تقرير: كيف تُساعد التكنولوجيا والبيانات في الحرب على الفساد؟

أتاحت التطورات المُتلاحقة في التكنولوجيا قدرًا هائلًا من البيانات حول مجالات مختلفة ليس أقلها المجتمعات والبيئة والاقتصاد. ومن أجل مُواكبة التطور السريع تمضي الحكومات والمنظمات الدولية وغير الحكومية والمواطنين في مسارٍ من التجريب والابتكار والتغيير ومُحاولة التكيف.

وفضلًا عن اعتبار حرية نشر المعلومات والوصول إليها والشفافية أركانًا رئيسية ومُتطلبات أولية للديمقراطية، فإنها تُمثل أيضًا أسلحةً مهمة في المعركة ضد الفساد، وقادت إلى توفير فرص مُتكافئة إلى حدٍ كبير لكلٍ من الحكومات والأسواق والصحافة ومجموعات الدفاع عن الحريات والحقوق. وربما يكون بمقدور هذه الأدوات إحداث ثورة في مجهودات مُكافحة الفساد من خلال تطوير آليات اكتشافه ومنعه مُبكرًا وتحليل التعاملات.

ويُقدم التسريب الأخير لما يُعرف باسم “وثائق بنما” مثالًا على كيفية استفادة الأفراد والمؤسسات من التكنولوجيا الجديدة للحد من فرص استشراء الفساد. وتناولت الوثائق مخططات مسؤولين كبار وشخصيات شهيرة للتهرب الضريبي وغسيل الأموال، وقادت إلى تحقيقات جدية في الكثير من الدول واستقالة بعض المسؤولين.

ويطمح كثيرون إلى الاستفادة من الثورة الحالية في مجال البيانات، أي تنامي حجمها وتطور أدوات التحليل، والابتكار التكنولوجي المُصاحب كتطبيقات الهواتف المحمولة وأدوات الأدلة الجنائية في مُعالجة مُشكلات رئيسية تُؤرق المجتمعات والدول وفي صدارتها الفساد، لكن هذه الأدوات جميعًا لا تضمن بأية حال علاجًا أكيدًا للفساد في غياب الإرادة السياسية ومبادئ فاعلة مثل الشفافية والمُساءلة وحرية التعبير والنشر.

أولًا: البيانات الضخمة

تلجأ المُنظمات إلى الاستعانة بالوسائل التكنولوجية من أجل زيادة العمليات الآلية وتحسين مستويات الدقة. وتُطور منظمات دولية برمجيات مُبتكرة بهدف اكتشاف الغش والتواطؤ واتخاذ الإجراءات اللازمة لردعها. ولفتت الأمم المتحدة إلى دور توافر بيانات أكثر جودة وتيسير الوصول إليها في تحسين القرارات السياسية، والسماح بقدرٍ أكبر من المساءلة. وتناولت الكثير من تقاريرها الأخيرة كيفية إدراج ثورة البيانات في التزامات التنمية المُستدامة.

ويتضمن هذا تقاسم التكنولوجيا والابتكار من خلال أدوات مثل البيانات الضخمة والبنية الأساسية المُرتبطة بها والشبكات المُتطورة؛ سعيًا لتعزيز الكفاءة، ومُعالجة مشكلات الكفاية، واكتشاف الفجوات الخطيرة، وزيادة التعاون، وتقديم حافز للابتكار من أجل الصالح العام.

وتتنوع مجالات الاستفادة من البيانات الضخمة بين الصحة العامة والتجارة والضرائب وغيرها، ويُستخدم التحليل التنبؤي والتمثيل البصري للبيانات لاكتشاف الاتجاهات الشائعة والأنماط والعلاقات وسط قدر ضخم من البيانات وصولًا إلى رؤى نافعة.

وعلى سبيل المثال، يستعين “مكتب الضرائب الأسترالي” بتحليل البيانات الضخمة للبحث وسط عددٍ هائل من السجلات، في محاولة للعثور على أدلة لجوء البعض إلى ملاذات ضريبية، كما يُطابق البيانات لاكتشاف تهرب صغار تجار التجزئة عبر الإنترنت من الوفاء بالتزاماتهم.

وطالما واجهت المنظمات والحكومات صعوبات جمّة في فضح الفساد بسبب صعوبة التعامل مع القدر الهائل من البيانات، لكن انتشار العمليات الرقمية والبيانات الضخمة أثمر أساليب جديدة في إدارة البيانات، تضع نصب أعينها منع مُمارسات الاحتيال وسوء الاستخدام في القطاع العام.

وفي الوقت الراهن تنجح تحليلات الفساد في اكتشاف السمات المُميزة للتعاملات المشبوهة في قطاعات مثل الضرائب والرعاية الصحية، كما تسمح التحليلات الفورية للمؤسسات باكتشاف الاحتيال وإيقافه، ما يقود إلى توفير التكاليف المُحتملة للفساد وقد تصل إلى ملايين الدولارات. كما تسعى الدول إلى توظيف طرق جديدة لتطوير البيانات ومُشاركتها؛ بهدف تحسين جودة المعلومات وخفض تكاليف إنتاج البيانات العامة.

ثانيًا: التنقيب في البيانات

لا تقتصر الاستفادة من البيانات الضخمة وأدوات التكنولوجيا الحديثة على الحكومات وحدها، بل تتبع بنوك التنمية مُتعددة الأطراف المسار ذاته من خلال مجموعة من الأدوات المُبتكرة المُخصصة للرقابة على عملياتها والإشراف عليها. ويُفيد التنقيب في البيانات Data Mining في تدقيق المشتريات العامة، والتحقيق في العطاءات الحكومية واكتشاف العلامات الدالة على التآمر أو المعلومات الخاطئة.

وبالإضافة إلى ذلك، تُستخدم آليات التنقيب في البيانات لاكتشاف “الأغراض الفاسدة” في المدفوعات والتعاملات من خلال التمثيل البصري للبيانات. ومثلًا فحص باحثون في “مركز أبحاث الفساد” في العاصمة المجرية بودابست قدرًا ضخمًا من مجموعات البيانات حول المشتريات العامة لبلدان الاتحاد الأوروبي عبر البحث عن أنماط غير مُعتادة مثل قصر استثنائي في مدة العطاءات، وغياب المنافسة، وتكرر فوز نفس الشركة بأكثر من مناقصة.

وترمي برمجيات مكافحة الفساد إلى اكتشاف ممارسات الاحتيال والتعامل معها، ومنها “التنقيب الذكي” في مجموعات البيانات والإجراءات الإدارية. وطورت كلٌ من “المفوضية الأوروبية” و”منظمة الشفافية الدولية” برمجيات تحليل البيانات لفحص بيانات من مؤسسات القطاعين العام والخاص، وتُساعد في تحديد المشروعات الأكثر عرضة لأخطار الاحتيال وتضارب المصالح والمخالفات، بالإضافة إلى استخدام أدوات التنقيب في البيانات في البوابات مفتوحة المصدر لمراقبة المشتريات والتحليلات.

ولا يُسهِم التكامل الفعّال بين هذه الأدوات في مُمارسات الحكومة الإلكترونية والمشتريات الإلكترونية في تحسين اتخاذ القرارات فقط، وإنما يُوفر أيضًا قدرًا أكبر من الشفافية عبر تبسيط العمليات.

ثالثًا: تطبيقات المحمول

تُستخدم تطبيقات الهواتف المحمولة من أجل الاستفادة من البيانات والتوصل إلى رؤى مُفيدة سريعًا، ويتنامى الاعتماد عليها في البلدان النامية لتيسير وصول المواطنين إلى الخدمات والمعلومات ولاسيما في المناطق النائية؛ بسبب انتشارها على نطاقٍ واسع وانخفاض تكلفتها نسبيًا. وبالتالي من المُمكن توظيف نجاح هذه التكنولوجيا في الحرب الجارية ضد الفساد.

وتتضمن تجارب الاستفادة من التطبيقات توظيفها في محاربة دفع الرشاوى في الهند من خلال موقع الإنترنت وتطبيقات “دفعت رشوة” أو I Paid A Bribe الذي تأسس في عام 2011، ويُتيح للمواطنين الإبلاغ عن دفعهم رشوة في أحد المكاتب الحكومية، وتسجيل شكوى عبر الموقع دون نشر اسم الموظف لمنع التشهير بالأبرياء وتجنب البلاغات الكاذبة، وتتضمن أهداف الموقع التأكيد على دور المراقبين وإشعار الموظفين ومسؤولي الحكومة بخضوعهم للمراقبة العامة. (اقرأ أيضًا: في الولايات المتحدة: تطبيقات للهواتف الذكية تُيسر إبلاغ المواطنين عن إهدار المال العام والاحتيال)

وبدافع من نجاح تجربة “دفعت رشوة”، أصدر “البنك الدولي” نسخته الخاصة من خلال “تطبيق النزاهة” Integrity App الذي يُطلع المستخدمين على المشروعات التي يُمولها البنك، ويسمح لهم بالإبلاغ عما يرونه من شبهات للاحتيال والفساد. ومن خلال التطبيق يُمكن للمستخدمين دعم بلاغاتهم بصور مثل مشروعات لإنشاء مدارس يُمولها “البنك الدولي” دون أن يكتمل بناؤها، أو دفع رشاوى.

وفي المستقبل سيُوفر “تطبيق النزاهة” ميزات أخرى مثل إمكانية التعرف على الموقع الجغرافي للمستخدم، ورموز “الاستجابة السريعة” أو QR على المشروعات بما يسمح للمستخدمين بالإطلاع على معلومات تتعلق بحجم الإنفاق والجدول الزمني لإتمامها.

وأتاح “البنك الدولي” في المناطق التي لا تتمتع فيها الهواتف الذكية بانتشارٍ واسع آلية تسمح لمستخدمي الهواتف المحمولة العادية أو الأساسية بالتواصل مع قسم النزاهة في “البنك الدولي” دون دفع رسوم المكالمة الهاتفية.

وعلاوةً على ذلك، تُستخدم الهواتف المحمولة في التحقيقات الرامية إلى كشف مُمارسات الاحتيال والفساد في المشروعات التي يُمولها “البنك الدولي”. وتلقى الخط الهاتفي الساخن 26 ألف بلاغًا سنويًا، وفي العام الماضي ارتبطت 370 حالة مُباشرةً بمشروعات تتلقى تمويلًا من “البنك الدولي”، الأمر الذي أسفر عن فرض 34 عقوبة على أفراد وشركات، ومنع الكثير من العقود الفاسدة قبل إبرامها، بالإضافة إلى تطوير إجراءات احترازية للمشروعات عالية المخاطر.

رابعًا: علوم الأدلة الجنائية

شجعت أهداف التنمية المُستدامة للأمم المتحدة على زيادة الاستثمار لتحسين البيانات بغرض المراقبة والمساءلة. ومن أجل مشاركة الابتكار والتكنولوجيا للنفع العام اقترحت الأمم المتحدة إنشاء “شبكة من شبكات ابتكار البيانات” على الصعيد العالمي تجمع بين المنظمات والخبراء للمُساهمة في اعتماد أفضل ممارسات المراقبة وتعزيز الكفاءة.

ويُوظف القطاعان العام والخاص أدوات علوم الأدلة الجنائية للمُدققين الماليين لمواجهة الفساد، ومن هذه الأدوات تكنولوجيا الرقابة الذاتية والتحليل والإبلاغ. وتطورت هذه الأدوات وصولًا إلى مستوى يسمح لها بالتعامل مع سرعات إنتاج البيانات، وإجراء تحليلات في الوقت الحقيقي للتعاملات، وإنشاء نماذج للتنبؤ، واكتشاف الأنماط الشاذة، والاستفادة من الخوارزميات في تحديد ومن ثم إيقاف عمليات دفع غير سليمة في أقرب وقت.

وبمقدور التحليلات الدورية للبيانات التحقق من المعاملات في نماذج البيع والشراء، والبحث عن العمليات الغريبة، والتحديد السريع للتعاملات المشبوهة على غرار التدفقات المالية غير المشروعة. وإلى جانب اكتشاف التعاملات الفاسدة ومنعها، تتضمن الفوائد الأخرى للتكنولوجيا التنفيذ الآلي للعمليات عبر الحواسيب والبرمجيات ما يُنهي الحاجة إلى دور الوسطاء، وبالتالي يُقلل من فرص الفساد في عمليات الشراء ويحد من دفع الرشاوى، وهو أمر يُفيد مختلف الأنظمة سواءً في الحكومات أم المنظمات.

وعلى مستوى الدول تتجه الحكومات إلى تبني البيانات المفتوحة لأغراض ليس أقلها زيادة الشفافية، وتقليل الإساءة لسمعة الحكومة باتهامات الفساد، وتوفير فرص للابتكار والإبداع وللمشروعات الجديدة، وزيادة تفاعل المواطنين مع مجتمعاتهم وحكوماتهم.

وفي واقع الأمر، لدى التكنولوجيا، بالبيانات الضخمة وآليات التنقيب في البيانات وتطبيقات الهواتف المحمولة وأدوات الأدلة الجنائية، مجالًا واسعًا وغير مسبوق لزيادة الشفافية ودعم مجهودات مكافحة الفساد.

لكن ذلك لا يعني أن التكنولوجيا تُقدم علاجًا سريعًا وناجعًا للفساد؛ فقد تفتح المجال لأساليب جديدة للاحتيال والغش، وبالتالي يتوجب على الحكومات والمنظمات سرعة التكيف، وقد يتطلب الأمر زيادة الاستثمارات المالية والتقنية في الابتكار وتعاون القطاعين العام والخاص لإحداث هذه التغييرات وتبني التقنيات الجديدة. ويبقى الجانب الأهم هو توافر العزم الصادق على محاربة الفساد والآليات الأساسية للديمقراطية والمساءلة ورعاية الحقوق.

مصدر الصورة