجد ما يُوضح كيفية تأثير تدفق الأفكار على قرارات المجموعة المُكلفة بالصياغة، بحسب ما قال المحامي المُتخصص في الحقوق الرقمية، أنطونيو مارتينيز. ووصف الأمر بأنه أشبه بعض الشيء باستعراض.

ويرى آخرون أن ذلك لا ينفي فائدة التجربة والمنصة حتى إذا ما انتهى مصير تعليقات المواطنين إلى التراكم في إحدى خزائن المشرعين. وقال لويس فرنانديز، رئيس منظمة “المشاركة لأجل المكسيك” غير الحكومية، أن التجربة ستُساعد في إثارة النقاش، وأضاف أنه كلما زادت المعلومات عن القضايا التي يجب دمجها في الدستور، كلما زاد عدد المصادر المُتاحة أمام وكلاء إعداد الدستور لمساعدتهم على إنجاز مهمتهم على نحوٍ أفضل.

وأقر دييجو كوسي بصعوبة مُتابعة تأثير المساهمات الرقمية للمواطنين وكيفيته على وجهات نظر المسؤولين وتصرفاتهم. وقال أنه سؤال تُحاول مكسيكو سيتي الإجابة عليه من خلال التجربة، لافتًا إلى خوض المدينة مسارًا تعليميًا.

ومع ذلك، فبحسب كوسي تُعبر المنصة على الأقل عن التزام الحكومة بالاستماع إلى المواطنين. كما ستُوفر سجلًا إلكترونيًا يُمكن للجميع الإطلاع عليه، ومن المُحتمل الاستفادة منه في إخضاع التجمع الدستوري للمُساءلة إذا ما أهمل موضوعًا اعتبره مئات الآلاف من المواطنين قضيةً محورية. وحتى الآن يُمثل الفساد وفرص العمل التحديات الرئيسية التي اختارها نحو خمسة عشر ألف شخص شاركوا في الاستقصاء عبر الإنترنت.

واعتبر كوسي أن التجربة تُمثل تحسنًا مُقارنةً مع التظاهرات التي كثيرًا ما تسببت في شلل المدينة بين فترة وأخرى. وأضاف: “أحب الاحتجاجات، لكنك إذا خرجت إلى الشارع، فلا تُوجد آلية قانونية تشترط على مجموعة الصياغة أن تضع في حسبانها ما أقوله”.

المصدر والصورة