تقرير: ما السبيل إلى تنظيم أخلاقيات بحوث البيانات الضخمة؟

في وقتٍ سابق من الشهر الحالي نشر فريقٌ من الباحثين الدنماركيين بيانات ما يزيد عن سبعين ألف مُستخدم لموقع “أوكيوبيد” OkCupid للمواعدة، وتضمنت البيانات أسماء الاستخدام والميول السياسية والتفضيلات الجنسية ومعلومات عن تعاطيهم للمخدرات، ويُمكن من خلالها اكتشاف الشخصيات الحقيقية للمستخدمين.

وأثار نشر البيانات غضبًا وجدلًا واسعين حول تجاوزه للحدود الأخلاقية والقانونية، وأضاف إلى النقاش المتواصل حول ضمانات الخصوصية في عصر البيانات الضخمة وأخلاقيات البحث في هذا المجال الخصب والشائك. ونشر الباحثون قاعدة البيانات إلى جانب مسودة بحث يدرس تفكير مستخدمي “أوكيوبيد” بين قضايا أخرى على موقع “أوبن ساينس فريموورك” Open Science Framework المعني بتشجيع تعاون الباحثين والعلوم المفتوحة.

وتُذكِّر هذه الدراسة بأخرى أثارت غضبًا أكبر؛ إذ كشف “فيسبوك” في شهر يونيو/حزيران من عام 2014 نتائج دراسة أجُريت بالتعاون مع “جامعة كورنيل”، وجرى فيها تعديل قسم “خلاصات الأخبار” أو “نيوزفيد” لنحو سبعمائة ألف مستخدم لدراسة تأثير اختلاف المنشورات المعروضة على حالتهم النفسية ومشاعرهم. واعتبرها كثيرون تلاعبًا بمشاعر المستخدمين، وانتهاكًا للقواعد المستقرة التي تُؤكد ضرورة الحصول على موافقة المشاركين في أية دراسة بعد إطلاعهم جيدًا على مُختلف أبعاد التجربة.

وفي المثال الأخير، رفع موقع “أوكيوبيد” دعوى تقول بانتهاك الدراسة لحقوقه في النشر وتَطُلب رفع مجموعة البيانات من الإنترنت. أما في حادثة “فيسبوك” فقد أعربت دورية “بي إن أيه إس” PNAS التي نشرت الدراسة عن قلقها من انتهاك البحث لقواعد الحصول على القبول المُسبق من المشاركين.

وربما تُسهِم مشاعر الصدمة والغضب التي تُثيرها هذه التجارب في صياغة الحدود الأخلاقية لهذا النوع من الأبحاث. ومن الغريب أن الباحثين المسؤولين عن هذه الدراسات لم يتوقعوا في أي وقت إثارتها لغضب الجمهور وجانب من المُتخصصين. وبينما لم يخضع بحث “أوكيوبيد” لأي نوع من المراجعة الأخلاقية، مرر مجلس “جامعة كورنيل” تجربة “فيسبوك” لأسبابٍ منها تخص مشاركة باحثها في تحليل النتائج دون البيانات.

ويُوضح ذلك مدى حداثة أخلاقيات البحث في هذا المجال الجديد. وخلافًا للأبحاث الطبية التي ترسخت قواعدها الأخلاقية عبر عقود متوالية من التجارب السريرية والنقاشات، لا تزال المخاطر والمزايا الكامنة في تحليل مجموعات البيانات الضخمة والعامة لم تتضح جميعها بعد.

وتخوض مجالس المراجعة المُختلطة المسؤولة عن مراقبة تلك المخاطر والحد منها تدريجيًا في علوم القرن الحادي والعشرين. وفي الولايات المتحدة الأمريكية تُوجب القاعدة المشتركة لتنظيم أخلاقيات البحوث الطبية والسلوكية Common Rule خضوع أي بحث يتلقى تمويلًا فيدراليًا لتقييم لجنة للمراجعة الأخلاقية. وبدلًا من وجود نظام مُوحد، تُؤسس كل جامعة مجلس المراجعة المؤسسي الخاص بها أو Institutional Review Board -IRB.

وتتألف مُعظم هذه المجالس من باحثين في الجامعات نفسها ينتمون غالبًا إلى أقسام العلوم الطبية الحيوية، والقليل من العلماء المتخصصين في الأخلاق، وعدد أقل من الخبراء في علوم الحاسب أو أمن المعلومات، في حين أن الخبرة الأمنية تلعب دورًا مهمًا وأساسيًا في حماية المُشاركين في هذا الفرع الجديد من الأبحاث. وفي الولايات المتحدة تُوجد مئات من مجالس المراجعة المؤسسية التي تُكافح وحدها لتنظيم أخلاقيات البحث في العصر الرقمي.

وقالت مُستشارة السياسة في “منتدى مستقبل الخصوصية” Future of Privacy Forum، كيلسي فينش: “ربما تختلف قرارات مجلس المراجعة المؤسسية استنادًا على الجامعة التي يتبعها وشخصيات أعضاءه وشعورهم في ذلك اليوم”. والمنتدى مؤسسة بحثية أمريكية معنية بقضايا خصوصية البيانات.

جذور طبية لأخلاقيات البحث

وُلدت القاعدة المشتركة ونظام مجالس المراجعة المؤسسية من رحم الغضب الذي تبع خطأ أشد خطرًا بكثير من دراستيّ “فيسبوك” و”أوكيوبيد”؛ فخلال السبعينات من القرن العشرين كُشف النقاب عن تجربة طبية استمرت في الولايات المتحدة على مدار عقود، وتُعرف باسم “توسكجي” Tuskegee Syphilis Experiment. وفيها تُرك مزارعين مستأجرين من الأفارقة الأمريكيين المُصابين بمرض الزهري دون علاج سعيًا لدراسة تطور المرض.

وقاد النقاش حينها إلى اتفاق وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية على قواعد جديدة لإجراء الأبحاث على البشر، وامتدت القواعد لاحقًا إلى مختلف الوكالات الاتحادية الأمريكية. وحاليًا يتوجب على أية مؤسسة تحصل على تمويلٍ اتحادي تأسيس مجلس للمراجعة المؤسسية يُشرف على مختلف الأبحاث التي تتضمن مشاركة البشر سواءً كانت اختبارًا للقاح جديد ضد فيروس الانفلونزا أو دراسة لعلم الأعراق والثقافات البشرية “إنثوغرافيا” لبائعي السجاد في تركيا.

وقال المُؤرخ في “جامعة جورج ميسون” ومؤلف كتاب عن دور مجالس المراجعة المؤسسية في العلوم الاجتماعية، زاكري شراج، أن الهيئات الصحية تولت إلى حدٍ كبير تكوين بنية هذه المجالس لصالح الأبحاث التجريبية.

لكن في الواقع لا تنتمي جميع البحوث الإنسانية إلى الطب، ويشعر الكثير من علماء الاجتماع بأن إجراءات المراجعة الحالية لا تُلائم دراساتهم التي تتسم المخاطر فيها بأنها أكثر دقة وتعقيدًا وربما أخف وطأة من الحياة والموت. وقد تبدو بعض مُتطلبات مجالس المراجعة المؤسسية بعيدة عن المنطق وغير معقولة عند تطبيقها في مجال العلوم الاجتماعية.

وعلى سبيل المثال، غالبًا ما تتضمن بيانات الموافقة المُستنيرة أو موافقة المشاركين عن علم بالتجربة عبارة: “البديل للمشاركة هو…”، وتهدف إلى تهدئة المخاوف المُحتملة للمرضى من أن رفضهم للمشاركة يعني رفضهم علاجًا طبيًا. أما في حالة دراسة تبحث مثلًا في عادات أداء الاختبارات تبدو الطريقة الوحيدة المُناسبة لاستكمال العبارة هي: “البديل عن المشاركة هو عدم المشاركة”.

وقبل فترة طويلة بدأت اعتراضات علماء الاجتماع على نظام مجالس المراجعة المؤسسية. وأوصت “الجمعية الأمريكية لأساتذة الجامعات” بزيادة عدد علماء الاجتماع في المجالس أو تأسيس أخرى مُنفصلة تهتم فقط بتقييم أبحاث العلوم الاجتماعية.

وفي عام 2013 مضت الجمعية إلى مدى أبعد، وأصدرت تقريرًا يُوصي الباحثين أنفسهم بتقييم ما إذا كان الحد الأدنى من الخطر في أبحاثهم يتطلب الحصول على موافقة مجالس المراجعة المؤسسية أم لا، وهو أمر من شأنه أن يُتيح لهذه المجالس مجالًا أوسع لدراسة مخاطر أبحاث الطب الحيوي التي قد تُهدد أحيانًا حياة المشاركين وصحتهم.

مخاطر جديدة

ولا يعني ذلك خلو أبحاث العلوم الاجتماعية عمومًا، ودراسات العلوم الاجتماعية المُعتمدة على البيانات الضخمة تحديدًا، من المخاطر. لكن التكنولوجيا الجديدة تُسلط الضوء على ضعف كفاءة نظام المُراجعة الذي يتسم بمشكلات أصيلة.

وترى الأستاذ المُتخصصة في الأخلاقيات في “جامعة ويسكونسن ستاوت”، إليزابيث بوكانان، أن الأبحاث المُعتمدة على الإنترنت تدخل حاليًا مرحلتها الثالثة، وتُثير تساؤلات أخلاقية جديدة. وبدأت المرحلة الأولى من هذه الدراسات في تسعينيات القرن العشرين من خلال استطلاعات الرأي عبر الإنترنت، ثم جاءت المرحلة الثانية بالبحث في بيانات مواقع الإعلام الاجتماعي، والآن في طورها الثالث يستطيع الباحثون ،مثلًا، شراء بيانات “تويتر” تعود إلى عدة سنوات مضت وربطها ببيانات أخرى مُتاحة. ولفتت بوكانان إلى الصدام القائم بين الأخلاقيات والخصوصية.

وفي الآونة الأخيرة شاركت بوكانان في مجلس للمراجعة التأسيسية، وراجعت اقتراحًا لدراسة تهدف لدمج الإشارات إلى أسماء الشوارع والمخدرات في مواقع الإعلام الاجتماعي مع معلومات أخرى مُتاحة علنًا حول الجرائم. ومن الناحية الفنية تُعتبر جميع هذه المعلومات عامة بعض الشيء حتى إن كانت بعض التغريدات قد حُذفت أو اختفت وراء حسابات مُغلقة.

وفي الوقت نفسه، فإن جمع تلك المعلومات قد يعني إمكانية تحديد الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب جرائم بعينها من خلال البحث العادي. وفي نهاية المطاف وافق مجلس المراجعة المؤسسية على مشروع الدراسة. وقال بوكانان أنه في مثل هذه الحالات ينبغي تقدير القيمة الاجتماعية للبحث مُقابل المخاطر، وتقليل المخاطر من البداية إلى حدها الأدنى، ويتم ذلك مثلًا من خلال تجريد البيانات العامة من المُعرفات المُحتملة التي قد تُساعد في تحديد هوية أشخاص.

وعلاوةً على ذلك، أحيانًا ما يصعب التنبؤ بالمخاطر المُحدقة بالمُشاركين في الدراسة في ظل التغيرات التكنولوجية المُتلاحقة. وفي عام 2013 اكتشف باحثون في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” قدرتهم على التوفيق بين أسماء أشخاص وتسلسلات الحمض النووي المُتاحة علنًا من خلال معلومات حول المشاركين في البحث نشرها الباحثون الأصليون أنفسهم على الإنترنت. وكشف ذلك عالم الحاسب والوراثة، يانيف إرليتش، ويُعرف عنه اهتمامه باكتشاف الثغرات الأمنية في نظم الحاسب.

وقالت بوكانان: “أعتقد أنه من المُهم حقًا أن تضم مجالس المُراجعة المؤسسية عالم بيانات أو عالم حاسب أو مُتخصص في أمن تكنولوجيا المعلومات”، وأضافت أن الواقع الآن لا يقتصر على مجرد شعور شخص بالقلق أو الارتباك حيال أسئلة في استقصاء.

وربما يتوجب على المؤسسات الأخرى، مثل مستودعات العلوم المفتوحة التي تُشجع الباحثين على مشاركة البيانات، تولي مهمة مجالس المراجعة في تنظيم أخلاقيات البحث. وقالت عالمة أخلاقيات الطب الحيوي في كلية الطب في مونت سيناي في مدينة نيويورك، ميشيل ماير: “يحتاج شخصٌ ما إلى توفير الإشراف، لكن من غير المُرجح أن تكون مجالس المراجعة المؤسسية هي الهيئة الأمثل لذلك؛ فعادةً ما تفتقر إلى الخبرة المُتخصصة في تقنيات إزالة المُعرفات (أي حذف ما قد يُشير إلى هويات الأشخاص من البيانات) وإعادتها”.

وتتباين السلوكيات المُتبعة بين الباحثين حتى وسط الخبراء بقوة البيانات الضخمة. وحين أجرت الباحثة في تكنولوجيا المعلومات في “جامعة ماريلاند”،  كاتي شيلتون، مُقابلات مع عشرين من الباحثين في بيانات الإنترنت، وجدت “خلافًا كبيرًا” فيما بينهم حيال قضايا مثل أخلاقيات تجاهل شروط الخدمة وكيفية الحصول على الموافقة المُستنيرة أو القائمة على المعرفة من المشاركين.

ومما يُثير الدهشة حديث الباحثين أن مجالس المراجعة الأخلاقية لم تطرح أبدًا أخلاقيات عملهم للنقاش والتساؤل، في حين ناقشها مُراجعو الدراسات وزملاؤهم. وأصدرت مجموعات مختلفة منها “جمعية باحثي الإنترنت” و”مركز التحليل التطبيقي لبيانات الإنترنت” Center for Applied Internet Data Analysis توجيهات إرشادية، وفي المُقابل، تُحاول مجالس المراجعة المؤسسية التي تتمتع بالقوة اللازمة للتنفيذ الفعلي مواكبتها.

وفي خارج الوسط الأكاديمي، بدأت شركات مثل “مايكروسوفت” تأسيس إجراءات خاصة بها للمراجعة الأخلاقية. وفي شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي نظمت كيلسي فينش، من “منتدى مستقبل الخصوصية”، ورشة عمل تحت عنوان “ما بعد مجالس المراجعة المؤسسية”، واستهدفت دراسة عمليات المراجعة الأخلاقية في الأبحاث التي لا تتلقى تمويلًا فيدراليًا.

وفي واقع الأمر، تتربع شركات التكنولوجيا الكبيرة مثل “فيسبوك” و”أوكيوبيد” و”سناب شات” و”نيتفليكس” على مجموعات ضخمة ونفيسة من البيانات التي لم ترد أصلًا في أحلام علماء الاجتماع في القرن العشرين. وبطبيعة الحال تُجري هذه الشركات طيلة الوقت تجارب يُشارك فيها المستخدمون دون علمهم لأغراض منها تحسين تجربة الاستخدام وزيادة إقبال المستخدمين، ومنها التجارب المعروفة باسم “اختبارات أيه/بي” أو “A/B Test”، وتتضمن عرض محتوى وتصميم مختلفين لنفس صفحة الإنترنت أو تغيير العنوان الرئيسي لاختيار أيها أكثر جذبًا للمستخدمين.

ويرى الأكاديميون في ضوء توظيف هذه الشركات المزيد من علماء البيانات من برامج الدكتوراه فرصةً لردم الفجوة بين الجانبين ودفع الشركات للاستفادة من ذهه البيانات والإسهام بها في المعرفة العامة، وربما قد يقود هذا التعاون لاحقًا إلى نشأة توجيهات إرشادية حديثة تُراعي التغيرات التكنولوجيا، وربما قد يستمر التشوش في أبحاث البيانات الضخمة لبعض الوقت.

المصدر 

الصورة