تقرير: كيف تُسهِم البيانات وبرامج المحاكاة في تحسين التخطيط الحضري ومشاركة المواطنين؟

تستعين المدن في مُختلف أنحاء العالم ببيانات عن البنية التحتية والصحة والسلامة ومستويات رضا المواطنين لتحسين خدماتها. وكذلك تلعب البيانات دورًا محوريًا في التخطيط الحضري وتصميم المباني ومرافق البنية التحتية والأحياء السكنية والميادين العامة.

وبمساعدة البيانات الضخمة يتمكن المعنيون بالتخطيط العمراني في الوقت الراهن من استخدام نماذج المُحاكاة لتوقع تأثيرات برامج التطوير. كما تستفيد المدن من هذه البرامج في رفع مستويات الاستدامة والنظرة الاستراتيجية في خططها، وتصير عمليات التخطيط أكثر شمولًا من ذي قبل من خلال إشراك المواطنين وتعريفهم بالخيارات المُتاحة والسماح لهم بطرح رؤاهم الخاصة.

وتتمثل الفائدة الأساسية لبرامج المحاكاة في تقليلها الآثار السلبية لمشكلة “العواقب غير المقصودة” باستخدام نماذج واقعية تتنبأ بآثار خطط التنمية على قيمة الأراضي وفرص العمل ووسائل المواصلات. وفي التخطيط الحضري غالبًا ما يأتي تحسين نظام واحد على حساب فعالية بقية الأنظمة. ومثلًا قد يُؤدي تشييد مشروع ضرروي للإسكان في منطقة ما إلى إثقال كاهل البنية التحتية للنقل المحلي، وأحيانًا ما تضر الحملات الداعية إلى المحافظة على المياه بالبنية التحتية لمرفق المياه.

ويستفيد المسؤولون عن التخطيط الحضري من برامج المحاكاة في توقع التأثيرات المُتتابعة في الأنظمة الحضرية المختلفة مثل إدارة المياه والطاقة والنفايات وانتظار السيارات. وتُعتبر المحاكاة رابطًا مهمًا بين النظرية والتطبيق؛ فمن خلالها يستطيع المصممون، ودون تغيير الوضع على الأرض، التنبؤ بنتائج تدخلاتهم عبر تصورات تتضمن تفاصيل متباينة. وجعل ذلك كله برامج المحاكاة أداةً لا غنى عنها للمتخصصين في التخطيط العمراني.

وبمقدور المحاكاة المُعتمدة على البيانات الضخمة الإسهام في علاج النقص الديمقراطي الراسخ منذ فترة طويلة في عمليات التخطيط؛ إذ غالبًا ما اقتصرت مُساهمة المواطنين في اتخاذ القرارات بشأن مستقبل مدنهم على تفاعلات مُباشرة مع المسؤولين من خلال حضور اجتماعات مجالس المدن ولقاءات التخطيط المجتمعي.

وطالما استبعدت هذه الملتقيات الكثير من السكان الذين لا يتمكنون من الحضور لسببٍ أو لآخر كالانشغال بالعمل أثناء النهار أو رعاية أفراد أسرهم أو عدم إجادتهم اللغة الأولى المستخدمة في الاجتماعات وغياب المترجمين. لكن مجموعة من الأدوات الجديدة تسمح للقائمين على التخطيط بتوسيع نطاق إسهام المواطنين بالاستفادة من البيانات حول النظم الحضرية، وإتاحة المجال أمام السكان لعرض أفكارهم واقترحاتهم عبر الإنترنت.

وبدأ استخدام نماذج المحاكاة قبل فترة طويلة. واستحوذت نماذج للتنبؤ باستعمالات الأراضي والآثار الاقتصادية على مكانة مهمة في التخطيط العمراني منذ سبعينيات القرن العشرين على الأقل. لكن هذه النماذج واجهت عراقيل بسبب القيود التقنية، وفي تلك الفترة كان جمع البيانات عملية صعبة وباهظة التكلفة، وكانت قدرات الحواسيب محدودة إلى حدٍ كبير، وإمكانات التحليل لا تزال في مهدها، مع غياب تام للتمثيل البصري للبيانات الذي طُوِّر لاحقًا.

وحينها استعان مسؤولو التخطيط بنماذج إحصائية من أجل تقدير العلاقات التي تربط عوامل مثل النمو السكاني والكثافة الحضرية، لكن تلك النماذج كانت بعيدة تمامًا عن أدوات التحليل المُتكامل وآليات التوعية العامة والمُشاركة المُجتمعية.

وشهدت الأعوام القليلة الماضية تغيرات جذرية. وفي الوقت الحاضر يُنتج استخدام الإنترنت وأنظمة الاستشعار في البيئة قدرًا غير مسبوق من البيانات، بما يُعزز قدرات التنبؤ في النماذج الإحصائية. وصارت نظم المعلومات المكانية أكثر تقدمًا، بما يسمح بتحسين التحليل الجغرافي والتوصل إلى تمثيل جذاب بصريًا يسمح للمواطنين باستيعاب نتائج نماذج المحاكاة بسهولة.

وتُتيح القفزات الواسعة في إمكانات الحوسبة للمسؤولين عن التخطيط سهولة حساب العلاقات الداخلية لأنظمة حضرية مُتعددة. وعلى أساس من هذه التحولات توسعت منصات المحاكاة الحضرية سواءً الشاملة أو تلك التي تختص بالتنبؤ في مجالٍ بعينه.

منصات المُحاكاة الحضرية الشاملة

برزت أدوات جديدة لمساعدة الباحثين في التخطيط الحضري والمسؤولين والسكان على تصور آثار التحولات الحضرية في المجتمعات. ومنها “آربان سيم” UrbanSim التي أسسها الأستاذ في “جامعة كاليفورنيا بيركلي”، بول واديل.

وتسمح أداة “آربان سيم” للمستخدمين بإجراء محاكاة والاختيار من مكتبة تضم مجموعات البيانات المفتوحة وإنشاء عروض بصرية. وصُمم البرنامج المجاني ومفتوح المصدر من شركة “أوتوديسك” AutoDesk لمساعدة المعنيين بالتخطيط على فهم التأثيرات المتنوعة لتغيير تصميمات الشوارع وتخصيص الأراضي والسياسات الرامية إلى زيادة الكثافة الحضرية. وعلاوةً على توافر الكود المصدري لبرنامج “آربان سيم”، فإنه يُكون تدريجيًا مكتبة من مجموعات البيانات الخاصة بالمدن التي تستخدم البرنامج ليستفيد منها المستخدمون والمدن الأخرى.

ويهدف “آربان سيم” إلى تحسين فهم المسؤولين عن التخطيط لتأثير تدخلاتهم المُقَترحة وتعزيز مستويات الشمول والشفافية في عمليات التخطيط. ويتحقق ذلك من خلال إشراك المواطنين؛ إذ يستطيع المسؤولون نشر تصوراتهم وأفكارهم بطرق جذابة بصريًا، كما سيكون باستطاعة السكان تأليف تصميماتهم الخاصة ومشاركتها مع الجيران وأفراد المجتمع وكذلك مع مسؤولي الحكومة المحلية.

وطورت مُبادرة “تشينج بليسز” Changing Places التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أداة “سيتي سكوب” CityScope للمحاكاة. وتجمع بين التمثيل الملموس باستخدام قطع الليجو وأدوات العرض البصري.

ويستطيع المستخدمون بواسطة التحليلات المُتطورة رصد التأثيرات المُتوقعة لتحول الكثافة السكانية من خلال تحريك قطع الليجو أو من خلال وضع قواعد مختلفة للبنية التحتية وأنظمة التنقل. وبذلك تُساعد “سيتي سكوب” المسؤولين عن التخطيط والأطراف المعنية على التنبؤ بنتائج التحول الحضري وقياسها وتمثيلها بصريًا.

ويُواصل الباحثون تطوير “سيتي سكوب”، واسُتخدم البرنامج بالفعل لمساعدة المسؤولين والسكان على فهم أفضل لعواقب التغيير في أماكن منها مدينتيّ الرياض السعودية وهامبورج الألمانية وميدان كيندال في مدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس الأمريكية.

أما أداة “بارتسبتري تشايناتاون” Participatory Chinatown من “كلية إيمرسون” فتعتمد أسلوبًا أكثر عملية لتفاعل المجتمع في عمليات المحاكاة. وتُوفر بيئةً أشبه بالألعاب مُتعددة اللاعبين لدمج المواطنين في أنشطة داخل إعادة تمثيل رقمية للحي الصيني في مدينة بوسطن.

ويُطلَب من المشاركين تصور أنفسهم شخصيات مُعينة أو الانطلاق من ظروفهم الخاصة لإنجاز مهام مثل البحث عن وظيفة والعثور على مكان للسكن وأماكن للأنشطة الاجتماعية. وتُوظف الأداة نتائج خبرات المشاركين لوضع أولويات التخطيط الحضري لتوجيه المسؤولين في المدينة.

وبالإضافة إلى هذه الأدوات، تُوفر الحكومات برامجها الخاصة لتيسير وصول المسؤولين للبيانات الحضرية وتحليلها وتفسيرها. ومن ذلك “شبكة أستراليا للاستخبارات الحضرية” Australia’s Urban Intelligence Network التابعة للحكومة.

وتُقدم للمدن والبلدات الأسترالية مجموعات بيانات وأدوات للتحليل وبناء النماذج والتمثيل البصري عبر الإنترنت. وتسعى إلى دعم “سياسة وآلية لاتخاذ القرار تعتمد على الأدلة” في مدن البلاد. وتضمن مركزية البيانات وأدوات التحليل تجنب تكرار الجهود واستفادة المدن من تجارب بعضها البعض.

أدوات لمُحاكاة أنظمة حضرية مُحددة

بينما تُركز برامج تُقدمها حكومات وجامعات على المُحاكاة الشاملة، فإن مجموعة أخرى من الأدوات تهتم ببناء نماذج لنظم حضرية مُحددة. ومن ذلك نموذج “تفاعل استخدام الأراضي والنقل” Land Use Transport interaction لتقدير وضع السكان واستعمالات الأراضي ووسائل المواصلات في ظل التطوير الحضري على المدى الطويل ولفترات تصل إلى ثلاثين أو خمسين عامًا. واسُتخدم خلال العقدين السادس والسابع من القرن العشرين، لكن حقق فوائد محدودة بسبب مشكلات تتعلق بنوعية البيانات وإمكانات الحواسيب.

وفي ضوء تطور نظم المعلومات الجغرافية خلال التسعينات، صارت هذه النماذج أكثر ثراءً بالمعلومات، ومنذ تلك الفترة تُحقق البيانات نموًا مُتواصلًا. وتُوفر الهواتف الذكية قدرًا مُتناميًا من البيانات غير المُنظمة المصحوبة ببيانات الموقع الجغرافي، ويتجه المعنيون بالتخطيط إلى دمجها في نماذج التنبؤ.

وتلجأ المدن إلى هذه الأدوات؛ من أجل السماح للمواطنين بفهم تأثير التطورات المُخطط لها وذات الأغراض المُحددة. وعلى سبيل المثال استخدم “مجلس التخطيط الحضري” في مدينة شيكاغو أداة TOD Calculator، التي تعني “تطوير يُركز على النقل” لتعريف السكان بالمنافع المحتملة لبرامج التنمية القريبة من وسائل النقل على صعيد الاقتصاد والاستدامة.

كما نشأت أدوات تُركز تحديدًا على الاستدامة في أنظمة المياه والطاقة. ومنها “فينيكس ووتر سيم” Phoenix WaterSim التي طورها باحثون في “جامعة ولاية أريزونا”، وتستعين بها حكومة المنطقة الحضرية في فينيكس لتقدير العرض والطلب بما يُساعدها على الإدارة الفعّالة لمواردها المحدودة. وتُؤكد هذه الأداة أهمية دور التمثيل البصري لجعل البيانات مفهومة ومُتاحة للأطراف ذات الصلة وصُناع القرار.

وفي تجربة مختلفة لإدارة نظم المياه، طُورت أداة “زوفناس إنفورميشن” Zofnass Information Tool في مدينة تشيلسي في ولاية ماساتشوستس؛ لتعريف المواطنين بفرص تحسينات إدارة المياه مثل الأسطح الخضراء والأرصفة المسامية وتقدير المنافع البيئية لهذه الإجراءات.

وفي قطاع الطاقة يلعب كلٌ من تصميم المباني والتصميم الحضري دورًا حاسمًا، وباستطاعة البرامج الجديدة مُساعدة المصممين والمسؤولين عن التخطيط على التنبؤ بحجم الطلب على الطاقة وتحديد الفرص المواتية للمحافظة على الطاقة.

ويُدير “مختبر التصميم المُستدام” في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” منصة “أومي” Umi لبناء النماذج الحضرية، وتُقدِر الوضع البيئي للمباني والمدن بالتركيز على الطاقة وسهولة السير في الأحياء السكنية وتوفير ضوء النهار والظل.

وطورت “مدرسة الفنون التطبيقية الاتحادية في لوزان” السويسرية برنامجًا مُشابهًا يحمل اسم “سيتي سيم” CitySim يُتيح للمصممين تقدير حجم الطلب على الطاقة والتخطيط لدمج مصادر الطاقة المُتجددة.

وتُمثل جميع هذه الأدوات والتطورات الحاصلة في أنظم المحاكاة الحضرية مُجرد بداية، وهو ما تبين خلال مؤتمر “الحواسيب في التخطيط والإدارة الحضريين” Computers in Urban Planning and Urban Management الذي نظمه “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” العام الماضي، وحضره باحثون من مختلف أرجاء العالم يسعون جميعًا لتطوير نماذج للأنظمة الحضرية المتنوعة استجابةً للتحديات المتباينة في المدن. ويُسهِم اجتماع الباحثين في مؤتمرات مُماثلة في تكوين شبكات تعاونية من الباحثين تُقدم تصميمات أفضل لتكامل منصات المحاكاة.

تحديات أمام برامج المُحاكاة

على الرغم من التوسع في إتاحة البيانات وتطور إمكانات التحليل، لا تزال توجد تحديات مهمة أمام المعنيين بالتخطيط والتصميم والمسؤولين. وكحال الاستعمالات الأخرى للبيانات الضخمة، تتقدم هذه العقبات الحاجة إلى أنظمة تستطيع إدارة ودمج البيانات المتنوعة وربط النظم الحضرية المُتمايزة والمُترابطة في آنٍ واحد. وحتى الآن يُمثل جمع الأنواع المختلفة من البيانات وترتيبها وإدارتها ودمجها تحديًا رئيسيًا.

ويكمن الأمر الأكثر أهمية في تحديد عناصر نموذج المحاكاة والعواقب الناجمة عن استثناء بعضها، مثل ما سيحدث حال لم يحتسب نموذج لتخطيط المناطق السكنية الإرث التاريخي وواصل اعتماد أسلوب العزلة السكانية. وأيضًا نتائج استبعاد مصادر الطاقة المُتجددة من محاكاة للتخطيط لوسائل المواصلات، وهو أمر من شأنه التأثير سلبًا على دقة تحديد خيارات النقل العام المُستدام.

وتحظى العناصر التي يُحددها القائمون على تطوير نماذج المحاكاة في البداية بأهمية مساوية للنماذج ذاتها، وينبغي ضمان تعبيرها عن مجموعة متوازنة وغير منحازة من الافتراضات.

ولكي تنجح المحاكاة حقًا في إضفاء الشمول على عملية التخطيط، يتعين على المصممين توفير برمجيات يستطيع الجمهور غير المُتخصص في التكنولوجيا استخدامها. وينبغي على الأطراف المعنية تطوير نماذج للمحاكاة لا تشترط معرفة عميقة بمصادر البيانات والنماذج الإحصائية، وبذلك يتمكن المواطنون من تكوين رؤيتهم الخاصة لما يحدث وما هو مُمكن لمدينتهم. وفقط من خلال توفير برامج محاكاة بسيطة ومُتاحة بسهولة، يصير بمقدور المواطنين تقديم رؤاهم الحضرية الخاصة دون الاكتفاء بالتلقي السلبي لخيارات وخطط يضعها مسؤولو الحكومة.

المصدر

مصدر الصورة