تقرير: كيف تستفيد الحكومات المحلية من تكنولوجيا تحديد الموقع الجغرافي؟

يُقدم الانتشار الواسع للهواتف الذكية فرصة جديدة وفعّالة للحكومات من أجل التواصل مع مواطنيها. ويُمثل تحديد المواقع الجغرافية أحد أهم ميزات الهواتف التي تعتمد عليها الكثير من التطبيقات والخدمات، كما تُثري بيانات الموقع الجغرافي محتوى الإعلام الاجتماعي وتسمح بتحليل المشاركات الخاصة بمدينة أو منطقة بعينها.

وعلى المستوى العام تُكون الأجهزة المحمولة المُزودة بخاصية “النظام العالمي لتحديد المواقع “Global Positioning System أو GPS شبكة استشعار على نطاق المدينة بأكملها، وتُنشئ طبقةً ثرية من البيانات يُمكن للمدن استثمارها في متابعة آراء السكان واستقبال طلباتهم وتوجيه خدمات مُخصصة وغيرها من التطبيقات المُبتكَرة، بحسب مقال كتبته لورا أدلر، طالبة الدكتوراه في علم الاجتماع في “جامعة هارفارد” الأمريكية.

يلعب الموقع الجغرافي دورًا محوريًا في تحسين مختلف خدمات المدن، ويشمل ذلك من بين أمور أخرى مكافحة الجرائم ومقاومة الآفات. وتتنوع التقنيات المتصلة بهذا المجال بين مواقع الإعلام الاجتماعي إلى “نظم المعلومات الجغرافية” “Geographic Information Systems “GIS التي استخدمتها المدن على مدار عقود.

الإعلام الاجتماعي لمواجهة الجرائم ومخالفات المطاعم وإصلاح الطرق

يُمثل الإعلام الاجتماعي أحد أكثر المصادر ثراءً ببيانات الموقع الجغرافي. وفي كل يوم ينشر ملايين المستخدمين معلومات وآراء عبر مواقع مثل “تويتر” و”إنستجرام” و”فيسبوك”، ما يترك قدرًا هائلًا من المعلومات العامة التي يُمكن للمدن الانتفاع منها في تحسين خدماتها.

وفي الوقت نفسه يُعد جمع هذه المعلومات وتحليلها تحديًا ليس بالهين أمام المدن؛ إذ تفتقر أغلب الحكومات المحلية إلى الخبرة بالإعلام الاجتماعي والتحليلات. ومع ذلك، يستعين المسؤولون بشركاء جدد لمساعدتهم في استثمار محتوى الإعلام الاجتماعي الذي ينشره المواطنون في مدنهم.

وفي مدينة هنتنجتون بيتش في ولاية كاليفورنيا تُتابع إدارة الشرطة نشاط الإعلام الاجتماعي في الوقت الحقيقي بمساعدة شركة “جوفيديا” Geofeedia التي تُقدم منصة لتحليل بيانات الموقع الجغرافي من الإعلام الاجتماعي. وتستعين المدينة بهذا التحليل في التعامل مع زيادة القضايا المُتصلة بالسلامة العامة أثناء استضافتها “بطولة الولايات المتحدة المفتوحة للتزلج على الماء” التي تجذب إليها خمسمائة ألف زائر سنويًا.

ويُساعد هذا التحليل مدينة هنتنجتون بيتش في التغلب على نقص الموارد البشرية اللازمة لتنظيم الدوريات الأمنية الاستباقية؛ إذ تضم إدارة الشرطة فيها نحو مائتي ضابط. وبغرض التنبؤ بالمواقع التي قد تشهد مشكلات، تعاونت المدينة مع “جيوفيديا” لمتابعة نشاط الإعلام الاجتماعي في الوقت الحقيقي بحثًا عن كلمات رئيسية مثل “بندقية” و”مشاجرة” و”إطلاق النار”، وتستخدمها لتحديد الأماكن التي قد تبدأ فيها المشكلات، وعندها يُمكن إرسال ضباط إلى الموقع المُحدد أو التواصل مع وحدات الأمن فيه.

كما تستفيد هنتنجتون بيتش من تكنولوجيا أخرى تعتمد على الموقع الجغرافي لمتابعة الإعلام الاجتماعي في أماكن ذات أهمية خاصة، وتستخدم البرنامج أيضًا لأغراض التحقيق. وفي وجود معلومات من مواقع الإعلام الاجتماعي يُمكن للشرطة تكوين صورة أفضل عن الأحداث، وتحديد الأشخاص المُشتبه بهم، وتصور القضايا.

وتُعد “جيوفيديا” واحدة من بين الكثير من الشركات المتخصصة في توظيف الإعلام الاجتماعي لمواجهة الجرائم. وتستخدم إدارة الشرطة في مدينة راسين في ولاية ويسكونسن خدمة “سناب ترندز” SnapTrends لمراقبة نشاط الإعلام الاجتماعي ضمن المدينة. وفي إحدى الحالات ساعدها برنامج الشركة في تحديد أحد المتهمين بارتكاب جريمة قتل وتتبعه استنادًا إلى منشورٍ له في موقع “فيسبوك”.

وبالإضافة إلى ذلك، تستخدم المدن بيانات الموقع الجغرافي من خدمات الإعلام الاجتماعي لمُعالجة الكثير من القضايا اليومية المعتادة. وتُتابع ما ينشره مستخدمو مواقع الإعلام الاجتماعي بحثًا عن كلمات رئيسية؛ من أجل فهم مشاعر المواطنين حيال الخدمات العامة، وتدمج مختلف الإدارات لمتابعة المشكلات والحلول. ومثلًا في حال رصد ارتفاع في استخدام كلمة “حفرة في الشارع”، تُرسل المنشورات ذات الصلة مُرفقة بالموقع الجغرافي إلى إدارة المواصلات لتقصي الأمر.

واستفادت مدن أخرى من موقع “يلب” Yelp الذي ينشر مراجعات المستخدمين وآرائهم في المطاعم والأماكن المحلية، وربطت معلومات من تقييمات المطاعم بموقعها الجغرافي. وحللت مدينة نيويورك أنماط اللغة المستخدمة في مراجعات “يلب” لتحديد الأماكن التي يُحتمل أن تشهد انتهاكات لقواعد الصحة، ومن ثم تُرسل مفتشي الصحة إلى المطاعم التي يُرجح أن تُمثل خطرًا أكبر، ما يُمثل استغلالًا أكثر فعالية للموارد المحدودة. وتُطبق مدينة بوسطن برنامجًا مُشابهًا بالتعاون مع شركة “دريفن داتا” DrivenData الناشئة.

دور بيانات الموقع الجغرافي في تطبيقات متنوعة

تجمع بعض المدن بيانات الموقع الجغرافي بواسطة تطبيقات للهواتف الذكية تعمل في خلفية الأجهزة، وتجمع المعلومات حول مسألة معينة. ومن بين أكثر الأمثلة نجاحًا تطبيق “ستريت بمب” Street Bump في مدينة بوسطن، ويجمع التطبيق بيانات الاهتزاز ويجري تحليلها لاكتشاف مواضع الحفر.

ويُضيف التطبيق بيانات الموقع الجغرافي للحفر المُحتملة ويُرسلها إلى نظام مركزي. وتكلف تطوير التطبيق ما يقرب من ثمانين ألف دولار، وهو مبلغ يقل عن تكلفة النظام التقليدي لاكتشاف الحفر في بوسطن والمُعتمد على سير شاحنات تجر خلفها سلاسل، ويتطلب إنفاق نحو مائتي ألف دولار سنويًا.

وفي مجال الصحة العامة تُحدد مدينة لويزفيل الأماكن التي يُمثل فيها تلوث الهواء مشكلة أكثر من غيرها من خلال برنامج “إير لويزفيل” AIR Louisville. وتُوزع المدينة أجهزة استنشاق الهواء للسكان الذي يُعانون من الربو، وتدعم الأجهزة “النظام العالمي لتحديد المواقع” وأدوات استشعار لتحديد وقت ومكان استخدامها.

ويرمي البرنامج إلى دعم متابعة الصحة الفردية للمشاركين، وفي الوقت ذاته تُشكل البيانات التي لا تُشير إلى هويات الأشخاص خريطة لنوبات الربو في المدينة، وتُوجه المسؤولين إلى المناطق التي ترتفع فيها مستويات تلوث الهواء.

الموقع الجغرافي: ركن في بلاغات المواطنين

ربما يتضح الاستخدام الأوسع انتشارًا لبيانات الموقع الجغرافي في الكثير من التطبيقات التي طُورت للسماح للمواطنين بالإبلاغ عن المشكلات غير الطارئة إلى مسؤولي الحكومات المحلية. ومنذ تطبيق أول نظام “311” في للمكالمات الهاتفية بالخدمات العامة في غير حالات الطوارئ في مدينة بالتيمور في ولاية ماريلاند في عام 1996، سعت مختلف المدن الأمريكية لضمان توفير اتصال مُباشر بين المواطنين والحكومة لطرح أسئلتهم غير العاجلة وتلقي آرائهم وطلبات الخدمات. وساعدت مثل هذه الأنظمة الحكومات للتحول تجاه التركيز على خدمات المستهلكين.

وفي ظل انتشار أجهزة الحوسبة المتنقلة، تحولت هذه الخدمات إلى شبكة الإنترنت. ومثلًا تسمح شركة “سي كليك فيكس” SeeClickFix التي تأسست في عام 2008 لأفراد المجتمعات بالتقدم بالشكاوى وطلبات الخدمات إلى حكوماتهم المحلية كالحاجة لإصلاح حفر أو إزالة نفايات. وبالإضافة إلى بيان الطلب أو الشكوى، تتضمن المشاركة بيانات الموقع الجغرافي وصور.

وطورت الكثير من المدن الأمريكية تطبيقاتها الخاصة لجمع طلبات المواطنين ومتابعتها. وعلى سبيل المثال، طرحت بوسطن تطبيق “سيتزن كونكت” Citizens Connect الذي يُعرف حاليًا باسم BOS:311. ويستخدم موظفو الحكومة التطبيق الحائز على جوائز في جمع طلبات المواطنين ومتابعة تنفيذها. كما أطلقت مدينة نيويورك تطبيق 311 للمحمول في عام 2013، وطورت مدينة سولت ليك سيتي تطبيق SLC Mobile.

خدمات تعتمد على بيانات الموقع الجغرافي

منذ فترة طويلة تستفيد المدن من “نظم المعلومات الجغرافية” في عملياتها الداخلية. وفي ضوء استخدام المواطنين للهواتف المحمولة في الوصول إلى معلومات حول الخدمات في مدنهم، تحولت “نظم المعلومات الجغرافية” إلى ركن أساسي في إتاحة بيانات دقيقة وذات صلة للمواطنين أثناء تنقلاتهم.

وتُوفر هذه الخدمات للمواطنين إجابات ومعلومات مُخصصة بحسب موقعهم، وذلك من خلال التنسيق بين الموقع الجغرافي للمستخدم والمعلومات الجغرافية الأساسية حول المتنزهات والمواصلات والتقسيم الانتخابي للمناطق.

واعتمدت حكومات الكثير من المدن الأمريكية من تينيسي إلى نيويورك هذا الأسلوب لتطوير تطبيقات للمواصلات مُخصصة بحسب كل مستخدم، تُقدم توجيهات واقتراحات تجمع بين وسائل مختلفة للنقل، وتأخذ في الحسبان موقع المستخدم وحالة المواصلات العامة.

وفي مدن أخرى تُقدم الخدمات المعتمدة على الموقع الجغرافي معلومات حول موارد عامة مهمة كما هو الحال في فيرمونت؛ إذ يُمكن للسكان استخدام تطبيق “أو رينجر” OhRanger للعثور على موقع أقرب الحدائق إليهم، في حين يستفيد تطبيق “فايند يور ليجسلاتور” Find Your Legislator من بيانات الموقع الجغرافي أو العناوين لتعريف المواطنين على مُمثليهم المنتخبين.

وتُمثل الأكشاك وعناصر أخرى من بنية الشوارع منافذ لتقديم معلومات حول المناطق المحيطة، ومثلًا تُقدم “لينك إن أي سي” LinkNYC التي حلت مكانة أكشاك الهواتف العامة في مدينة نيويورك معلومات عن الخدمات العامة وخرائط محلية، فضلًا عن توفير الاتصال اللاسلكي بالإنترنت “واي فاي” وإعلانات بحسب الموقع الجغرافي.

وفي مدينة كانساس سيتي في ولاية ميزوري يتضمن المسار الجديد للترام خمسة وعشرين كشكًا تُقدم معلومات حول المناطق المحيطة منها وسائل الراحة ولمحات من التاريخ المحلي.

أما في العاصمة البولندية وارسو يستخدم مشروع “فيرشوال وارسو” Virtual Warsaw، الفائز بجائزة “مؤسسة بلومبرج الخيرية” لرؤساء المدن في عام 2014، منارات ترتبط بالهواتف الذكية، وتُقدم معلومات الموقع الجغرافي لضعاف البصر، ومعلومات حول وسائل المواصلات والتذاكر والأماكن الثقافية.

وتستفيد مدن أخرى من خاصية “السياج الجغرافي” Geofencing التي تُوظف “النظام العالمي لتحديد المواقع” أو ترددات الراديو لتحديد سياج افتراضي أو وهمي حول منطقة جغرافية معينة، بما يسمح بإرسال تنبيهات عبر الرسائل النصية أو التطبيقات عند دخول جهاز أو خروجه من هذه المنطقة.

وفي مثال حديث على الاستفادة من “السياج الجغرافي” وقع حريق في أحد مباني مدينة سان فرانسيسكو، الأمر الذي مثل تهديدًا على المباني المجاورة وسبب اختناقًا مروريًا واسع النطاق في المنطقة. واستعانت المدينة بخاصية “السياج الجغرافي” لإرسال تنبيهات من خلال خدمة “ألرت إس إف” AlertSF إلى الهواتف المحمولة للأشخاص الموجودين في المناطق المُتضررة.

وتُستخدم أيضًا تقنيات مُماثلة للسياج الجغرافي في دعم تنفيذ اللوائح، وهو ما حدث مع عمل خدمات تقاسم ركوب السيارات مثل “أوبر” و”ليفت” في المطارات التي اقتصرت لفترة طويلة على سيارات الأجرة التقليدية. وخلال الأشهر الماضية سمح “مطار لوس أنجليس الدولي” لخدمتيّ “ليفت” و”أوبر” باصطحاب الركاب من داخل نطاق المطار.

وسعيًا لضمان السلامة العامة والحد من الازدحام وزيادة المساءلة، طُلب من سائقي “أوبر” و”ليفت” الانتظار في المواقف المُخصصة، واشترط المطار توجيه طلبات الركاب إلى السائقين الموجودين في الموقع الملائم فقط، وحددت كلٌ من “ليفت” و”أوبر” سياجًا جغرافيًا للمنطقة المسموح بها يحتوي جميع الطلبات المُقدمة.

وفي الواقع ترتبط الاستفادة من بيانات الموقع الجغرافي بمختلف أبعاد الحكومة الحضرية، ويشمل ذلك من بين أمور أخرى الاستجابة لحالات الطوارئ ووضع السياسات والخدمات المُوجهة لذوي الاحتياجات الخاصة.

ومع ذلك، تظل الخصوصية أحد الأسباب الرئيسية للقلق حتى مع إخفاء هويات الأشخاص. وتوصل باحثون في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” إلى أن بمقدورهم تحديد 95% من الأشخاص عبر تحليل أربعة أوقات وأماكن تقريبية فقط. لكن يظل توافر بيانات الموقع الجغرافي بين أيدي المستخدمين فرصة ثمينة أمام المدن لتحسين خدماتها وتوسيع مجال المشاركة العامة.

مصدر الصورة