تقرير: ماذا حققت البيانات الحكومية المفتوحة؟ وماذا ينتظرها؟

قبل ستة أعوام صارت الولايات المتحدة الأمريكية البلد الأول في العالم الذي يجعل نشر البيانات الحكومية خيارًا افتراضيًا باستثناء المعلومات الشخصية وتلك التي تتعلق بالأمن القومي. وتتوافر حاليًا ما يقرب من مائتيّ ألف مجموعة بيانات تعود إلى مائة وسبعين هيئة عبر موقع data.gov.

وسار على النهج نفسه سبعون بلدًا، وأغلبها من الدول الغنية، باستثناء الهند، التي تحظى بأنظمة حكم جيدة. وتُقدر مؤسسة “أوبن نولدج” Open Knowledge غير الهادفة للربح عدد مجموعات البيانات المُتاحة عبر بوابات البيانات المفتوحة بأكثر من مليون مجموعة تستخدم برنامج CKAN مفتوح المصدر الذي طُور في عام 2010، ويُوفر نظامًا لتخزين البيانات وتوزيعها وإدارتها.

وتمتليء بوابات البيانات المفتوحة بجداول مواعيد المواصلات العامة وسجلات الجرائم والضرائب العقارية ومستويات التلوث وغيرها الكثير. وسمح ذلك للحكومات بتقديم خدمات أفضل للمواطنين، كما عاد بالنفع على الشركات الناشئة التي وظفت البيانات لتقديم خدمات ومنتجات مُبتكرة.

لكن لم يتضح بعد ما إذا كان بمقدور البيانات المفتوحة، مع جميع ما توفره من فرص، أن تُحدث تحولًا حقيقيًا في المجتمعات وأساليب الإدارة. وما إذا كان التفكير الواقعي بعد هدوء الحماس والاندفاع لنشر البيانات سيكشف عن تحديات عسيرة أبرزها تهديد خصوصية الأفراد، ونتائج قياس الجدوى الفعلية من نشر البيانات حتى الآن.

بيانات مجانية ومكاسب بمليارات الدولارات

تتعدد الأمثلة على استفادة الشركات من البيانات المفتوحة، ومنها موقع “زيلو” Zillow للعقارات، وشركة “جارمين” Garmin التي تُوفر أجهزة وبرمجيات للملاحة اعتمادًا على البيانات الحكومية المجانية وتُقدر قيمتها بسبعة مليارات دولار. (اقرأ أيضًا تقرير: دراسات مُختلفة تُثبت القيمة الاقتصادية للبيانات المفتوحة)

لكن من المُرجح أن تكون الشركات الصغيرة هي المُستفيد الأكبر من البيانات المفتوحة كما ترى لور لوكسي، مُديرة هيئة “إتالاب” Etalab الاستشارية التي أسستها الحكومة الفرنسية. ومثلًا يُمكن لكل من يُفكر في افتتاح مطعمًا في مدينة نيويورك الأمريكية اللجوء إلى أطلس الأعمال في المدينة NYC Business Atlas الذي يعرض على الخريطة المواقع الملائمة للمشروعات المبتدئة مثل المناطق التي تشهد ازدحامًا أكبر بحركة المشاة، أو تلك التي ترتفع فيها نسبة السكان من الشباب.

ويستخدم المسافرون في مئات المدن في مُختلف أرجاء العالم تطبيقات مجانية للهواتف الذكية؛ بهدف التحقق من أوقات وصول الحافلات، أو لتلقي إرشادات الوصول من موقع إلى آخر. وتُوفر بعض التطبيقات مثل “سيتي مابر” Citymapper ميزات إضافية مثل تكاليف الرحلة والسعرات الحرارية التي يفقدها الشخص نتيجة استخدامه كل نوع من المواصلات.

وتستفيد تطبيقات أخرى من سجلات مُراجعة أداء المستشفيات والأطباء لمساعدة المرضى على اختيار أفضل الأماكن للحصول على خدمات الرعاية الصحية. ومن الأمثلة الأخرى تطبيق “تشيك ذات بايك!” Check That Bike! الذي يُحدد ما إذا كانت الدراجة قد تعرضت للسرقة. ومن الصعب حصر التطبيقات التي تُوظف نظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس” الذي بدأ أصلًا كتكنولوجيا عسكرية أمريكية، ويُستخدم حتى في أطواق الكلاب لمساعدة أصحابها على العثور عليها.

ويعتمد الكثير من سكان المدن على هواتفهم للإبلاغ عن حفر الشوارع ومصابيح الإنارة المكسورة ونحو ذلك من المُشكلات اليومية. وخلال العام الحالي تعاون متطوعون في إعداد خرائط “أوبن ستريت ماب” OpenStreetMap مفتوحة المصدر، التي تُعتبر بمثابة موسوعة “ويكيبيديا” للخرائط، مع السلطات الفرنسية لبناء قاعدة وطنية للعناوين، وعملوا على التوفيق بين خمسة وعشرين مليون عنوان تنتشر عبر سجلات ست هيئات حكومية والإحداثيات الجغرافية الخاصة بكلٍ منها.

البيانات المفتوحة سلاح في مواجهة الفساد

سلطت البيانات المفتوحة الضوء على جوانب كانت خافية على الحكومات نفسها، وأسهمت في جعل الحكومات أكثر مرونة. وعلى سبيل المثال، بعد نشر الحكومة البريطانية لسجلات العقود لاحظ مسؤولون في عام 2010 تكرار التقارير التحليلية في مُشتريات عدة إدارات حكومية، وهو ما كلف الحكومة ما لا يقل عن ستة ملايين دولار.

وشهدت كلٌ من سلوفاكيا وأوكرانيا ارتفاعًا في عدد الشركات التي تتقدم للمُناقصات الحكومية بعد نشر قواعد البيانات المفتوحة. وترى سلطات مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية أن نشرها بيانات المواصلات العامة أسهم في تراجع الاستفسارات الهاتفية ما وفر للمدينة أكثر من مليون دولار خلال عام 2012.

وعمومًا يُسهِم نشر البيانات المفتوحة في المعركة ضد الفساد شريطة توافر الإرادة الحقيقية في محاربته. وفي العام الماضي اكتشفت مؤسسة “آي إم سي أو” IMCO البحثية في المكسيك أن ما يزيد عن ألف وأربعمائة مُعلم قد وُلدوا في اليوم نفسه من عام 1912، ما يُشير إلى فساد في التوظيف، وقاد إلى تطهير لائحة الموظفين والأجور من شخصيات وهمية.

واستعان المسؤولون في المملكة المتحدة ونيجيريا بسجلات العقارات والشركات التي نشرتها عددٌ من الحكومات للتقصي عن عمليات غسيل الأموال. ويُدرج موقع OpenCorporates “أوبن كوبريتس” مُلاك أكثر من تسعين مليون شركة، ويعتمد على سجلات أكثر من مائة سلطة. وتشمل قائمة مستخدميه هيئات الرقابة والشركات القانونية وسلطات تحصيل الضرائب.

عقبات في طريق البيانات المفتوحة

تُؤكد جميع هذه الأمثلة وغيرها على فوائد البيانات المفتوحة، لكن بالنظر إلى الحجم الضخم من البيانات المنشورة سيكون من المنطقي التساؤل عن الأسباب التي حالت دون إنجاز المزيد في هذا الشأن.

ويُمكن تقديم أربعة تفسيرات؛ أولها يختص بطبيعة البيانات وأنها في أكثر الأحيان عديمة الجدوى. ويتعلق التفسير الثاني بالصعوبة التي يُواجهها مهندسو البيانات ورواد الأعمال، الذين يُمكنهم تحويل البيانات إلى مُنتجات مُفيدة ومُربحة، في دراسة البيانات. ويتمثل الثالث في قلة أعداد الأشخاص الذين يُجيدون التنقيب في البيانات للتوصل إلى أفكار أو استثمار النتائج. أما التفسير الرابع فيكمن في صعوبة تجاوز المخاوف والقلق بشأن انتهاك نشر البيانات لخصوصية الأفراد.

ويُقدر جويل جورين، مُؤسس “مركز أوبن داتا إنتربرايز” Center for Open Data Enterprise للأبحاث في العاصمة الأمريكية واشنطن، أن ما يصل إلى أربعة أخماس البيانات المُتاحة ليست مُفيدة على نحوٍ مُحدد.

ومثلًا تتضمن مجموعات البيانات المنشورة في الولايات المتحدة قائمة بآخر الكلمات التي تفوه بها الأشخاص الذين أعُدموا في ولاية تكساس. وغالبًا ما تفتقر بقية البيانات إلى “البيانات الوصفية” أو “ميتا داتا”، ودونها قد تصير المعلومات الخام عديمة الجدوى. ويدفع انخفاض جودة البيانات الرسمية في البلدان النامية بعض الشركات للاعتماد على جهودها لجمع البيانات اللازمة لعملها.

وعلاوةً على ذلك، غالبًا ما يُمثل البحث في بوابات البيانات المفتوحة عمليةً عسيرة؛ فمن ناحية يصعب تحديد المصدر الأكثر نفعًا في وقتٍ تتوافر فيه المعلومات نفسها في عشرات المصادر. ومن ناحية أخرى لم يجري تأهيل السجلات التي وُضعت في الأصل لأغراض إدارية لتتحول إلى قواعد بيانات يُمكن تصنيفها وتحليلها وتتوافق مع البيانات الأخرى. كما يتأخر تحديث بعض بوابات البيانات، وهي مُشكلة تواجه سجلات الإنفاق الحكومي على وجه التحديد.

ويلفت الرئس التنفيذي لشركة “معهد البيانات المفتوحة” Open Data Institute غير الهادفة للربح، جافين ستاركس، إلى نقص مهارات مُعالجة البيانات بين المسؤولين والنشطاء والصحفيين. وقال أن المشكلة لا تقتصر على تمتع القليل من الأشخاص بالمهارات التخصصية، لكن تشمل أيضًا افتقار الكثيرين على القدرة على تفسير الأرقام. وضرب مثلًا بإخفاق أغلب اعضاء البرلمان البريطاني في حل اختبار رياضي بسيط يتضمن احتمالين.

وتُمثل الخصوصية المُشكلة الأكثر تعقيدًا في مجال البيانات المفتوحة. ووصف مُدير السياسة في مؤسسة “أميديار نتوورك” Omidyar Network غير الهادفة للربح، مارتن تينسي، الحكومات التي تطرح بيانات مفتوحة على مستوى الأفراد مثل الضرائب والسجلات الطبية بأنها “تسير في حقل ألغام ضخم”.

وتتشكل المُعضلة بالنظر إلى أن هذه البيانات تُعد من بين أكثر المعلومات قيمة؛ فيُمكن للسجلات الطبية أن تُعزز دقة العلاجات وتُساعد في تخصيص العلاج ليُلائم كل مريض. وفي المُقابل فإن فضيحة واحدة قد تتسبب في رد فعل سلبي وقوي تجاه فكرة البيانات المفتوحة برمتها. وفي الآونة الأخيرة أجبر ازعاج الجمهور “هيئة الخدمات الصحية الوطنية” في المملكة المُتحدة على البحث مُجددًا في خطتها الرامية لإتاحة بيانات المرضى لإعادة الاستخدام مع ضمان إخفاء هوياتهم.

محاولات مشتركة للحل

يسعى النشطاء في مجال البيانات المفتوحة للتعاون مع مسؤولي الحكومات ورواد الأعمال لمُعالجة هذه المشكلات، وبدأ بالفعل تنفيذ بعض حلولهم وتوظيف قدر متزايد من البيانات للنفع العام.

وبعدما دفع الحماس للبيانات المفتوحة في البداية المسؤولين لنشر البيانات على الإنترنت دون العناية كثيرًا بجودتها، يتزايد الاهتمام حاليًا بقيمتها أكثر من حجمها. وتنشر مُؤسسة “أوبن نولدج” مجموعات البيانات الأكثر قيمة، وشروطًا لازمة لتعريف البيانات المفتوحة مثل دعم الرخص المفتوحة. وتستخدم الكثير من الحكومات هذه القوائم عند اختيارها البيانات التي ستنشرها.

ويومًا بعد آخر يتزايد انتشار الفعاليات التي تجمع القائمين على بوابات البيانات المفتوحة بالمحللين ومطوري البرمجيات وغيرهم من المُهتمين. ومن خلال هذه اللقاءات يتعلم مستخدمو البيانات أي المصادر أفضل من غيرها، كما يتدرب المسؤولون على استثمار البيانات بما يضمن فائدتها.

وفي الوقت الراهن تجتذب الفعاليات المعروفة باسم “هاكاثون”Hackathon البيانات المفتوحة المئات من المتطوعين ورواد الأعمال ومطوري البرمجيات، وتُنَظم في مائتي مدينة حول العالم، واختار المتحمسون للبيانات المفتوحة يوم الحادي والعشرين من شهر فبراير/شباط يومًا عالميًا للبيانات المفتوحة. ويُقبل المستثمرون على المُشاركة في هذه الفعاليات بأعدادٍ كبيرة، الأمر الذي يُعزز فرص تحول الأفكار النيّرة والمُبتكرة إلى شركات ناجحة.

ومثلًا أطلقت وزارة الصحة الأمريكية “هيلث داتابالوزا” Health Datapalooza في عام 2010، كمؤتمر وطني يعرض الاستخدامات المُبتكرة والمُتقدمة للبيانات الصحية ويجمع الشركات والمشروعات المُبتدئة والهيئات الحكومية والأفراد. وجذب الحدث في عامه الأول خمسًا وأربعين مُشاركًا، وبعد عامين تنافست مائتان وثلاثون شركة على مائة فرصة لعرض أفكارها أمام جمهور تجاوز ألف وخمسمائة شخص.

وتستهدف بعض اللقاءات دعوة المبتكرين والمهتمين بالتكنولوجيا لعرض أفكارهم مثلما أطلقت الحكومة البريطانية على إحدى فعالياتها اسم “ارنا سبيلًا أفضل” Show Us a Better Way بهدف العثور على أفكار إبداعية للاستفادة من البيانات.

وتُركز أخرى على مُشكلات محددة، وهذا العام نظمت الوكالات الحكومية الأمريكية مُنافسات تبحث عن أفكار منها ما يُساعد مُقدمي خدمات الرعاية الصحية في مكافحة السمنة، وإنتاج صور تعرض التلوث الغذائي لمصادر المياه، والتوصل إلى سبل لاستكشاف ملايين من صفحات الصحف المنشورة خلال القرن التاسع عشر.

وفي الوقت نفسه، تُحاول بعض المنظمات غير الهادفة للربح تحسين مهارات معالجة البيانات لدى الأشخاص، ولذلك تنشر الكتب وتُنظم تدريبات وتُوفر أدوات لإنتاج مُلخصات مرئية يسهل فهمها للبيانات. ومثلًا تُحول شركة “بدج آي تي” BudgIT الناشئة الوثائق بالغة التعقيد للموازنات إلى رسوم إنفوجرافيك بسيطة، وتُدرب الساسة في نيجيريا على الاستعانة بأدواتها على الانترنت لمُتابعة إنجاز الحكومة للمشروعات المعلنة في ميزانية الدولة. وكثيرًا ما تحظى هذه المجهودات بتمويل المنظمات غير الهادفة للربح والهيئات المعنية بالتنمية في البلدان المُتقدمة.

خيارات مفتوحة

لكن ذلك كله لا يُغطي على مُشكلة الخصوصية. وبينما يُدافع أنصار البيانات المفتوحة عن إمكانات تعديل قواعد البيانات بما يضمن إزالة الهويات وكل ما يدل على شخصيات الأفراد، يرى آخرون أن ذلك يُمثل دليلًا للإدانة أكثر مما هو للدفاع؛ ففي ظل مواصلة نشر المزيد من البيانات سيصير من الأيسر مزج مجموعات البيانات معًا والتوفيق بين المصادر المختلفة لكشف هوية الأفراد.

واعتبر جويل جورين أن الاختيار في نهاية المطاف سيتعلق بأي قدر من الخصوصية يستحق المخاطرة من أجل التوصل إلى علاجات طبية أفضل مثلًا. ومن المُرجح أن تتباين البلدان في اختياراتها بشأن تنظيم البيانات المفتوحة، ومثلًا تنشر السويد بيانات ضرائب الدخل على شبكة الإنترنت بما في ذلك أسماء الأشخاص.

وفي كل الأحوال يستحيل التنبؤ بالوجهة التي ستنتهي إليها ثورة البيانات المفتوحة مثلما كان من الصعب تصور الاستخدامات المُتعددة لتكنولوجيا تحديد المواقع العالمي حين أتاحها الرئيس الأمريكي رونالد ريجان للعالم في عام 1983 على إثر إسقاط الاتحاد السوفيتي لطائرة مدنية تتبع كوريا الجنوبية ضلت طريقها بسبب خطأ ملاحي، ودخلت المجال الجوي السوفيتي. وفي ذلك الحين ربما لم يتوقع كثيرون أن تصير هذه التكنولوجيا جزءًا من الكثير من التطبيقات الأساسية للحياة اليومية وأساسًا لعشرات الشركات الناجحة.

المصدر

مصدر الصورة