تقرير جديد: دور البيانات الضخمة والتحليلات في تطوير العمل الحكومي

تندرج البيانات الضخمة والتحليلات ضمن الاتجاهات الرئيسية للحوسبة في العمل الحكومي. وفي الوقت الراهن تجمع الكثير من الحكومات على مستوى الدول والولايات والمدن قدرًا ضخمًا من البيانات المنظمة وغير المنظمة، وتستعين بالخوارزميات والبرمجيات لتحليلها ومساعدتها في اتخاذ قرارات أكثر استنارة.

وسلط تقرير حديث صدر عن “مركز الحكومة الرقمية” بعنوان “البيانات الضخمة والتحليلات في الحكومة” الضوء على المُتطلبات التكنولوجية لزيادة حجم البيانات، وأسلوب الحوكمة اللازم لاتخاذ أحكام فعّالة استنادًا إلى تحليل البيانات.

وتُوصف البيانات الضخمة، حسب أكثر تعريفاتها المستخدمة شُيوعًا، بأنها حجم كبير من المعلومات تتسم بسرعة عالية وتنوع بالغ، وتتطلب أشكالًا جديدة من المعالجة بما يُتيح تعزيز عملية اتخاذ القرار واكتشاف المعرفة وتحسين العمل برمته.

وفيما يتعلق بالحجم، يجري تقدير البيانات الضخمة باستخدام وحدة تيرابِت التي تُساوي ألف جيجابِت. ويُمكن رؤية أمثلة على الحجم الكبير من البيانات المتدفقة في أنظمة التأمين الصحي، والمدن التي تنتشر أجهزة الاستشعار في مرافقها وطرقها، ونظم مراقبة المجرمين، وبرامج جمع الإيرادات.

بينما تتضح سرعة توليد البيانات في ظل التطور المُتزايد في أنظمة جمع البيانات وأجهزة الاستشعار، الأمر الذي يتطلب زيادة سرعة تحليل البيانات. ويرجع تنوع البيانات إلى شمول النظم الحديثة لجمع البيانات على بيانات مُنظمة وأخرى غير مُنظمة، تتضمن الصور ومقاطع الفيديو ومعلومات عن التعاملات.

وفي الوقت نفسه، يتوسع دور البيانات المفتوحة في مُختلف المستويات الحكومية، ويُقصد بها البيانات التي يُمكن للجميع استخدامها وإعادة نشرها. وبينما لم يتضح بعد الأثر الكامل للبيانات المفتوحة، يتفق أغلب الخبراء على أن البيانات المفتوحة تسير جنبًا إلى جنب مع البيانات الضخمة، وستُساعد في تخفيف القيود التي يفرضها الوقت والموارد؛ بفضل تحليل أفراد الجمهور والأطراف الخارجية لمجموعات البيانات المنشورة.

ويتطلب التغلب على التحديات التي تُواجه تحليلات البيانات مزيج من ضمان جودة البيانات وأساليب إدارتها، وتأمين التمويل من خلال اللجوء إلى بدائل أقل تكلفة، فضلًا عن توفير الكفاءات اللازمة في مجالات تحليل البيانات، ويُمكن تلخيص العوامل الضرورية لمواجهة هذه التحديات في النقاط الثلاث التالية:

أولًا: ضمان جودة البيانات والحوكمة والإدارة: اعتبر 39% من المُشاركين في استطلاع “مركز الحكومة الرقمية” جودة البيانات تحديًا يُواجه مُبادرات البيانات الضخمة والتحليلات. وبالتالي سيعتمد نمو البيانات الضخمة والتحليلات بدرجةٍ كبيرة على جودة البيانات وحوكمتها وإدارتها.

ثانيًا: التكلفة والتمويل: تُعد التكنولوجيا أحد العوامل الرئيسية التي تحكم اتجاه البيانات الضخمة والتحليلات، وعلى وجه التحديد انخفاض تكاليف التكنولوجيا. وفي كثيرٍ من الأحيان تُوفر المنصات مفتوحة المصدر لتخزين البيانات الضخمة والمعالجة بديلًا أقل تكلفة لمستودعات البيانات في المشروعات، وعادةً ما تُؤمن سعر يقل عن ألف دولار لكل تيرابِت من البيانات. ويُمكن لنقطة السعر المنخفض أن تُغير طريقة تفكير 42% من المشاركين في الاستطلاع الذين اعتبروا أن القضايا المتعلقة بالتكاليف تُمثل التحدي الأكبر أمام مشروعات البيانات الضخمة.

ثالثًا: المهارات المطلوبة: فيما يخص البيانات الضخمة والتحليلات، تحتاج حكومات الولايات والحكومات المحلية في المدن إلى المزيد من المُحللين وعلماء البيانات والرؤساء التنفيذيين المسؤولين عن البيانات. وقدرت تقارير متنوعة حاجة القطاعات العامة والخاصة إلى 190 ألف من خبراء البيانات الضخمة بحلول عام 2018.

وتتضمن النماذج الناجحة في الاستفادة من البيانات الضخمة شركات الإنترنت مثل “جوجل” و”أمازون”، وحققت كلٌ منهما نجاحًا هائلًا باستخدام تحليلات البيانات. ويُتوقع ألا يكون التأثير المُحتمل للبيانات الضخمة والتحليلات على القطاعات الاقتصادية الأخرى أقل إثارة للاهتمام والدهشة.

ووفقًا لأحد التقديرات، بمقدور تحليلات البيانات الضخمة زيادة هوامش التشغيل في قطاع تجارة التجزئة بنسبة تتجاوز 60%، كما يُمكنها خفض تكاليف الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 8%. وفي الواقع حققت حكومات بعض الولايات والمدن فوائد ملموسة نتيجة استفادتها من تحليل البيانات.

وعلى سبيل المثال، أضافت ولاية كاليفورنيا مليار دولار إلى عائدات الضرائب، وأوقفت ولاية جورجيا عمليات احتيال ضريبي تسببت سابقًا في إهدار أكثر من ثلاثين مليون دولار، كما توصلت مقاطعة ميامي ديد في ولاية فلوريدا إلى ضرائب غير مدفوعة على العقارات تزيد قيمتها عن خمسة ملايين دولار، واستعانت إدارة الشركة في مدينة لوس أنجليس بالتحليلات التنبؤية لتقليل الجرائم المتعلقة بالملكية بنسبة 12%.

ومن خلال تطبيق المهارات الكمية وفهم الأسئلة الصحيحة الضرورية يُمكن لتحليلات البيانات التوصل إلى العناصر الحاسمة، أو ما يُشار إليها كإبر مفقودة في كومة من القش، لحل المُشكلات ومُساعدة الحكومات في مُعالجة بعض من أكثر تحديات السياسة العامة صعوبة.

ومع ذلك، فمن بين التحديات الرئيسية التي تُواجه قادة الحكومات في الولايات والحكومات المحلية الحاجة إلى إقناع الأطراف المعنية، ودفعهم لفهم إمكانات البيانات الضخمة والربط بين المعلومات للوصول إلى رؤى قيمة.

وبالنسبة للقادة، يتمثل الأمر المهم في بناء النسيج الصحيح من البيانات الذي يجمع قواعد البيانات بالغة التباين من داخل المؤسسات وخارجها. وسيلجأ البعض منهم لإنجاز هذه المهمة داخليًا، في حين سيستعين آخرون بخبراء من القطاع الخاص للمساعدة. وفي كل الأحوال، يحتاج الجميع إلى العثور على المواهب المُلائمة وإدارة المشروعات على النحو الصحيح لتحقيق النجاح.

ويُمكن اعتبار البيانات الضخمة الوجه الجديد لتحديث الحكومة، وتُبين التجارب الواقعية ما تُحققه من وفورات حقيقية وما تحمله من فرص كبيرة.

ولا يعني الاستعانة بتحليلات البيانات الضخمة نسخ أفكار مجالس الضرائب في شيكاغو أو ميامي ديد أو كاليفورنيا، كما لا يعني انتظار “أمازون” و”جوجل” لتقديم الابتكارات التالية، بل يتطلب تصور مستقبل المؤسسة وتخيل قدراتها في ضوء استخدام البيانات، وبمقدور مشروع صغير أن يُبين للحكومات إمكانية إعادة ابتكار عملياتها على أساس استخدام أكثر ذكاءً للبيانات.

مصدر الصورة