تقرير: نظم لتقييم الدرجة الائتمانية لمواطني الصين استنادًا إلى بياناتهم على الإنترنت وخارجه

عادةً ما تقيس الجدارة الائتمانية للأفراد مدى أمن وضعهم المالي، وتعتمد أساسًا على تاريخهم في التعامل مع المصارف ومصادر الدخل، لكن الصين تعتزم إنشاء نظام ائتمان اجتماعي مُختلف بحلول عام 2020، يمنح كل مواطن درجة استنادًا إلى معايير مختلفة منها مشترياتهم عبر الإنترنت والتقييم المهني ورخصة القيادة وغيرها.

ويطمح النظام الجديد لتوظيف تقنيات البيانات الضخمة واستخدام الإنترنت عبر الأجهزة المحمولة والحوسبة السحابية وخوارزميات الحاسب لتقييم حياة الأشخاص، بطريقة تحمل بعضًا من ملامح الألعاب الإلكترونية، ولا تقتصر على الجانب المالي.

ويعتمد “نظام الائتمان الاجتماعي” Social Credit System على بيانات تجمعها المصارف ومواقع التجارة الإلكترونية والإعلام الاجتماعي، ولا يقيس فقط مدى تعرض الفرد لأخطار مالية، بل قد يستخدمه أصحاب العقارات وأرباب الأعمال وربما أزواج المستقبل للحكم على الشخص. ويُثير ذلك مخاوف باحثين ومراقبين يرون فيه آلية ضخمة لمراقبة المواطنين، والتحكم في حياتهم وفرص التعليم والتوظيف بناءً على سلوكياتهم وامتثالهم للنظام.

ووصف الباحث المتخصص في دراسة سياسة الإعلام والتغيير السياسي في الصين في “جامعة أوكسفورد” البريطانية، روجيه كريمرز، النظام الجديد بقوله: “لا يقتصر فقط على الجدارة الائتمانية المالية، بل سيدمج كل ذلك السلوك في تقييمٍ واحد شامل لك كشخص، ومن ثم سيُستخدم للحكم على مدى استحقاقك لنيل وظيفة معينة أو خدمات اجتماعية”.

نظم متنافسة للتقييم الائتماني

وتتنافس شركات الإنترنت والتكنولوجيا في الصين على تطوير نظم لتقييم الحالة الائتمانية للأفراد استنادًا على ما تجمعه من بيانات. وتتضح أهمية هذه النظم في الصين بالنظر إلى امتلاك ما يقل عن ربع المواطنين فقط حتى عام 2014 لسجل ائتماني رسمي من “البنك المركزي الصيني”، مُقارنةً مع نسبة 89% من السكان في الولايات المتحدة الأمريكية. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الصين نموًا سريعًا في البطاقات الائتمانية الشخصية والقروض العقارية ونظم الدفع على الإنترنت.

وفي وقتٍ سابق من العام الجاري، رخص البنك المركزي الصيني لثماني شركات تطوير أنظمة للتقييم الائتماني. ومنها نظام “سمسم كريديت” Sesame Credit الذي طورته شركة “آنت فايننشال” Ant Financial التابعة لشركة “علي بابا” أكبر شركات التجارة الإلكترونية في الصين.

ويُعطي “سمسم كريديت” لمُستخدميه، الذين يصل عددهم إلى ستة وثلاثين مليون شخص، درجة تتراوح بين 350 و950 نقطة، وذلك استنادًا على عوامل عدة منها معدل إنفاقهم ومشترياتهم باستخدام “علي باي” AliPay نظام الدفع على الإنترنت من “علي بابا” الذي يستخدمه ما يزيد عن 350 مليون صيني، وامتلاك المنزل أو استئجاره، ومدى الالتزام بسداد الفواتير عبر “علي باي”، كما يرفع التقييم الائتماني للشخص استخدام أصدقاءه لنظام “سمسم كريديت”.

وتُتيح الدرجة المُرتفعة للشخص فرصًا مختلفة؛ فيُمكن للأشخاص الذين تزيد درجتهم الائتمانية عن 600 نقطة استئجار سيارات دون دفع مُقدم، وتسمح الدرجات الأعلى من 650 بمغادرة أسرع للفنادق، وتضمن الدرجات التي تفوق 700 نقطة لأصحابها تقليل المستندات الورقية اللازمة للحصول على تأشيرة إلى سنغافورة. وينتشر في مواقع الإعلام الاجتماعي الصينية مثل “ويبو” تباهي المستخدمين بتحقيق درجات ائتمانية عالية، ونشر صور درجاتهم.

وإلى جانب “سمسم كريديت”، تُوجد نُظم مُشابهة منها “تشاينا رابيد فايننس” China Rapid Finance الذي يعتمد على البيانات الضخمة التي تجمعها شركة “تينسنت” Tencent إحدى أبرز شركات الإنترنت والألعاب في الصين وتمتلك تطبيقات رائجة منها “وي شات” WeChat. كما طور قسم الخدمات المالية في شركة “شياومي” Xiaomi لصناعة الهواتف الذكية نظامًا لمنح درجات ائتمانية بناءً على معايير منها استخدام هواتفهم وتطبيقاتها والسجل المالي للمستخدم.

ويُمثل “سمسم كريديت” والنُظم المُشابهة مجرد خطوة تجاه نظام وطني أكثر شمولًا للائتمان الاجتماعي. وقال كريمرز أن النظام الجديد الذي سيُطبق في عام 2020 سيأخذ في الاعتبار عوامل مثل نقاط رخصة قيادة السيارة، والتقييم المهني للشخص في مجال عمله كطبيب أو محام أو معلم. ووصف المتخصص في قوانين الخصوصيية في “جامعة هونج كونج”، كليمنت تشن، نظام “سمسم كريديت” بأنه جزءٌ واحد من صورةٍ أكبر.

وكانت الحكومة الصينية قد أطلقت في شهر يونيو/حزيران الماضي موقعًا على الإنترنت باللغة الصينية باسم “كريديت تشاينا” Credit China يسمح بالبحث عن التصنيف الائتماني للأفراد والمؤسسات. ويستخدم بيانات سبعٍ وثلاثين مؤسسة حكومية مركزية، وتتولى إدارته شركة “بايدو” Baidu التي تمتلك مُحرك البحث على الإنترنت الأشهر في الصين. وتتضمن معلومات الموقع التهرب من الضرائب ومدى الالتزام بالأحكام القضائية.

ويتمثل الخطر الحقيقي في جمع الحكومة الصينية للمزيد من المصادر الأخرى، ما يسمح لها برسم صورة كاملة لمواطنيها بواسطة البيانات، بحسب ما قال تشن. وأضاف: “تهدف إلى جمع مختلف السمات تقريبًا عن المواطنين، ودمجها في منصة ضخمة، وبذلك يُمكن مشاركة هذه المعلومات بين الهيئات العامة”.

خطر الرقابة الموسعة

ولم يكن من المُفاجيء التناول السلبي في الصحافة الغربية في الولايات المتحدة وأوروبا لنظام “سمسم كريديت” والفكرة برمتها، وكرر عدد من المقالات الحديث عن احتساب “سمسم كريديت” لسلوكيات أصدقاء الشخص ونشاطه وآراءه السياسية في مواقع الإعلام الاجتماعي عند تقدير درجته الائتمانية. ووصف المُحلل في “المركز الأمريكي للحريات المدنية”، جاي ستانلي، الفكرة بالمُرعبة، محذرًا من اتباع النظام نفسه في الولايات المتحدة.

لكن شركة “آنت فايننشال” دحضت هذه الاتهامات أكثر من مرة، وكما تضمن بيانها إلى مجلة “نيو ساينتست” العلمية البريطانية: “لا تُؤثر المواد المنشورة في الإعلام الاجتماعي على درجات مستخدمينا في (سمسم كريديت)”. وأشار تشن إلى عدم معرفته بحكم النظام على الأفراد استنادًا إلى سلوكيات أصدقائهم.

واعتبر كريمرز، الذي تولى ترجمة وثائق الحكومة الصينية المنشورة حول نظام الائتمان الاجتماعي إلى اللغة الانجلزية، أن الانزعاج المحيط بالأمر يُمثل نموذجًا للتغطية الإعلامية الغربية للصين، وقال: “إلى حدٍ كبير كل ما تقوم به الصين يُثير انزعاجنا. وفي مرات عديدة لا نُدرك قيامنا بأمورٍ مُماثلة”.

ومثلًا ففي الدول الغربية تتولى الشركات مُتابعة أنشطة المستخدمين بلا هوادة، سعيًا لتعظيم أرباحها. كما تُطور بعض الشركات الناشئة نظمًا لتقييم الجدارة الائتمانية للأفراد بناءً على استخدامهم وصلاتهم في مواقع الإعلام الاجتماعي. لكن ذلك لا يعني أن نية الصين لرصد المواطنين وتسجيل درجات لكلٍ منهم أمر لا يبعث على القلق، ويُضاف إلى ذلك ما يُعرف على نطاقٍ واسع من إمكانية وصول الحكومة الصينية بسهولة لبيانات شركات الإنترنت العاملة في البلاد، والرقابة الصارمة على الإنترنت.

وبالتأكيد يتوافق نظام “سمسم كريديت” وغيره من الأنظمة المُماثلة التي طورتها شركات التكنولوجيا الصينية مع متطلبات الحكومة الصينية لنظام الائتمان الاجتماعي، لكن الارتباط بين ما ترغب الحكومة في فعله وما تُوفره هذه الشركات بالفعل لم يُكشف عنه أبدًا، وفقًا لما قاله كريمرز.

ولا يُخفي نظام “سمسم كريديت” صلته بالحكومة الصينية. وذكرت شركة “آنت فايننشال”: “يعمل (سمسم كريديت) عن قرب مع وزارة الأمن العام، ومحكمة الشعب العليا، ووزارة التعليم، وإدارة الدولة للصناعة والتجارة بهدف جمع البيانات”.

ويمضي العمل في إعداد نظام الائتمان الاجتماعي في الصين على قدمٍ وساق، وأعلنت الحكومة في شهر يونيو/حزيران الماضي عن منح مختلف مؤسسات البلاد سواءً الهيئات الحكومية أو غير الحكومية أو الشركات رقمًا تعريفيًا مُميزًا، بما يسهل من رصد أنشطتها ومتابعتها.

وأوضح تشن أن “النظام الضخم” صُمم للحد من مجموعة متنوعة من المخاطر دون الاكتفاء بالمخاطر المالية، ومنها مثلًا عدم الالتزام بالعقود، والغش في بيع السلع، والإخفاق في التوافق مع معايير السلامة عند إنتاج العقاقير أو تشييد الجسور، الأمر الذي يعني تغطيتها مختلف قطاعات الأعمال وكذلك الأفراد.

وأضاف تشن: “أنا شغوف بمعرفة مدى جدية الحكومة في منح تقييم لسلامة الغذاء والدواء”، واعتبر أن هذا الجانب تحديدًا قد يحظى بموافقة الأغلبية العظمى من الجمهور في الصين. وفي حين أن مراقبة الشركات وتسجيل درجات لها أمر مُرحب به، إلا أن الوضع يختلف ويُثير القلق فيما يتعلق بتطبيق المستوى نفسه من الرقابة على الأفراد، ولاسيما مع إمكانية جمع كل سمة للمواطنين وتفسيرها.

مخاوف من السوق السوداء

وفي رأي لتأثيرات نظام مُماثل للائتمان الاجتماعي، أشار عالم الحاسب في “جامعة نورث إيسترن” في مدينة بوسطن الأمريكية، كريستو ويلسون، أنه قد يُنشيء نوعًا من السوق السوداء، يدفع فيها الأشخاص المال نظير الحصول على تفاصيل مُزيفة في ملفهم الشخصي على الإنترنت لرفع درجاتهم الائتمانية، وشبهها بالوضع الحالي لسوق قائمة وخفية على الإنترنت تبيع للراغبين مُتابعين في “تويتر” وإعجابات لصفحاتهم ومنشوراتهم في “فيسبوك”، وغيرهما من مواقع الإعلام الاجتماعي.

وقال ويلسون: “كلما جعلت ذلك الرقم أكثر أهمية، زادت محاولات الأشخاص للتلاعب به. وكلما دمجت المزيد من البيانات، صار التلاعب أيسر”. وأضاف أن إلحاق هذا المستوى من القيمة بالمعلومات الاجتماعية سيُثير حماس السوق السوداء واهتمامها.

مصدر الصورة