تقرير مفصل: من يدير حضور الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الإعلام الاجتماعي؟

يقف وراء مشاركة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مواقع الإعلام الاجتماعي فريق مُتخصص يتألف من عشرين شخصًا تقريبًا، ويتولى إدارة الاستراتيجة الرقمية لأوباما، ويُكرس الفريق وقته لإدارة حسابات البيت الأبيض في “تويتر” و“فيسبوك” و“إنستجرام” و“يوتيوب”.

ويُنجز فريق الإعلام الاجتماعي مهامًا متنوعة منها البث المُباشر لخطابات أوباما في “تويتر” من حساب البيت الأبيض، والاستفادة من تحليلات البيانات لمُتابعة القضايا المهمة وإنتاج فيديو أو إنفوجرافيك مُلائم للتعبير عنها.

والأهم من ذلك كله، يُركز الفريق على البحث عن سُبل لتأسيس هوية رقمية لأوباما، ويروا أن الوسائل التقليدية لتواصل البيت الأبيض مع الجمهور مثل الخطابات والمُقابلات في الصحف والتلفزيون والبيانات الصحفية قلت فاعليتها كثيرًا، بحسب ما تضمن تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

وعلى سبيل المثال، في شهر سبتمبر/أيلول الماضي انتشر عبر الإنترنت نبأ إلقاء القبض على الصبي المسلم أحمد محمد، الذي يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا، في ولاية تكساس؛ واقتياده مُكبل اليدين بسبب جلبه ساعة صنعها واعتقاد إدارة المدرسة أنها قنبلة، ومن ثم انطلق النقاش حول التمييز العرقي والديني في الولايات المتحدة، وحينها رأى فريق أوباما من المتخصصين في الإعلام الاجتماعي أهمية القضية، ومن ثم نشر الحساب الشخصي لأوباما في “تويتر” تغريدة صارت هي الأخرى موضعًا لاهتمام الإعلام، وقال فيها: “ساعة لطيفة يا أحمد، هل ترغب في إحضارها إلى البيت الأبيض؟”.

وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي نادرًا ما يكتب تغريداته، كما أن البيت الأبيض لم يُحدد كاتب التغريدة سواءً كان أوباما أم فريقه الرقمي، فإنها تعكس محاولة لترسيخ شخصية لأوباما في مواقع الإعلام الاجتماعي تحمل صوته الخاص، وحسًا عفويًا يُخالف ما يبدو عن أحد أكثر المناصب أهمية والتزامًا بالقواعد في العالم.

ويتولى رئاسة فريق الإعلام الاجتماعي لأوباما جيسون جولدمان الذي يبلغ من العمر تسعة وثلاثين عامًا، وعمل من قبل مسؤولًا في شركات “تويتر” و”بلوجر” و”ميديم”. واخُتير في شهر أبريل/نيسان الماضي ليكون أول رئيس تنفيذي رقمي في البيت الأبيض ويتولى الإشراف على مبادراته الرقمية.

وقالت كوري شولمان، التي تنوب جولدمان وتعمل في الفريق الرقمي لأوباما منذ عام 2009: “مكتبنا مُنشغل جدًا، ويبحث عن سبل لإيصال صوته مُباشرةً إلى الناس”، وأشارت إلى الحاجة لتحقيق التوازن بين التركيز على أولويات الرئيس من ناحية، والمرونة من ناحية أخرى بما يسمح بانتهاز فرص المشاركة في المحادثات الجارية على الإنترنت وتتعلق بموضوعات يهتم بها أوباما.

وطالما كانت التكنولوجيا ركنًا بالغ الأهمية في سياسات أوباما، واعُتبرت حملته الانتخابية رائدة في الاستفادة من تحليل البيانات الأمر الذي ساعده على الوصول إلى البيت الأبيض، كما أنه أول رئيس أمريكي يستخدم البريد الإلكتروني، وفي الوقت الراهن نادرًا ما يظهر دون حاسبه اللوحي “آيباد”.

وقالت مُسؤولة الاتصالات في البيت الأبيض، جنيفر بساكي، مُتحدثةً عن أوباما: “أحد الأمور التي رغب في القيام بها كانت فتح البيت الأبيض ورفع الستائر ليُتيح للناس رؤية كيف تعمل الحكومة”، وأضافت: “دائمًا ما يأتي إلينا، ويبحث عن طرقٍ للتفاعل، وهو أمر يصعب القيام به من البيت الأبيض؛ لأنك تُدير البلاد”.

ويحضر جولدمان وشولمان اجتماعات تُعقد صباح كل يوم في الجناح الغربي للبيت الأبيض؛ للمُساعدة في تحديد الأمور التي ينبغي لأوباما المشاركة فيها في العالم الرقمي، والتنبيه لقضايا رئيسية يتداولها مستخدمو “تويتر” و”فيسبوك” وتستحق مشاركته.

ومثلًا رصد فريق أوباما في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2013 اهتمام مستخدمي مواقع الإعلام الاجتماعي والإعلام بالطفل مايلز سكوت ذي الأعوام الخمس والمريض بسرطان الدم، وحينها ارتدى الطفل ملابس “الرجل الوطواط” أو “باتمان” وساعدته الشرطة ومتطوعون في تحقيق أمنيته، والتجول في مدينة سان فرانسيسكو وإنقاذها من المجرمين.

وسجل أوباما ثلاثين ثانية نُشرت عبر خدمة “فاين” لمقاطع الفيديو القصيرة والتابعة لموقع “تويتر”، وأثنى فيها على مايلز:

ومُؤخرًا صار كبار المسؤولين الأمريكيين أكثر تقبلًا لتخصيص وقت الرئاسة للإعلام الاجتماعي، بعدما أظهر مستشارو أوباما بيانات تُثبت تأثير مقاطع الفيديو التي ظهر فيها عبر “يوتيوب” للترويج لمحاور خطاب حالة الاتحاد في نشر رسالته.

وحين سافر أوباما إلى ولاية ألاسكا في شهر أغسطس/آب الماضي بهدف زيادة الوعي العام بقضية التغير المناخي، هيمنت الصور التي التقطها على حساب “البيت الأبيض” في “إنستجرام”.

وعلى مدار عدة أيام استخدم أوباما كاميرا “جو برو” وعصا لالتقاط الصور الذاتية أو السلفي، والتقط صورًا لانحسار الأنهار الجليدية، وشارك الكثير من الصور ومقاطع الفيديو كما لو كان مواطنًا أمريكيًا عاديًا يستمتع بعطلة الصيف.

لكن الواقع يختلف بعض الشيء عن هذه الرؤية؛ ففي بعض الأحيان لا يكتب أوباما تغريداته، وفي أكثر الأحيان يتولى مُساعدوه نشرها. ويُتابِع حسابه الشخصي في “تويتر” سبعين حسابًا ينتمي أغلبها إلى الوكالات الحكومية، وأعضاء إدرته، وأبرز المسؤولين، والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، والفرق الرياضية في مدينة شيكاغو، كما تندر الردود التلقائية لأوباما في المنصات الرقمية على الإنترنت.

وكثيرًا ما تكتسب شخصية أوباما في الإعلام الاجتماعي سمتًا جافًا ومهنيًا، ويُفضل في “تويتر” ما يُشير إليه مساعدوه كسلسلة من الحقائق، أي نشر مجموعة تغريدات تتضمن حقائق وإحصاءات عن قضايا مثل العنف المُسلح والعدالة الجنائية.

وفي الوقت الراهن يتزايد لجوء “البيت الأبيض” إلى الإعلان عن الأخبار الجديدة من خلال حديث الرئيس في الإعلام الاجتماعي، مثلما صدر أول تعليق لأوباما على قرار المحكمة الأمريكية العليا في يونيو/حزيران الماضي بإتاحة الحق في الزواج بين أفراد الجنس الواحد على مستوى الولايات المتحدة عمومًا. وحينها وصف أوباما القرار في “تويتر” بأنه “خطوة كبيرة في مسيرتنا نحو المساواة”، وأضاف وسم #Lovewins ما يعني “الحب ينتصر” الذي تحول سريعًا إلى أحد الموضوعات الرائجة في “تويتر”.

وقال كبير مستشاري أوباما سابقًا ومهندس استراتيجيته الرقمية، دان فايفر: “في نهاية المطاف فإن كل هذا يتعلق بالبحث على طرق للتواصل مع الناس في وقتٍ صار فيه الإعلام مُنقسم جدًا، الأمر الذي يجعل من الاقتصار على التواصل عبر الوسائل التقليدية غير كاف تمامًا”.

ومن المُمكن أن يصير الإعلام الاجتماعي أداةً مُؤثرة في صقل صورة الرئيس وتحسينها أمام جمهور مُتقلب أحيانًا. ومن بين أكثر مقاطع الفيديو التي نشرها البيت الأبيض في حسابه في “يوتيوب” فيديو نُشر دون تحرير يُصور أوباما في نزهة مُرتجلة بالقرب من البيت الأبيض.

وشرح فايفر أن الفيديو، الذي يعود إلى مايو/أيار من عام 2014، جاء نُشر في مرحلةٍ صعبة استحوذت فيها أنباء “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” على اهتمام الجمهور، وبدا أن السرد حوله مُتواصلًا دون انقطاع، وبالتالي جاء هذا الفيديو كلمحة عن الرئيس تُقدمه كما تمنوا أن يراه الناس، بحسب ما قال.