تقرير: من بوركينا فاسو والبرازيل والهند.. ثلاث تجارب في الاستفادة من البيانات المفتوحة

في ظل تقدم الاتصالات وتخزين البيانات والبرمجيات وبدوافع مُعلنة مثل تعزيز الشفافية والمشاركة، تسعى حكومات في مختلف أنحاء العالم للتوصل إلى استخدامات ذكية ومُبتكرة لما تمتلكه من بيانات ضخمة من خلال إتاحتها للجمهور عبر الإنترنت. لكن في الواقع يتباين مقدار الاستفادة الحقيقية من البيانات المفتوحة ودورها الفعلي في إحداث تغيير ملموس في المجتمعات وأساليب الحكم.

وتعرض السطور التالية ثلاث تجارب من ثلاثة بلدان هي بوركينا فاسو والبرازيل والهند، وظفت جميعها البيانات المفتوحة في مجالات مثل دعم تنظيم انتخابات ديموقراطية وإتاحة المجال للمواطنين لمراقبة الحكومة ومحاربة الفساد والإسهام في صياغة خطط التنمية. (اقرأ أيضًا: ماذا حققت البيانات الحكومية المفتوحة؟ وماذا ينتظرها؟)

البيانات المفتوحة تدعم أول انتخابات حرة في بوركينا فاسو

ربما تكون البيانات المفتوحة في بوركينا فاسو قد أسهمت بشكلٍ ما في نجاح البلاد في تنظيم انتخابات ديموقراطية حرة للمرة الأولى منذ استقلالها عام 1960. وعالجت مشكلة وقت الانتظار المُضني بين إغلاق لجان الاقتراع وظهور النتائج. وعلى سبيل المثال خلال الانتخابات الأخيرة في تنزانيا توجب على المواطنين الانتظار أربعة أيام حتى ظهور النتائج، ما تسبب بالتأكيد في إثارة الشكوك حول حدوث تلاعب في الانتخابات ونتائجها.

وفي بوركينا فاسو كانت الانتخابات في نهاية عام 2015 أكثر توترًا من غيرها؛ إذ أعقبت ثورة أطاحت برئيسها بليز كومباوري، الذي امتد حكمه لما يقرب من ثلاثين عامًا، وكذلك محاولة فاشلة لانقلاب عسكري في سبتمبر/أيلول من العام ذاته قبل التصويت بأسابيع قليلة.

انتخابات بوركينا فاسو 2015

ساعد فريق البيانات المفتوحة في بوركينا فاسو في نشر نتائج الاقتراع أولًا بأول على الإنترنت والإسهام في أول انتخابات ديموقراطية حقيقية في البلاد

وسعى فريق البيانات المفتوحة بقيادة ماليك تابسوبا لنشر نتائج الانتخابات في كل ولاية أولًا بأول على الإنترنت بعد ساعات من نهاية الاقتراع. ونجح الفريق في ذلك على الرغم من التحديات التقنية والسياسية، وأسهموا ولو بالقليل في أول انتخابات حرة تشهدها البلاد الواقعة غربي أفريقيا.

وتعرف ماليك تابسوبا على فكرة البيانات المفتوحة للمرة الأولى في عام 2013 ضمن سياق يتحدث عن الشفافية والمحاسبة ومشاركة المواطنين، وجميعها أمور اعتقد بأهميتها لبلاده. وبعد أشهر قليلة من انطلاق أول بوابة للبيانات المفتوحة بدأت الاحتجاجات الشعبية في أكتوبر/تشرين الأول 2014، وأنهت حكم كومباوري.

وقال تابسوبا: “لا يُمكنني القول أن الثورة قد حدثت بسبب بوابة البيانات المفتوحة، لكن المواطنين طالبوا بمزيدٍ من الشفافية، ومزيدٍ من الديموقراطية، لذلك أعتقد أنه كان التوقيت المُلائم”.

ووصف الانتخابات بالشفافة والسليمة والمقبولة. ومضت التجربة دون شكوى المرشحين من النتائج. وعدّ تابسوبا نيل موافقة لجنة الانتخابات التحدي الأكبر في نشر نتائج الانتخابات أولًا بأول. وقال أنه بالنظر إلى استقلالية اللجنة ورغبتها في تجنب تدخل أطراف أخرى في عملها، أمضى فريقه ستة أو سبعة أشهر من التفاوض ومحاولة الإقناع، ما انتهى بلقاء مع رئيس لجنة الانتخابات، وعرض بعض النماذج الأولية التي نالت اهتمامه.

وتحدث تابسوبا عن توزيع العمل على أفراد الفريق، الذي تألف من نحو عشرين شخصًا، بين متابعة الشبكة والحاسب المركزي وإمدادات الكهرباء والتطبيق المستخدم، وحاجتهم إلى الحذر البالغ بسبب حساسية الانتخابات واحتمال أن يقود خطأ صغير إلى كارثة لا تُحمد عقباها. ونصح الراغبين في تكرار التجربة بالبدء في وقتٍ مُبكر جدًا.

البيانات المفتوحة أداة لمُراقبة الحكومة في ساو باولو

تُعد مدينة ساو باولو البرازيلية أكثر مدن الأمريكتين اكتظاظًا بالسكان، ويتجاوز عدد سكانها أحد عشر مليون نسمة. وفي الوقت نفسه تُعاني البرازيل عمومًا من مستوى مُرتفع من الفساد، وتحتل المركز السادس والسبعين في “مؤشر الفساد العالمي”.

ويستعين مكتب “المراقب العام” بالبيانات المفتوحة كسبيل لدفع المواطنين للمشاركة في مراقبة الحكومة وأدائها. وترى فرناندا كومبانيتشي، التي عملت سابقًا كصحفية متخصصة في البيانات والمسؤولة حاليًا عن “مكتب النزاهة” في المدينة، أن البيانات المفتوحة زادت ثقة الجمهور في عمل الحكومة، وحسنت سير الأمور.

ساو باولو، البرازيل

أتاحت البيانات للمواطنين في مدينة ساو باولو الإسهام في محاربة الفساد ومراقبة الحكومة

وضربت كومبانيتشي مثالين لمشروعات البيانات المفتوحة؛ أحدهما لتسجيل الملكيات العقارية، بينما يتعلق الآخر بغرامات المرور. ويعرض مشروع سجل الملكية معلومات عن مالك العقار، والمنطقة، وتصميم المبنى. وعلى الرغم من أنها معلومات عامة، إلا أنها تطلبت في السابق دفع رسوم باهظة للحصول عليها.

وتهم هذه المعلومات الشركات الراغبة في شراء الأراضي، والأشخاص العاديين الراغبين في معرفة حالة المنزل المجاور مثلًا، بالإضافة إلى هيئات المراقبة المجتمعية والصحفيين المهتمين بالتحقق مما قد يُخفيه الساسة من ممتلكات.

وفي نموذج للاستفادة من بيانات الملكية، سعى مجلس مدينة ساو باولو للتصويت على قانون يسمح بالبناء في مناطق محمية لأسباب بيئية، وعارض المواطنون مشروع القانون دون امتلاك المعلومات الداعمة لموقفهم. وتحجج أعضاء المجلس بافتقار المدينة إلى مساحات أوسع للبناء. وحصل بعض القراصنة على مجموعات البيانات، وأوضحوا توافر الكثير من الأراضي المُتاحة في أجزاءٍ مختلفة من ساو باولو.

أما المشروع الثاني فيتصل بالغرامات المرورية والكاميرات التي ترصد سرعة السيارات. وبدأ برغبة المواطنين في التعرف على عدد الغرامات التي يحصل عليها السائقون؛ بسبب شعورهم بافتقارها إلى العدل وشمولها الجميع. وفي الوقت نفسه رغب الصحفيون والمدافعون عن ركوب الدراجات في الحصول على بيانات حول المرور والحوادث، والدفاع عن سعيهم لتخصيص حارات في الطرق لمرور الدراجات.

وبحسب كومبانيتشي، قدمت البيانات مُفاجأةً بإظهار تلقي 5% فقط من السائقين للغرامات، بعكس شعور جموع المواطنين بفرضها على الجميع. وقالت أنه حتى إذا لم تنل المعلومات التي تُقدمها الحكومة رضا الجمهور، إلا أنها تُنشيء بعض الثقة بين الطرفين، ويلمس الجمهور رغبة الحكومة في النقاش. كما عرضت البيانات سبيلًا لتجنب المخالفات المرورية؛ وهو تجنب السرعة الزائدة.

واعتبرت كومبانيتشي أن الهدف من نشر البيانات كان رغبة مكتب “المراقب العام” في الاستعانة بالمواطنين أنفسهم في المعركة ضد الفساد؛ فمع وجود تدابير دقيقة لمُجابهته، إلا أن الحكومة لا تمتلك ما يكفي من الموارد البشرية. وقالت أن دمج المواطنين في صياغة السياسات ليس من قبيل الدعاية أو الخطابة، وإنما يُسهِم فعليًا في تحسين السياسات.

ويسمح التشاور ومشاركة الجمهور برؤية أكثر وضوحًا لما يغيب عن التخطيط الحكومي. وأقرت كومبانيتشي باعتبار البعض البيانات المفتوحة ونشرها نوعًا من الدعاية، بينما تعتقد بدور الحكومة المفتوحة في جعل العمليات والسياسات أفضل كثيرًا وأكثر كفاءة ودقة وموضوعية: “لا يتعلق الأمر بالديموقراطية فقط، وإنما بالكفاءة أيضًا”.

طلبات المواطنين تصيغ خطط إصلاح المدن الهندية

يُعالج موقع “ماي جوف” mygov.in في الهند جانبين هما؛ مُشاركة المواطنين والبيانات المفتوحة. وفي المسار الأول سجل مائة ألف مستخدم خلال أسبوعين من انطلاق الموقع. ويُتيح للمواطنين تقديم اقتراحاتهم إلى رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، ليتناول بعضها خلال خطاباته الإذاعية.

كما يعرض الموقع مهامًا مطلوبة كمُنافسات يتقدم إليها المواطنون، ومنها تصميم شعارات ومخططات للوزارات ومواقع الإنترنت، كما يُمثل الموقع منصة توجيه لبرنامج “المدن الذكية” لتحسين المناطق الحضرية الذي تصل قيمته إلى خمسة عشر مليار دولار.

البيانات المفتوحة في الهند

يسمح نشر مجموعات البيانات في الهند للمطورين والمؤسسات المستقلة والصحافة بتوظيفها في تطبيقات ذكية وقصص ومبادرات لتوعية المجتمع

وتُمثل البيانات المفتوحة data.gov.in الجانب الثاني للموقع من خلال نشر مجموعات كبيرة من البيانات، ما يسمح لمطوري التطبيقات والمنظمات غير الحكومية والصحفيين باستكشاف سُبل الاستفادة منها. وربما يتحول مشروع البيانات المفتوحة في الهند إلى أحد أكبر المُبادرات المُماثلة في العالم من ناحية الحجم.

وعدت المديرة التقنية للمشروع، ألكا ميشرا، مجموعات البيانات حول الزراعة ضمن أفضل الأمثلة على محتوى الموقع. ومنها ما يعرض متوسط أسعار السلع الأساسية مثل الأرز والقمح والفواكه ونحو ذلك يوميًا في 2500 سوقًأ في مختلف أنحاء الهند. وقالت أن أحد المواطنين طور تطبيقًا للهواتف المحمولة يُتيح للمستخدمين الإطلاع على أسعار السلع الأساسية يوميًا في نطاق خمسة كيلومترات من موقعهم.

ووصفت ميشرا موقع “ماي جوف” بمنصة ضخمة لحشد المصادر تستعين بها الحكومة؛ إذ تسمح للمواطنين المشاركة وتقديم الاقتراحات والإسهام الفعّال في صياغة الخطط. وقالت أن مستوى المشاركة فاق التوقعات، كما سمح الموقع للحكومة بالاستفادة من كفاءات الفنانين والمطورين والباحثين.

ولعب الموقع دورًا بارزًا في مبادرة “المدن الذكية” التي تهدف إلى تطوير مائة مدينة هندية وتحويلها إلى مدن ذكية مُستدامة. وجرى اختيار المدن من بين نحو مائتي مدينة. وقالت ميشرا أنه بينما رأت الحكومة أهمية اختيار دلهي باعتبارها عاصمة البلاد، اعتقد المواطنون أنها تتمتع ببنية تحتية وخدمات جيدة إلى حدٍ كبير، ولا تحتاج إلى تحسين بقدر ما تحتاج إليه مدنٌ أخرى مثل جورجاون. وبالتالي استبعد تصويت المواطنين مدينة دلهي.

وأعقب اختيار المدن سؤال المشاركين عن الأمور الأكثر أهمية بالنسبة إليهم ولمدنهم مثل توفير الكهرباء أو خدمات الرعاية الصحية أو وسائل المواصلات، وساعدت الإجابات في تحديد المسار الذي ستُركز عليه كل مدينة وفقًا لاحتياجاتها التي حددها المواطنون.

وأقرت ميشرا بصعوبة الوصول إلى جميع الجماهير بسبب الموارد المحدودة، واتجاه التركيز إلى جذب الفئات المُلائمة للمشاركة سواءً كانت من المنظمات غير الحكومية أم الشركات الناشئة الصغيرة أم المجتمعات. وأشارت إلى الحاجة للقيام بالمزيد لزيادة القيمة والتوصل إلى تطبيق أو اثنين بارزين في كل قطاع.

وفيما يتعلق بدور البيانات المفتوحة في تغيير السياسة، قالت ميشرا: “لا أعتقد أنها غيرت السياسة حتى الآن؛ لأننا بدأن قبل عامين فقط، لكنها بالتأكيد فتحت الأعين”. ولفتت إلى دورها في التأسيس لصحافة البيانات ولاسيما لتحليل بيانات الجرائم، وصار بالإمكان تحديد ارتفاع معدلات الانتحار أو الاغتصاب في مدينة ما، وإطلاع الجمهور على مدى تمتع مكان ما بالأمن، بالإضافة إلى ظهور مبادرات جديدة. وقالت ميشرا أن في البدء كانت البيانات، تبعتها القصص، ثم شعور المواطنين بالحاجة إلى الإصلاح.

المصدر

مصدر الصور: 1 2 3 4