ثلاثة متطلبات لبناء مجتمعات ريادة الأعمال

في منتصف الثمانينيات دعا المؤلف الشهير في مجال الإدارة بيتر دراكر، في كتابه “الابتكار وريادة الأعمال”، إلى أن يجعل المسؤولين التنفيذيين في جميع المؤسسات من الابتكار وريادة الأعمال نشاطًا معتادًا ويوميًا. ويعني ذلك أن يتجنب الأشخاص، سواءً عملوا في شركات كبيرة أم ناشئة، التصرف كموظفين ينتظرون أوامر الإدارة، وبدلًا من ذلك عليهم التنبه للفرص والاستجابة لها. وبالتأكيد يتطلب تحقيق هذه الرؤية تغييرًا جوهريًا في العقلية السائدة. (اقرأ أيضًا: ستة ملامح تميز مجتمعات ريادة الأعمال)

واليوم بعد مضي أكثر من ثلاثين عامًا تعتمد الشركات الكبيرة طرقًا مختلفة للاستفادة من إبداعات موظفيها، وتشهد أعداد الشركات الناشئة والعاملين المستقلين نموًا سريعًا، لكن لا تزال هذه الصورة عن مجتمعات ريادة الأعمال بعيدة عن الواقع إلى حدٍ كبير.  ويتطلب ترسيخها توفير ثلاثة عناصر للأفراد تشمل، الوسائل، والدوافع، والفرص.

وفيما يتعلق بالوسائل ربما تصح فكرة كارل ماركس الذي دعا إلى امتلاك القوى العاملة لوسائل الإنتاج وقصد بها المصانع والآلات، لكن حاليًا يعمل غالبية الأشخاص –ولو جزئيًا- في وظائف المعرفة، وتُعد وسائل الإنتاج هي القوة العقلية التي يحتفظ بها المرء بغض النظر عن وظيفته.

ويحتاج الأفراد للحصول على التكنولوجيا والتمويل اللازمين لتنفيذ الأفكار. وفي الواقع صار تأمينهما أيسر كثيرًا بفضل الإنترنت. ومثلًا يتطلب العمل الحر توافر اتصال بالإنترنت وخدمة يعرضها الشخص للبيع كالكتابة أو الرسم أو البرمجة. وتحتاج قيادة سيارات الأجرة سيارة وجهاز للملاحة بواسطة النظام العالمي لتحديد الموقع الجغرافية، ويُجمع رأس مال المشروعات عبر منصات التمويل الجماعي والتمويل المُصغر. ويُمكن القول أن الوسائل اللازمة لمجتمعات ريادة الأعمال تتوافر على الأقل في الدول المتقدمة، وتحاول الدول النامية مواكبتها سريعًا.

الدوافع: يُشير الترتيب الهرمي الشهير لماسلو إلى أن احتياجات الشخص تتوقف على ما يمتلكه بالفعل. وأنشأ العصر الصناعي الوظائف ذات الأجر المُحدد التي أمنت الحد الأدنى من الاحتياجات كالمأوى والأمن والتفاعل الاجتماعي. ونظرًا لاعتبار البعض توافر هذه الأشياء أمرًا مفروغًا منه، يطمحون لمستويات أعلى كالرغبة في أداء عمل مُؤثر وتطوير خبراتهم وحرية الاختيار.

وبينما تتحسن الوسائل والحوافز سريعًا، يختلف الحال بالنسبة للفرص. وخلال العقود السابقة واجه رواد الأعمال عقبات مثل الإجراءات الحكومية المعقدة وصعوبة الحصول على قروض آمنة وضغوط اجتماعية تدفعهم للعمل كموظفين في الشركات بدلًا من تأسيس مشروعاتهم. وفي الوقت الراهن تُتاح فرصٌ هائلة لازدهار ريادة الأعمال في ظل التقنيات الجديدة والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وزيادة تقبل المجتمع لرواد الأعمال بسبب عروض تلفزيونية وشهرة نماذج بارزة مثل مارك زوكربيرج وإيلون ماسك. لكن من أجل بناء مجتمعات ريادة الأعمال هناك حاجة لتجاوز عدة عقبات منها:

  • قوانين العمل: تُصنِف العاملين كموظفين في مؤسسات أو عاملين مستقلين، وهو تصنيف قديم يتسبب في مشكلات مختلفة لشركات مثل “أوبر” و”إير بي إن بي”؛ إذ يندرج السائقون والمضيفون ضمن الفئتين، ويدعو البعض إلى طريقة ثالثة تناسب الأعمال المؤقتة واقتصاد المشاركة.
  • قوانين الملكية الفكرية: قامت على أساس أهمية الملكية الفردية، بينما يجري التركيز حاليًا على الوصول إلى الخدمات والمعلومات دون ملكيتها. وهناك بعض التقدم شهدته تراخيص البرمجيات مفتوحة المصدر، لكن لا تزال هناك حاجة لمزيدٍ من العمل.
  • الحوكمة: مثلت الشركات ذات المسؤولية المحدودة ابتكارًا رائعًا لتسهيل إنشاء الشركات وتقليل المخاطر على ملاكها، لكنها الآن تخنق ريادة الأعمال وتُعد خيارًا محافظًا وقاصرًا على التفكير قصير الأجل، ما يُشير لأهمية ابتكار بدائل جديدة تُساعد رواد الأعمال.
  • التعليم: تُقدم مناهج دراسة موادًا تقليدية تُدرّس بأساليب تقليدية، وتدفع الطلاب نحو تخصصات محدودة. ولذلك يتحدث الكثير من رواد الأعمال عن نجاحهم على الرغم من نظام التعليم الحالي وليس بفضله. ولذلك حان الوقت لتغيير المناهج والاهتمام بدعم إبداع الطلاب.

وبينما شهدت التكنولوجيا والأعمال التجارية والعادات الاجتماعية تطورات إيجابية كبيرة خلال الأعوام الخمسين الماضية، تُستخدم حتى الآن قواعد العصر الصناعي للإدارة في عصر المعلومات، وهو سبب تأخير ريادة الأعمال. ولذلك هناك حاجة ملحة للابتكار الإداري في الشركات الكبيرة من أجل جعل العمل أكثر جاذبية وإرضاءً لطموحات الأشخاص، وابتكارات أخرى على مستوى المجتمع تُوفر لرواد الأعمال الوسائل والحوافز والفرص اللازمة لنجاحهم.

المصدر

الصورة