تقنيات المدن الذكية تُقدم فرصًا جديدة لشن هجمات إلكترونية

يتزايد تحول المدن الذكية من مفاهيم وتصورات مجردة إلى واقعٍ، وتُحاول الكثير من المدن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء لتحسين مجالات مثل السلامة العامة والمواصلات والرعاية الصحية والمرافق. وفي الوقت نفسه تتحول تصورات الخيال العلمي وألعاب الفيديو بسيطرة القراصنة على البنية الأساسية في المدن والتجسس على السكان وإحداث الفوضى إلى واقع بدرجات متفاوتة. وبالتالي صار تأمين تقنيات المدن الذكية ضرورة لضمان سلامة المجتمعات. (اقرأ أيضًا عن تحديات تُواجه تكنولوجيا المدن الذكية)

ومثلًا في الثامن من أبريل/نيسان 2017 أطلق القراصنة 156 من صافرات الإنذار في مدينة دالاس الأمريكية، الأمر الذي أزعج السكان وتسبب في ازدحام خطوط خدمة الطوارئ بالمكالمات. وتصاعد عدد الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية المهمة في الولايات المتحدة من أقل من 200 هجوم في 2012 إلى ما يقرب من 300 حادث في عام 2015.

صافرات الإنذار في دالاس

تسبب اختراق في إطلاق صافرات الإنذار، التي تُستخدم عادةً للتحذير من الأعاصير والكوارث الطبيعية، في مدينة دالاس في ولاية تكساس الأمريكية

وتُقدر شركة “جارتنر” لأبحاث التكنولوجيا والاستشارات استخدام 2.3 مليار جهاز مُتصل بالإنترنت في المدن الذكية هذا العام، بزيادة 42% عن العام الماضي. ويكشف نمو الاتصالات المزيد من مواطن الضعف التي يُسارع القراصنة لاستغلالها.

وتعتمد المدن الذكية على أجهزة مُتصلة في شبكة واحدة وبالإنترنت تُنتج الكثير من البيانات في الوقت الحقيقي، وتُسهِم في تيسير الخدمات اليومية. وتجمع أنظمة المدن الذكية بين البرمجيات والأجهزة والتحليلات الجغرافية المكانية. وعلى سبيل المثال، تُساعد أجهزة الاستشعار منخفضة التكلفة في الحد من إهدار الطاقة في إنارة الشوارع وتنظيم تدفق المياه لتحسين الاستفادة من الموارد.

وساعدت العدادات الذكية للمياه في مدينة برشلونة الأسبانية في توفير 58 مليون دولار سنويًا. ونجحت إحدى مدن كوريا الجنوبية في تقليل تكاليف تشغيل المباني بنسبة 30% بفضل أجهزة استشعار ذكية لتنظيم استهلاك المياه والكهرباء.

ونظرًا لاعتماد المدن الذكية على البيانات الدقيقة، يُؤدي التلاعب بالبيانات إلى توقف العمل وتعطيل سير الحياة اليومية للمواطنين. ويُتوقع أن يتجاوز عدد الأجهزة المُتصلة بإنترنت الأشياء 50 مليار جهاز بحلول عام 2020. وبالتالي ستحتاج المجتمعات الحضرية إلى تعزيز بروتوكلات الأمن الإلكتروني وتحديث أساليب التعامل مع الكوارث وحوادث الاختراق.

وفي واقع الأمر يصحب الإقبال على تقنيات المدن الذكية بعض التعجل في استخدام الابتكارات الجديدة قبل اختبارها جيدًا، وغالبًا ما يُهمل الأمن الإلكتروني. ومثلًا تستخدم مدن عدة حاليًا “نظام التحكم الإشرافي وتحصيل البيانات” للتحكم في عمليات كبيرة وتوحيد المنشآت غير المركزية. ومع ذلك يفتقر البرنامج لمعايير التشفير والتوثيق وعرضة لاختراقات كثيرة بسبب ضعف معايير الأمان. وفي حال استهدف القراصنة البرنامج، فسيكون بمقدورهم تهديد السلامة العامة للمدينة وإيقاف عدة خدمات من نقطة دخول واحدة.

ومن الممكن أن تُحدِث أخطاء بسيطة في برامج الحاسب أضرارًا كبيرة في أنظمة التحكم. وإذا ما نجح القراصنة في السيطرة على أنظمة التحكم في إحدى المدن، يُمكنهم إرسال بيانات خاطئة إلى مراكز البيانات وتعطيلها. وحدث ذلك بالفعل حين استطاع القراصنة اختراق نظام التحكم في مرفق المياه في مدينة إلينوي الأمريكية في عام 2011، ودمروا مضخة مياه تخدم 2200 شخص.

ولا تتسبب مثل هذه الخروقات في إزعاج السكان فقط، بل قد يُكلف إصلاحها أموالًا طائلة. ويُتوقع أن تصل أضرار اختراق افتراضي يتسبب في انقطاع التيار الكهرائي في أمريكا الشمالية إلى 93 مليون شخص، ويكلف التأمين مبلغًا يتراوح من 21 إلى 71 مليار دولار. (اقرأ أيضًا: الأمن الإلكتروني تحدي جديد أمام شبكات الكهرباء)

ومن قبل خاض القطاع الخاص، ولا يزال، تجارب صعبة مع الهجمات الإلكترونية. والآن يتعين على الحكومات تعلم الدرس نفسه، واعتبار أمن البيانات أولوية في تطوير الأنظمة الجديدة. وإلى جانب التأمين المادي لمنشآت التحكم في الطاقة والغاز والمياه، ينبغي على المسؤولين ضمان الفحص المنتظم لكشف محاولات التسلل، وتشفير البيانات الحساسة، وإتاحة التحكم اليدوي في جميع الأنظمة والشبكات بعد تعرضها للاختراق حتى يتوافر لخبراء الأمن الوقت الكافي لعلاج مواطن الضعف.

ومع الاعتراف بالدور المحتمل للمدن الذكية في تحسين الكفاءة والإنتاجية وضرورة ألا تُعيق المخاوف خطط التحديث، ويتطلب تحقق الإمكانات الكاملة لها تطبيق أفضل ممارسات الأمن الإلكتروني من البداية.

المصدر

الصور: 1 2