تقرير مفصل: انتخابات سنغافورة في عصر الإعلام الاجتماعي

تستعد سنغافورة لانتخابات عامة جديدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الجاري، وفي ظل مجتمع يحظى بأعلى معدل لانتشار الهواتف الذكية في العالم وتخطي نسبة استخدام الإنترنت ثمانين بالمائة من السكان، يصعب على الأحزاب السياسية ومرشحيها تجاهل مواقع الإعلام الاجتماعي.

ويُكثف المرشحون جهودهم في الدعاية وعرض أفكارهم في خدمات الإعلام الاجتماعي في ضوء قصر فترة الحملات الانتخابية منذ إعلان رئيس البلاد في الخامس والعشرين من أغسطس/آب عن حل البرلمان، وإجراء انتخابات عامة مُبكرة. وتُعد هذه الانتخابات الثانية التي تشهد حضورًا كبيرًا للإعلام الاجتماعي بعد عام 2011.

وتشترك أغلب الأحزاب السياسية في سنغافورة في الاهتمام بصورتها على شبكة الإنترنت، وعمد الكثير منها إلى تحديث مواقعه وإطلاق صفحات خاصة لكل مرشح.

وتتفاوت الأحزاب السياسية في سنغافورة في طبيعة اهتمامها بمواقع الإعلام الاجتماعي؛ إذ تعتبرها بعض الأحزاب قناة لنشر الأخبار والصور، بينما تستخدمها أخرى في إشراك الناخبين وجذب مؤيدين جدد، كما تختلف من ناحية الصورة التي تظهر عن مرشحيها، أو تحاول إظهارها عنهم، وفي مدى براعتها.

ومثلًا يمزج رئيس وزراء سنغافورة لي هسين لونج في صفحته في “فيسبوك”، التي تحظى بما يقرب من تسعمائة ألف إعجاب، بين الصور الرسمية والشخصية، فتتضمن صورًا مع مرشحي “حزب العمل الشعبي”، ويظهر في أخرى شخصًا مرحًا يتنزه في الحدائق، ويلتقط الصور مع الأطفال، ويتردد على الباعة المتجولين، ويُشارك في الأنشطة التطوعية:

Became a pillion rider for fun yesterday morning (no helmet, so for a static display only) :). These volunteers from…

Posted by Lee Hsien Loong on Sunday, September 6, 2015

أما سيلفيا ليم رئيسة “حزب العمال” المعارض فتنشر صورًا مختارة لها في حسابها في “إنستجرام”، وتربطها بحملة الحزب كصورة نشرتها لسيدة تجاوز عمرها مائة عام، وأشارت إلى تأييدها لحرب العمال وعمرها الذي تجاوز تاريخ تأسيس “حزب العمل الشعبي” الحاكم:

وخصص جناح الشباب في “حزب العمال” قسمًا في موقعه باسم “ناس من حزب العمال”، ونشر فيه صورًا ومعلومات مختصرة عن مرشحيه، في محاكاة لمبادرة المصور الأمريكي براندون ستانتون في صفحة “أناسي من نيويورك” في موقع “فيسبوك”.

وتُحاول مرشحة “حزب الشعب” جانيت تشونج أرلدوس أن تعكس مقاطع الفيديو التي تنشرها في قناتها في “يوتيوب” صورة لمرشحة جدية من خلال عرض الجولات الانتخابية والخطابات الحماسية.

ولم تسلم تجارب الأحزاب السياسية في سنغافورة مع الإعلام الاجتماعي من أخطاء، وبطبيعة الحال سرعان ما صارت إلى جانب كيفية تعامل الأحزاب معها موضوعًا رائجًا للنقاش ومثارًا لتعليقات المستخدمين، ووصلت إلى المواقع الإخبارية والصحف.

وعلى سبيل المثال، في محاولة من حزب “السنغافوريون أولًا” الجديد في أولى مشاركاته الانتخابية إثبات قدراته على التواصل مع الجيل الرقمي، نشر بيانًا صحفيًا في “فيسبوك”، وتجاهل إخفاء تصويب الأخطاء الإملائية في برنامج “مايكروسوفت وورد” قبل التقاط صورة للشاشة، وبالتالي ظهرت خطوط حمراء في الصورة.  

Breaking news: SingFirst will only contest in 2 GRCs. 1 to 1 contest in all seats.

Posted by SingFirst on Sunday, August 9, 2015

ومما زاد الطين بلة عدم إدراك الحزب لما حدث، ورد على التعليقات التي أشارت إلى المظهر غير المناسب للبيان بطلب تحديد المشكلة. وفيما بعد تداركت صفحة الحزب الأمر بنشر صورة جديدة مع شكر لمتابعيه على لفت انتباهه للخطأ، دون أن تحذف المنشور الأول.

وتكرر النقاش حول حزب “السنغافوريون أولًا” بسبب خطأ في لوحة تحمل شعار الحزب خلال مؤتمره الصحفي، وكتب فيها “نستعد أمتنا” باللغات الانجليزية والصينية والمالاوية والتاميل، لكن ظهرت العبارة بلغة التاميل دون أن يكون لها معنى بل مجرد أحرف متجاورة، ما أثار انتقادات واسعة، ولاحقًا قال سكرتير الحزب أن الخطأ قد صُحح.

وفضلًا عن النقاشات حول منشورات الأحزاب السياسية ومشاركاتها، في كثير من الأحيان تُبرز مواقع الإعلام الاجتماعي أحداث الواقع السلبية منها والإيجابية وتطرحها على نطاق واسع، وتُخضع أبسط الزلات والتصريحات لنقاشات مطولة، وأحيانًا ما تضخمها وتعطيها اهتمامًا يفوق ما تستحقه.

وغالبًا ما تُخفق الأحزاب في السيطرة على اتجاه الحدث الذي تتراكم حوله مئات وربما آلاف التعليقات سريعًا، وتنتقل من دائرة اجتماعية إلى أخرى. ويتطلب التعامل مع ذلك كله مهارة تدفع أحزاب وساسة للاستعانة بمتخصصين وتجنيد عشرات منهم للتخطيط لتمثيلها في الإعلام الاجتماعي وجذب الجمهور.

ولا يكتفي الناخبون في سنغافورة بدور المتلقي لما ينشره الساسة في خدمات الإعلام الاجتماعي، بل بادر البعض بتأسيس مجموعات في “فيسبوك” للتعبير عن آراءهم ومناقشة القضايا السياسية، كما انتشرت الكثير من الصور التي تستخدم التعليقات الساخرة وصور من أفلام وألعاب شهيرة لعرض الأحزاب المتنافسة.

Singapore General Elections 2015.(www.facebook.com/pages/PixelGod)

Posted by PixelGod on Saturday, September 5, 2015

وتختلف هذه الانتخابات عن سابقاتها، فهي الأولى التي تُجرى في غياب لي كوان يو الذي تُوفي في شهر مارس/آذار الماضي، وشغل منصب رئيس الوزراء منذ تخلص سنغافورة من الوصاية البريطانية في عام 1959 وحتى عام 1990.

وقاد لي تحول سنغافورة إلى واحدة من أهم المراكز المالية والاقتصادات الصاعدة في جنوب شرق آسيا والعالم، كما حققت مرتبة متقدمة على صعيد دخول المواطنين، وأسهمت شعبيته الشخصية في ضمان نجاح “حزب العمل الشعبي” وسيطرته على الحكومة منذ ما يزيد عن خمسين عامًا، دون أن ينفي ذلك الانتقادات العديدة لحكمه بخنق الحركات المعارضة وحرية التعبير.

وعلى الرغم من التوقعات بمواصلة نجاح الحزب الذي أسسه لي ويرأسه ابنه رئيس الوزراء الحالي، يُشير محللون إلى الوضع المختلف حاليًا بغلبة الجيل المولود بعد الاستقلال على الناخبين، وتبلغ نسبة من تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعشرين والرابعة والخمسين نحو 50.4% من إجمالي السكان البالغ عددهم 5.6 مليون نسمة.

ويسعى الشباب لتحقيق قدر أكبر من مساءلة الحكومة ولاسيما فيما يتعلق بقضايا الهجرة والبنية التحتية، كما يمتلك هذا الجيل من أدوات الإعلام الاجتماعي ما يسمح له بالإطلاع على اتجاهات متباينة وإبداء رأيه.

وفي كل الأحوال، يظل تأثير الإعلام الاجتماعي على نتائج الانتخابات في سنغافورة رهنًا بانتظار نتائجها ودراستها، ليتبين إن كانت لمشاركة الأحزاب فيها وآراء الجمهور دورًا في تحديد حصص الفائزين، أم أنها مجرد ساحة للنقاش أو لاستماع بعض الناخبين إلى آراء توافقهم، ويظل الأثر الأكبر لما يقوله المرشحون ويفعلونه في الواقع ولظروف السياسة المتقلبة.

مصدر الصورة