تقرير: محاولة مدينة كانساس سيتي الأمريكية لتطبيق مفهوم المدينة الذكية

تدرس الكثير من مدن العالم أفكارًا وتُطلق مبادرات وبرامج سعيًا للتحول إلى مدن ذكية، وغالبًا ما تدمج تكنولوجيا المعلومات في خدماتها، لكنها تتفاوت كثيرًا بين من يكتفي بأدوات التكنولوجيا أو حتى مظهرها فقط، ومن يعتبر هدف التحول إلى مدينة ذكية أساسًا لإحداث تغيير جذري في أساليب التفكير والعمل وخدمة المواطنين.

ويرى مدير مركز حلول المدن في “الرابطة الوطنية للمدن”، بروكس رينووتر، أن مفهوم المدينة الذكية لم يتبلور بعد، لكنه يُركز على المدن الرائدة في الابتكار التكنولوجي. واعتبر جيسي برست، رئيس “مجلس المدن الذكية”، أن المفهوم يتعلق باستخدام التكنولوجيا الرقمية في تحسين حياة المجتمع.

ويُركز بعض المُدافعين عن المدن الذكية على الجهود الرامية لضمان تفاعل المواطنين والتواصل معهم، بينما يهتم آخرون بإعداد البنية التحتية المُلائمة. ومع ذلك، تسعى المدن الذكية في المقام الأول إلى جمع بيانات فورية حول مختلف القطاعات من طبيعة حركة المرور إلى استهلاك المياه في المنازل، ثم تحليل تلك المعلومات لتحسين طريقة عمل المدينة. وتتباين المدن بين من تتخذ هذا نهجًا دائمًا ومن تعتمده مرةً واحدة فقط.

ويُعدد أنصار المدن الذكية منافعها المختلفة، ومنها توفير الأموال والطاقة وزيادة اتصال المدن والمواطنين. وفي السياق نفسه، أعلن البيت الأبيض عن تخصيص 160 مليون دولار لأبحاث تطوير تكنولوجيا المدن الذكية. وفي عام 2013 قدَّر باحثون في الحكومة البريطانية وصول السوق العالمية لهذه التكنولوجيا إلى 408 مليار دولار بحلول نهاية العقد الحالي.

وتُدرك الكثير من المدن ومنها كانساس سيتي في ولاية ميزوري الأمريكية أن تركيب أجهزة جديدة لا يكفل وحده تحولها إلى مدينة ذكية، بل يتطلب الأمر أساسًا تغيير أسلوب عملها وتحقيق التوازن بين التكنولوجيا واحتياجات الأمن والخصوصية. وقال مُحللة الابتكار في المدينة، كيت جارمان: “إنها نقلة نوعية في طريقة تفكيرنا”.

مسار ذكي في مدينة كانساس

أطلقت مدينة كانساس قبل أيام قليلة خطًا للترام، وعلى طول ميلين أي نحو 3.2 كيلومتر وضعت أجهزة استشعار بالفيديو أعلى مصابيح الإنارة المُوفرة للطاقة؛ بهدف رصد السيارات التي تقف في مسار الترام، وتزيد الأنوار آليًا عند عبور أكثر من ستة أشخاص، كما تُوفر أجهزة المودم أعلى أعمدة الإنارة خدمة الإننرنت اللاسلكي “واي فاي” مجانًا.

كما ضبطت إشارات المرور للحفاظ على انسياب حركة المرور، ووضعت أكشاكًا رقمية لإرشاد مستخدميها وسط المدينة، وتُقدم أخبارًا محلية ومعلومات حول أهم المناطق ووسائل المواصلات العامة، كما سيُقدم تطبيق مُصاحب للهواتف الذكية عروض المطاعم وغيرها للمستخدمين.

ولا تُقدم المبادرة الجديدة لمدينة كانساس ابتكارات ثورية، بل قد تبدو بالنسبة لمنطقة حضرية تمتد بين ولايتين ويسكنها ما يقرب من نصف مليون نسمة إنجازات ضئيلة جدًا، لكن المدينة تقول أنها قد تتحول إلى مشروعٍ أكبر، وتُخطط لاستثمار مواردها الجديدة في اكتشاف مشكلاتها الخفية وإصلاحها. وقالت جارمان: “ما نراه الآن يُسمى من الناحية التقنية المرحلة الأولى، بينما لا نعرف بعد المرحلة الثانية”. واعتبرت أن كانساس سيتي ستتحول إلى مدينة ذكية حقًا حين تُوظف التكنولوجيا في تحديد المشكلات وعلاجها.

ولا يُعد خط الترام الاستثمار الأول لمدينة كانساس؛ ففي عام 2010 اشترى قسم الشرطة التابع للولاية ماسحات ضوئية تجمع بيانات لوحات الترخيص من السيارات العابرة، كما أتم مرفق الكهرباء في عام 2011 تركيب أكثر من أربعة عشر ألف عداد ذكي في المنازل والشركات، وركبت شركة “جوجل” في عام 2012 كابلات لتوفير الإنترنت بسرعة تصل إلى واحد جيجابِت في الثانية.

كما تحتل مدينة كانساس مكانًا في القائمة النهائية لتحدي المدن الذكية الذي تُنظمه وزارة النقل الأمريكية وتبلغ قيمته أربعين مليون دولار، وتُمول المنافسة استثمارات المدن في السيارات ذاتية القيادة والسيارات المُتصلة وأجهزة الاستشعار. وفي حال فازت مدينة كانساس فستُنفذ عدة مبادرات منها خدمة نقل ذاتية القيادة من المطار الدولي إلى وسط المدينة، كما ستنشر المزيد من الأكشاك الرقمية وأجهزة الاستشعار في مناطق أخرى من المدينة.

وأطلقت مدينة كانساس دعوةً مفتوحة لرواد الأعمال المهتمين بتقنيات يُمكنها تحسين خدمات المدن. وأبدى عددٌ قليلٌ من الشركات المعنية بالأمن الإلكتروني وشركة مُتخصصة في الطائرات من دون طيار اهتمامها باختبار منتجاتها في المدينة، بحسب ما قال هيرب سيه، الشريك الإدارى في “ثينك بيج بارتنرز” Think Big Partners الداعمة للشركات الناشئة في كانساس.

وقال سيه أن بمقدور الطائرات من دون طيار مُساعدة المدينة في توفير الأموال عند البحث عن المفقودين من كبار السن ومن يُعانون إعاقات عقلية. وشرح عمل شركة في كاليفورنيا تستعين بالطائرات من دون طيار وتربطها بسوارات يرتديها الأشخاص على معصم اليد، وعند إصدار تنبيه بفقدان أحدهم يُمكن للطائرات بدون طيار العثور على الشخص المفقود والتحليق أعلى موقعه.

المدن تلعب دور المستهلك

قال ستيفن جولدسميث، الأستاذ في “كلية كينيدي للحكومة” في “جامعة هارفارد” الأمريكية والعمدة السابق لمدينة إنديانابوليس والنائب السابق لعمدة نيويورك، أن دفع الأنظمة والموظفين البيروقراطيين في المدن إلى التفكير الإبداعي واستخدام البيانات هو أكبر العقبات التي تُواجه المدن الذكية الطموحة، وقال: “الحكومة آلية للغاية في طريقة تنظيمها”.

ومن أجل دعم المرحلة الانتقالية في كانساس قدمت المدينة العام الماضي منصب الرئيس التنفيذي للبيانات، كما خصصت موظفين معنيين بالبيانات في كل فرع من فروع الحكومة.

وعلى غرار أغلب المدن ستعتمد مدينة كانساس على مُتعهدين وشركات خارجية لتأسيس البنية التحتية للمدينة الذكية، وتطلب ذلك التوصل إلى سبيل للتحقق من الموردين والشركات التي تعرض خدماتها، وأحيانًا ما تُروج هذه الشركات لتكنولوجيا تبدو أقرب إلى خيالات العلمي منها إلى الواقع، كما تحتاج المدن للبحث العميق في التأثيرات على الأمن والخصوصية عند دراستها للأفكار الجديدة. وعبرت جارمان عن هذا الوضع بقولها: “يتواصل معنا الموردون باستمرار. هناك الكثير منهم”.

وفي الواقع لم تُخطط مدينة كانساس لاستخدام أجهزة الاستشعار وأكشاك تُوفر “واي فاي” إلى جانب مسار الترام إلا بعد أن تواصلت معها شركة “سيسكو سيستمز”، وهي شركة مُتعددة الجنسيات مُتخصصة في التكنولوجيا تبحث عن مدن للتعاون معها وإطلاق برمجياتها المُخصصة للمدن الذكية.

وبحثت كلٌ من “سيسكو” ومُسرعة الأعمال “ثينك بيج بارتنرز” وإدارات مدينة كانساس عن مجالات يُمكن للتكنولوجيا تحسين الخدمات الحكومية فيها. واتفقت الشركتان والمدينة على اختيار مسار الترام كنقطة للانطلاق، كما ساعدت شركة “سيسكو” في تحديد المتعاقدين الفرعيين الذين يُقدمون أنواع التكنولوجيا التي تسعى إليها المدينة.

وأدى ذلك إلى مزيجٍ من التكنولوجيا تتولى عدة شركات تقديمها؛ فتُشرف شركة “سبرينت” Sprint على شبكة الاتصال اللاسلكي بالإنترنت “واي فاي”، وتُقدم “سينستي” Sensity لتكنولوجيا الإضاءة أجهزة الاستشعار بالفيديو، وتعود الأكشاك إلى “سمارت سيتي ميديا” Smart City Media التي تصنع لافتات تفاعلية، وتُدير شركة “ريزم إنجينرينج” Rhythm Engineering بمُوجب عقد مُنفصل إشارات المرور.

وحاولت “سيسكو” ضمان استخدام مدينة كانساس لأفضل التقنيات المُتاحة، بحسب ما قالت جارمان. وبعد احتساب مختلف التكاليف احتاجت كانساس إلى تخصيص 3.7 مليون دولار من ميزانيتها ضمن شراكة تستمر لعشرة أعوام بقيمة مُتوقعة تبلغ 15.7 مليون دولار، كما ستحصل المدينة على بعض عائدات الإعلانات على الأكشاك الرقمية بالاشتراك مع “سمارت سيتي ميديا”.

لكن لا تتبع جميع المدن المسار ذاته بالتعاون مع شركات كبيرة. وفي مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس أبدى مكتب الابتكار حذرًا أكبر قليلًا في شراء برمجيات الشركات الشهيرة. وقال الرئيس المُشارك لمكتب عمدة بوسطن للآليات الحضرية الجديدة، نايجل جاكوب، أن مهندسي البرمجيات في تلك الشركات لا يعرفون المشكلات التي تُواجهها المدن في الواقع.

ومنذ تأسيس مكتب الآليات الحضرية الجديدة في عام 2010 عمل فريق جاكوب في مشروعات بحثية مختلفة لبوسطن، وتعلم خلال هذه الفترة أن التكنولوجيا الجديدة لا يُمكنها مُعالجة جميع المشكلات. ومثلاً ترد حاليًا نصف طلبات خدمات المدينة عبر تطبيق طوره فريق عمل جاكوب، إلا أن التطبيق لم ينجح في دمج فئات جديدة من المجتمع.

مدينة ذكية أم مدينة للمراقبة؟

في حين تستعين المدن بالمزيد من أجهزة الاستشعار وتُحلل المزيد من البيانات وتستخدم برمج الحاسب المتقدمة من أجل إدارة إشارات المرور والمركبات، تُواجه باستمرار أسئلةً أخلاقية وقانونية وسياسية جديدة. وتجعل تكنولوجيا المدن الذكية البنية التحتية للمدن وربما البيانات الشخصية للمواطنين عرضةً لخطر الأعطال والقرصنة والسرقة. وكلما جمعت المدن قدرًا أكبر من البيانات، كلما صار من السهل أكثر تكوين صورة مُفصلة عن حياة أحد المواطنين.

وينتهي هذا كله إلى ما يُسميه أنصار المدن الذكية جمعًا للبيانات لزيادة الكفاءة وتحسين الإدارة، بينما يراه منتقدوهم مراقبةً واسعة النطاق. وقال رئيس “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية” في ولاية ميزوري، جيفري ميتمان: “من منظور الخصوصية المثالية، فإن الكثير من هذه التكنولوجيا فكرة سيئة”. وتابع أن استخدام تقنيات مثل الماسحات الضوئية للوحات ترخيص السيارات والطائرات من دون طيار تحول إلى واقع، ومن ثم تتجه التساؤلات إلى البحث في كيفية إدارة البيانات التي تجمعها.

وسعت مدينة كانساس إلى مُعالجة المخاوف المُتعلقة بالخصوصية. وفي أبريل 2015 أقر مجلس المدينة قرارًا يُرسي عددًا من المبادئ الأساسية لخصوصية البيانات منها التعهد بدراسة التأثير على الرفاهية العامة قبل جمع المعلومات الشخصية واستخدامها والكشف عنها.

ويمُوجب تعاقدات المدينة تمتلك كانساس جميع البيانات التي تجمعها “سيسكو” و”سمارت سيتي ميديا”، ومنها أكثر أوقات اليوم التي يُقبل فيها الجمهور على أحد الأكشاك الرقمية في موقع مُعين. ولا يُمكن لأيٍ من الشركتين بيع أو استخدام البيانات دون تصريح، لكن تستطيع إدارة الأكشاك تحليل تفاعلات المستخدمين والأجهزة الإلكترونية لبيع الإعلانات، وبهذه الطريقة تحصل على العائدات.

وتمتلك شركة “سبرينت” بيانات شبكة “واي فاي”، وستتبع الممارسات المعتادة في هذا القطاع بالحصول على قبول المستخدمين مُسبقًا بنقرهم بالموافقة على اتفاقية الاستخدام.

وقالت جارمان أن مدينة كانساس اختارت جمع قدر من البيانات يقل عن إمكاناتها. وسيستقبل مكتب جارمان البيانات المُجمعة على الرغم من تسجيل الكاميرات والأكشاك الرقمية وأعمدة الإنارة لمقاطع فيديو. وستحصل المدينة على مقاطع الفيديو فقط في حالات الطوارئ كالتعرض لهجومٍ إرهابي. ونظرًا لعدم امتلاك كانساس تسجيلات الفيديو، فلن يتوجب عليها نشرها استجابةً لطلبات المعلومات العامة.

وقالت جارمان أن بعض استخدامات أجهزة الاستشعار المُثبتة في أعمدة الإنارة تتطلب اشتراك المستخدمين كاستقبال التنبيهات عبر الرسائل النصية حين تقف سياراتهم في مسار عربات الترام.

وعلى الرغم من تنظيم مكتب الابتكار في مدينة كانساس فعاليات دورية لتثقيف المواطنين بشأن المشروعات الجديدة، يعتقد ميتمان من “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية” أنه ينبغي على المدينة القيام بالمزيد، ورجَّح جهل المواطن العادي بكيفية التتبع.

ويُعد جمع البيانات الشخصية أمرًا شائعًا إلى حدٍ كبير في الوقت الراهن؛ إذ تحتفظ شركة مثل “جوجل” بتاريخ البحث الشخصي على الإنترنت لكل مستخدم، وتستعين متاجر التجزئة بكاميرات الفيديو لتتبع المستهلكين واختياراتهم عبر المتجر، وتستخدم أحيانًا منارات “بلوتوث” لإرسال العروض المُخصصة إلى المستهلكين. وفي كل الأحوال تحتاج الحكومات الاتحادية وحكومات المدن إلى تحمل المزيد من المسؤولية عند استخدام التكنولوجيا الحديثة والتفاعل مع مواطنيها.

المصدر

مصدر الصورة