تقرير: كيف ستُغير السيارات ذاتية القيادة أساليب الاقتناء والسلامة والاجتماعات؟

على مدار سنوات طويلة عبرت السيارات في الولايات المتحدة الأمريكية عن الأمور الجيدة والسيئة على حدٍ سواء؛ إذ مثلت رمزًا للحرية والفردية والقوة والسرعة، وارتبطت بتمهيد آلاف الأميال من البراري وتحويلها إلى طرق ثم طرق سريعة وطرق عابرة للولايات، كما عبرت عن قدرات الصناعة الأمريكية، وصارت بيتسبرج رمزًا للصلب وأكرون للمطاط بينما تركزت المصانع في ديترويت.

وعلى الجانب المُقابل ارتبطت السيارات الرياضية مُتعددة الأغراض أو سيارات الدفع الرباعي بشراهتها في استهلاك الوقود، وتبع انتشار السيارات ازدحام المرور وتمدد المدن وتراجع دور النقل الجماعي، ونشأة الضواحي السكنية ثم مناطق أبعد ارتبطت بعزلة بعض الفئات الاجتماعية الأكثر ثراءً ومهاجرين من الأمريكيين البيض، وتلى ذلك سنوات تراجع الصناعة واقتراب الشركات الثلاث الأكبر في صناعة السيارات من الانهيار خلال الركود الاقتصادي الكبير في عام 2008، والموت البطيء للصناعة الأمريكية والعمالة اليدوية.

وحاليًا وبعد أربعة عقود من الإخفاقات تبدو الأمور في سبيلها للتحسن بالنسبة لشركات السيارات على نحوٍ كان من الصعب توقعه قبل عشرة أعوام فقط. ولن تُنهي التغيرات التالية صراع الماضي بين الأمور الرائعة وما عداها، وبدلًا من ذلك ستظهر صورٌ جديدة للتضارب والصراعات بين الحرية والمجتمع والسلطة والعدل.

خطوات أولى في سبيل السيارات المُستقلة

حين طرحت شركة “تويوتا” سيارتها “بريوس” في عام 1977، لم تكن قد تأسست بعد “جوجل” و”تسلا” و”أوبر”. وفي الوقت الحالي تُعد الشركات الثلاث بين اللاعبين البارزين في مجال صناعة السيارات. وتسعى كلٌ من “جوجل” و”تسلا” إلى طرح سيارات مستقلة تمامًا أي يُمكنها قيادة نفسها خلال السنوات القليلة المُقبلة. وفي الآونة الأخيرة استثمرت شركة “أوبر” في مركز للأبحاث والتطوير في مدينة بيتسبرج، وتتطلع إلى خوض سوق السيارات ذاتية القيادة مُستقبلًا.

ويُتوقع أن تكون السيارات ذاتية القيادة أكثر أمنًا من تلك التي يقودها البشر. لكن حتى إذا ما طُرحت السيارات ذاتية القيادة في الأسواق واستخدمها الجمهور على الطرق العادية خلال الأعوام القليلة التالية، فربما لن يتخلى أغلب الأشخاص عن قيادة سياراتهم كليةً خلال الأعوام الخمس عشرة أو العشرين المُقبلة، وفي الوقت نفسه ستتحكم السيارات التقليدية تدريجيًا في جوانب محددة للقيادة.

ومنذ العقد التاسع من القرن العشرين تُضيف الشركات المُنتجة للسيارات ميزات القيادة المُستقلة إلى إنتاجها ومنها نظام التحكم الذاتي في المسافة الذي يستفيد من أجهزة الاستشعار من أجل ضبط سرعة السيارة تبعًا لحركة المرور أمامها، وكذلك نظام الإيقاف الموازي للسيارات آليًا، كما أن بعض السيارات تتوقف أو على الأقل تُخفض سرعتها في حال لم يضغط السائق على المكابح في الوقت المُلائم لتجنب الاصطدام.

وستُتيح بعض طرازات “مرسيدس بنز” لعام 2017 للسائقين تغيير الحارات أو المسارات على الطريق بالضغط لثانيتين على زرٍ مُخصص لتتولى السيارة إنجاز المهمة. وفي غضون سنوات قليلة ربما يصير باستطاعة السيارات تقدير احتمالات وقوع حادث، ومن ثم تُجري تعديلات على المقصورة منها تحريك المقاعد وإغلاق النوافذ وإبعاد عجلة القيادة.

وبطبيعة الحال فمنع وقوع حوادث الاصطدام يفوق أهميةً الاستعداد لما يليها والتخفيف من أضرارها. وتُصدر بعض السيارات تحذيرات عند اكتشافها من خلال الكاميرات وأجهزة الاستشعار شعور السائق بالنعاس ورغبته في النوم. وقد تتولى سيارات المستقبل دفة القيادة من السائقين عند شعورهم بالنعاس، أو قد تنتقل إلى جانب الطريق وتتوقف آليًا.

وفي هذا الشأن يمكن للقياسات الحيوية الإسهام بدورٍ بارز، ففي حال توافرت السيارة على أجهزة استشعار لقياس التنفس ومُعدل ضربات القلب يُمكنها التحول إلى نمط القيادة الذاتية عند إصابة السائق بأزمة قلبية أو فقدانه الوعي.

اندفاع نحو تحقيق حلم السيارات ذاتية القيادة

في حين تُضيف الشركات التقليدية لصناعة السيارات ببطء ميزات القيادة المُستقلة، تتبع شركة “تسلا” نهجًا أكثر جرأة. وفي العام الماضي قدمت تحديثًا لبرمجيات سياراتها من طراز “موديل إس”، سمحت لها بالعمل من خلال ميزة “الطيار الآلي” أو “أوتو بايلوت”.

وتُتيح الميزة للسيارة القيادة الذاتية، لكن يتولى السائق التحكم متى أراد مثلًا عند محاولة السيارة الخروج من الطريق السريعة على نحوٍ مُفاجئ ودون رغبة السائق كما فعلت بعض السيارات بعد فترة وجيزة من تقديم الميزة العام الماضي. وفي كل مرة يتدخل فيها السائق تُسجل “تسلا” تصرف السائق في برنامج السيارة وتصل المعلومات إلى السيارات الأخرى، وبذلك تتحسن قدرتها جميعًا على القيادة الذاتية بمضي الوقت وتصويب الأخطاء.

وتُصنف ميزة “أوتو بايلوت” في سيارات “تسلا” داخل منطقة رمادية وغير واضحة من الناحية التنظيمية؛ نظرًا لأن تحديثات برمجيات السيارات لا تتطلب موافقة “الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة”. ومع ذلك فقد يتغير الوضع في ظل مساعي الإدارة لمواكبة التكنولوجيا الحديثة.

ومن غير المُرجح أن تُقدِم شركات مثل “فورد” و”جنرال موتورز” على طرح نظام مُماثل لم يخضع للاختبار للمستهلكين، لكن جمهور “تسلا” المهتم بالتكنولوجيا يبدو على استعداد لتقبل المخاطرة حتى إن لم يُفضل مرافقوهم ذلك.

وفي وقتٍ سابق من هذا العام حدثت “تسلا” برمجيات سياراتها مُجددًا لإتاحة استدعاء السيارة، ما يعني أن بمقدور السيارة تشغيل نفسها وفتح باب المرآب والالتقاء بالسائق خارج المرآب. وحتى الآن تهدف الشركة إلى استخدام السائقين هذه الميزة داخل نطاق ملكياتهم وعقاراتهم الخاصة، لكنها تَعِد بأسلوب لاستدعاء السيارات في المستقبل يحمل اسم “نايت رايدر” Knight Rider، وعلى سبيل المثال يُمكن للسيارة حينها التوجه وحدها إلى المطار، وكذلك التحرك وفقًا لجدول مواعيد سائقها وانتظاره بعد انتهاء اجتماع له في وسط المدينة.

تواصل السيارات مع بعضها البعض

في الوقت الراهن تسمح تطبيقات مثل “ويز” Waze للسائقين بتنبيه بعضهم البعض إلى ازدحام المرور وحوادث السيارات وإصلاحات الطرق. وقريبًا ستُساهم السيارات آليًا في شبكة مُشتركة بمعلومات عن حالة المرور والتوجيه من خلال أنظمة الاتصالات بين مركبة وأخرى.

ومن خلال هذه النظم ستنقل السيارات باستمرار معلومات حول الموقع الجغرافي والسرعة وبيانات أخرى. وبالإضافة إلى دورها في تقديم تقارير أفضل عن المرور، فإنها ستجعل القيادة أكثر أمنًا. وفي حال ضغط السائق على المكابح على نحوٍ مُفاجئ أو استدار دون التحقق من الطريق ستُرسل السيارة تحذيرًا للسيارات القريبة بما يُساعدها على تجنب الاصطدام.

وتتوقع “الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة” أن تقود الاتصالات بين السيارات وبعضها البعض إلى عددٍ أقل كثيرًا من الحوادث كل عام. وخلال فترة قريبة ستتضمن بعض السيارات أنظمة اتصالات داخلية، وستتوافر في بعض طرازات “كاديلاك” و”مرسيدس بنز” لعام 2017، كما ستتُاح أيضًا الأنظمة المُدمجة في لوحة القيادة أو العدادات والشبيهة بوحدات “نظام تحديد المواقع الجغرافية العالمي”.

تحول السيارات إلى مساحات للترفيه وغرف للاجتماعات

حين تصير السيارات ذاتية القيادة تمامًا لن تصير بحاجة إلى الاحتفاظ بالتصميم نفسه الذي ساد عالم السيارات منذ ما يزيد عن قرن. وتتمثل أحد مفاهيم التصميم الأساسية في سيارة “إف 015” من “مرسيدس بنز” في تحول السيارة إلى “مساحة للعيش الرقمي”، وفيها تُواجه المقاعد بعضها البعض، وتمتلئ السيارة بالشاشات التي تُوفر للركاب إمكانات الترفيه والعمل، ما يعني إمكانية تحول السيارة إلى غرفة للاجتماعات أو المؤتمرات، وربما يبدأ أرباب الأعمال مُطالبة موظفيهم بالإنتاجية خلال طريقهم إلى العمل.

ويبدو تصميم السيارة “إف 015” الشبيه برصاصة فضية اللون أنيقًا وعصريًا، لكنه قد يصير قديم الطراز بين سيارات المستقبل. وتعمل السيارات المستقلة على نحوٍ أفضل عند تشغيلها كأسطول بدلًا من أن تكون ملكية خاصة؛ إذ يُمكن الاستفادة من السيارة ذاتية القيادة في غياب السائقين والركاب، كما تُفضل شركات التكنولوجيا التي ستُنتج البعض منها بيع الخدمات عن تسويق المنتجات. وفي نهاية المطاف ربما تُصبح ملكية السيارات أمرًا من الماضي.

ومن شأن ذلك أن يُنهي إلى حدٍ كبير جوانب الفخر والتخصيص الشخصي المرتبطة باقتناء السيارات. وقد يتحول المرآب كعنصرٍ رئيس في الهندسة المعمارية الحضرية إلى جزءٍ من التاريخ، وبالمثل سيُوفر الاستغناء عن أماكن الانتظار مساحات ثمينة تسمح بحياة حضرية أكثر رفقًا بالبيئة وأكثر كثافة من الناحية السكانية.

وفي الوقت نفسه سيفتح انتشار السيارات ذاتية القيادة المجال أمام ازدهار الضواحي السكنية البعيدة؛ فلن يعد على السكان القلق من قيادة السيارات لفترات طويلة إلى أعمالهم، وربما لن يُولي الناس اهتمامًا بالعلامات التجارية للسيارات سوى بقدر اهتمامهم بنوع القطارات التي يُسافرون بواسطتها.

ومثلما يبدو الاستغناء عن تمويل شراء السيارات وقيادتها وأماكن الانتظار مثاليًا، يتضمن الأمر جوانب سلبية. وقد يجعل الانتشار الواسع للسيارات ذاتية القيادة من مشاركة البشر كمشاة أو راكبي الدراجات وسائقي السيارات التقلدية في الطرق نفسها أمرًا خطيرًا. وربما تضيع أهمية الأسس المُتفق عليها للطرق مثل أضواء إشارات المرور وحارات الاستدارة، ويتحول النقل إلى شبكة من الروبوتات يعجز العقل البشر عن التجاوب معها والتحرك خلالها.

أحلام السيارات الطائرة

منذ عقود احتلت السيارات الطائرة مكانها ضمن أحلام الخيال العلمي لدى البشر، ومنذ عام 1926 حاول قسم الطائرات في شركة “فورد” التوصل إلى طائرة شخصية أو مُقابل “موديل تي” للهواء. لكن بعد تسعين عامًا والكثير من تصميمات النماذج الأولية والإخفاق لا تزال السيارة الطائرة حلمًا، ولم ينجح بعد أي منتج في الوصول إلى الأسواق.

وربما يتغير ذلك، ومن بين المحاولات الراهنة “سكاي كار” Skycar وهو نموذج أولي لسيارة طائرة، و“إيهانج 184” Ehang 184 وهي طائرة دون طيار لنقل الركاب، وأعلنت عنها الشركة الصينية المُطورة خلال “معرض الإلكترونيات الاستهلاكية” في مدينة لاس فيجاس الأمريكية خلال شهر يناير/كانون الثاني الماضي. كما كشفت شركة “تيرافوجيا” Terrafugia في عام 2013 عن خططها لتطوير سيارة ذاتية الطيران، وتوقعت تجهيز النموذج الأولي للاختبار بحلول عام 2018، بينما سيستغرق إنتاج نموذج تجاري خمسة أعوام أخرى على الأقل.

وفي حال النجاح في إنجاز السيارات الطائرة، فمن المُتوقع أن يصل سعر الواحدة منها إلى مئات الآلاف من الدولارات، وربما ستحل مكانة سيارات “لامبورجيني” و”بنتلي” كعلامات مُميزة لسيارات الأشخاص الأكثر ثراءً، ولذلك ستظل بالنسبة لمعظم الأشخاص حلمًا بعيد المنال حتى إن خرجت عن إطار الخيال العلمي.

المصدر والصورة