تقرير: دراسات مختلفة تُثبت القيمة الاقتصادية للبيانات المفتوحة

يُؤمن كثيرون بدور البيانات المفتوحة في التنمية الاقتصادية، لكن هذا الاعتقاد لا يمنع البحث عن أدلة واقعية على القيمة الاقتصادية للبيانات المفتوحة من خلال دراسات اتبعت مناهج تتباين بين الاقتصاد الكلي والجزئي ودراسات الحالة، بحسب ما تضمن مقال كتبته جيني تينسون بعنوان “القيمة الاقتصادية للبيانات المفتوحة: ما الذي نعرفه بالفعل؟”.

ومثلًا أضاف تقرير جديد صدر عن “المؤسسة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا والفنون” أو “نيستا” NESTA غير الهادفة للربح و“معهد البيانات المفتوحة” دليلًا على تأثير البيانات المفتوحة.

وبحث التقرير في تأثيرات جوائز “سلسلة تحدي البيانات المفتوحة” في المملكة المتحدة، وانتهى إلى إنتاجها قيمة تُعادل عشرة أضعاف حجم الاستثمار، أي تُحقق عشرة جنيهات إسترلينية مُقابل استثمار كل جنيه على مدار ثلاثة أعوام، ما تصل قيمته الإجمالية إلى إضافة 10.8 مليون جنيه إسترليني للاقتصاد البريطاني. وتولت مسؤولية التحليلات في التقرير شركة “برايس ووترهاوس كوبرز”.

وكثيرًا ما يستخدم خبراء الاقتصاد مصطلحات مثل التباين في المعلومات وكفاءة تخصيص الموارد وتأثيرات الشبكة لشرح كيفية توفير البيانات المفتوحة لهذه العوائد، ويُرجعها آخرون إلى دور الانفتاح في الحد من النزاعات في المعاملات، وبطبيعة الحال تعمل الأسواق على نحوٍ أفضل في ظروف تنخفض فيها النزاعات.

وببساطة أكثر، ربما يُتيح نشر البيانات بشكلٍ مفتوح تحسين استخدام الموارد القائمة وتقديم منتجات وخدمات جديدة، الأمر الذي يعود بمنافع كبيرة على الاقتصاد، وربما يُساعد الأشخاص في اختيار وسائل المواصلات، وتحديد الموقع الأمثل لتشييد منزل جديد، والبحث عن حالة الطقس بسهولة عبر هواتفهم الذكية.

وتتزايد الأدلة التي تُؤكد فوائد البيانات المفتوحة، وتُبين تأثيرها في بلدان وقطاعات متنوعة استنادًا على نتائج عدد من الدراسات التي اتبعت مناهج تتنوع بين الاقتصاد الكلي والجزئي ودراسات الحالة لنماذج محددة.

دراسات الاقتصاد الكلي:

تعتمد دراسات الاقتصاد الكلي على إنشاء نماذج لتقدير أثر التغيير الذي تُحدثه البيانات المفتوحة على اقتصاد ما ككل، وربما تبحث في بلدان ومناطق جغرافية بالغة الاختلاف. ومن خلال اعتماد نهج الاقتصاد الكلي غالبًا ما تصل هذه الدراسات إلى أرقامٍ ضخمة. وبهدف إيضاح قيمة البيانات المفتوحة، وإظهار هذه الأرقام مُقارنةً بغيرها من المُفيد رؤيتها كنسب مئوية في مُقابل الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الذي تُركز عليه الدراسة.

وعلى الرغم من اختلاف المنهجيات المُتبعة في هذه الدراسات، إلا أنها تتفق في تحديد قيم مالية لتأثيرات اقتصادية مُتشابهة مثل تحسن قدرة المستهلكين على اتخاذ القرار، وتحسن أداء الشركات، وتعظيم الفائدة الناتجة عن البنى التحتية القائمة والجديدة.

وعلى سبيل المثال، قدرت دراسة أجرتها “المفوضية الأوروبية” قيمة البيانات المفتوحة في القطاع العام على مستوى الاتحاد الأوروبي بأنها تُعادل 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي. وقيمت دراسة أجرتها شركة “ماكينزي” قيمة البيانات المفتوحة على المستوى العالمي بأنها تُساوي 4.1%. وحددت دراسة أجرتها شركة “ليترال إيكونوميكس” Lateral Economics إسهام البيانات المفتوحة في الناتج المحلي الإجمالي في مجموعة الثماني، التي تضم الدول الصناعية الثماني الكبرى، بنسبة 1.1%.

وخلصت الدراسات التي ركزت على قيمة البيانات المفتوحة في القطاع العام إلى تفاوت قيمتها بين 0.4% و1.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ووجدت دراسة في المملكة المتحدة أنه ربما تجري الاستهانة بالمكاسب الناتجة عن توافر معلومات القطاع العام بأسعار مُنخفضة؛ نظرًا لصعوبة تقييم الآثار الكاملة للأنشطة الأقل شأنًا والمُستقبلية.

ويُمكن للأرقام الكبيرة وعلى نطاقٍ واسع أن تُفيد في التحليلات عالية المستوى، لكنها لا تسلم من تساؤلات البعض حول مصداقية دراسات الاقتصاد الكلي والنظرة إلى التأثير اتجاهًا من الجوانب الكبيرة إلى الأصغر وإنشاء نماذج عامة. لكن دراسات أكثر تفصيلًا تدعم نتائج دراسات الاقتصاد الكلي فيما يخص دور البيانات المفتوحة.

دراسات الاقتصاد الجزئي:

تهتم دراسات الاقتصاد الجزئي بالبحث المُفصل في سلوكيات الأفراد والمنظمات، وعادةً ما تُركز على قطاعٍ مُحدد. وأجُريت بالفعل عدد من الدراسات التي اقتصرت على بحث تأثير أنواع محددة من البيانات المفتوحة.

وانتهت دراسة إلى القيمة الاقتصادية الكبيرة لإتاحة بيانات “لاندسات” Landsat الأمريكية، وهي صور لسطح الأرض التقطتها أقمار اصطناعية تحمل الاسم ذاته. وقدرت الدراسة قيمتها الاقتصادية السنوية بمبلغ 2.19 مليار دولار خلال عام 2011 وحده.

واهتم بحث بدراسة قيمة بيانات العناوين في الدنمارك، وخلص إلى منافع بقيمة 471 مليون كرونة دنماركية أي ما يُعادل 60 مليون يورو خلال الفترة المُمتدة بين عاميّ 2005 و2009، وذلك نتيجة استثمار بلغ مليوني كرونة دنماركية أي ما يُساوي 250 ألف يورو فقط.

وفي المملكة المتحدة، خلص تقرير كلفت “هيئة النقل في لندن” بإعداده حول دور بياناتها، قيمة الوقت الذي وفره المسافرون بفضل تحسن فرص حصولهم على المعلوات بما يتراوح بين 15 و58 مليون جنيه إسترليني خلال عام 2012.

وذكر تقرير لشركة الخدمات “أروب” Arup، وهي شركة مُتعددة الجنسيات تتخصص في البيئة العمرانية، أن البيانات المفتوحة في القطاع العام قد تُحقق على الصعيد العالمي ما بين 720 و920 مليار دولار من خلال تطوير تطبيقات رقمية للنقل.

وعلى الرغم من تبني دراسات الاقتصاد الجزئي نهج يبدأ البحث من التفاصيل الأصغر، إلا أنها تعتمد على الأمثلة في التنبؤ بمسار الأمور. وفي هذا الشأن يُفيد النظر إلى تلك الأمثلة ذاتها من خلال دراسات الحالة.

دراسات حالة حول قيمة البيانات المفتوحة:

تُقدم دراسات الحالة أدلة تعتمد على البحث، وفي حين تُركز على تجربة مُنظمة أو عنصر مُحدد، فإنه يُمكن استخدامها لرواية قصة على نطاقٍ أوسع من خلال الاستنتاج والقياس.

وكان استحواذ شركة “مونسانتو” Monsanto المُتخصصة في التكنولوجيا الحيوية الزراعية على شركة “كلايميت كوربوريشين” Climate Corporation أو “مؤسسة المناخ” في عام 2013 نظير 930 مليون دولار برهانًا قويًا على قيمة بيانات “لاندسات”.

وتجمع “مؤسسة المناخ” بين البيانات المفتوحة حول حالة الطقس وبيانات جيولوجية لتُنتج عشرة تريليونات نقطة بيانات، وتستعين بها لتحديد قيمة التأمين الذي يحصل عليه المزارعون بسبب حالة الطقس، ما يحمي مجال الزراعة الذي تبلغ قيمته ثلاثة تريليونات دولار من التأثر سلبًا بظروف الطقس السيئة.

وبالمثل، يُثبت تطبيق “سيتي مابر” Citymapper واسع الانتشار القيمة الاقتصادية للبيانات المفتوحة التي تنبأت بها “هيئة النقل في لندن” وشركة “أروب”. ويُوفر التطبيق نصائح حول المواصلات العامة في تسع وعشرين مدينة، ومُؤخرًا قال المُدير العام لشركة “سيتي مابر”، أوميد أشتاري: “نشأن (سيتي مابر) في المملكة المتحدة بفضل وجود البيانات المفتوحة. إنها العمود الفقري الأساسي لما نعمله”.

وفي أسبانيا تنتشر ما لا يقل عن مائة وخمسين شركة مثل “سيتي مابر”، وتُوفر منتجات وخدمات اعتمادًا على البيانات المُتاحة في بوابة البيانات الأسبانية، ووظفت نحو أربعة آلاف شخص في عام 2012.

وبرهنت دراسة أجراها “مركز بيو للأبحاث” في الولايات المتحدة على انتشار المنتجات والخدمات المُماثلة المُعتمدة على البيانات المفتوحة، وتوصلت إلى أن ما لا يقل عن 84% من أصحاب الهواتف الذكية الأمريكيين استخدموا البيانات المفتوحة عبر تطبيقات الهواتف.

وأظهر بحث أجراه “معهد البيانات المفتوحة” هذا العام أن 270 من الشركات الكبيرة والصغيرة تستخدم أو تُنتج أو تستثمر في البيانات المفتوحة في المملكة المتحدة، وتُحقق مبيعات إجمالية تتجاوز 92 مليار جنيه إسترليني. وشهدت شبكة الشركات الناشئة في “معهد البيانات المفتوحة” أكثر من خمسين وظيفة، وعائدات تزيد عن تسعة ملايين جنيه إسترليني.

وتُعزز دراسات الحالة، التي تبحث في القطاعات التي تتوافر فيها البيانات المفتوحة، النتائج الشاملة التي انتهت إليها الدراسات التي اعتمدت نهج الاقتصاد الكلي والجزئي والنظريات الاقتصادية. ويُتوقع اتضاح أدلة مُماثلة من مزيدٍ من القطاعات في ظل تنامي اعتماد سياسات البيانات المفتوحة.

وفي نهاية المطاف، فمع التباين الواسع في الأرقام ومناهج البحث والباحثين والبواعث وراء فهم قيمة البيانات المفتوحة، لا تخفى الأدلة على قيمتها؛ إذ تُساعد البيانات المفتوحة في دفع الابتكار إلى الأمام، ولها آثارها الاقتصادية الكبيرة والمُثبتة.

مصدر الصورة