ثلاثة ملامح لأنظمة الطاقة في المستقبل

نجح نظام الطاقة الذي تطور خلال القرن الماضي في تحقيق غايته الرئيسية بإتاحة النمو الاقتصادي الواسع، لكن هذا النجاح الظاهري لم يخل من خسائر تمثلت في اختلال توازن “مثلث الطاقة”، ويُشير المفهوم إلى ثلاث سمات ينبغي توافرها في أنظمة الطاقة الحديثة تشمل: إتاحة الوصول إلى إمدادات آمنة وموثوقة، والتكلفة الميسورة، والأثر البيئي المُستدام.

وتتباين مظاهر هذا الاختلال في أنحاءٍ مختلفة من العالم. ومثلًا يفتقر نحو مليوني شخص إلى إمدادات منتظمة من الطاقة، ويعجز كثيرون عن تحمل تكاليف الطاقة، وفي أغلب بلدان العالم تضر أنظمة الطاقة الحالية بالبيئة. وتُركز بعض الجهود الحالية على إصلاح الخلل في جانب أكثر من الآخر.

ويستلزم تصور نظام الطاقة في المستقبل تجاوز “مثلث الطاقة” إلى ثلاثة اعتبارات أخرى حاسمة. أولها التأثيرات الاجتماعية للتغيرات المستقبلية في قطاع الطاقة. وستقود تغير طبيعة الوظائف ودور التشغيل الآلي، كحال مختلف قطاعات الاقتصاد، إلى خسارة البعض وظائفهم لصالح برمجيات وروبوتات متقدمة.

وفي الوقت نفسه ستنشأ الحاجة إلى متخصصين في البرمجة وتشغيل الأنظمة الذكية والإشراف عن بُعد على روبوتات تُنفذ مهامًا خطيرة كانت من قبل حكرًا على البشر. ومن المُتوقع أن تُوفر الوظائف الجديدة مستويات أعلى من الصحة والسلامة.

كما سيتبدل التوزيع الجغرافي للوظائف في قطاع الطاقة بما يعكس تغير خريطة إنتاج الطاقة وتجاوز المناطق التقليدية المنتجة للنفط. وسيُوفر نمو استخدام الطاقة المتجددة وظائف محلية في مناطق بناء المنشآت الجديدة وصيانتها. وسيصحب ذلك منافسة لتحقيق السبق في قطاعات الطاقة الجديدة. وتحتل الصين المرتبة الأولى في إنتاج الطاقة الشمسية، وتسعى لنيل مكانة مُماثلة في تكنولوجيا البطاريات التي تسمح باستفادة أكبر من الطاقة المتجددة.

إنتاج النفط

سيؤدي اتساع رقعة إنتاج النفط وتنامي الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة إلى توزيع جديد للوظائف في قطاع الطاقة

ويُمثل تباين الآثار المالية حول العالم ثاني الاعتبارات المهمة. وبينت مبادرات مثل “رؤية السعودية 2030” إدراك البلدان المنتجة للنفط أخيرًا حاجتها لتقليل اعتمادها ماليًا على عائدات الطاقة. ولا يتعين على البلدان المنتجة للنفط وحدها إعادة النظر في ميزانياتها، بل إن بعض الدول الأعضاء في “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” تحصل من الضرائب على مبيعات البنزين أكثر مما تجنيه دول منظمة “أوبك” من إنتاج البنزين. وسيتعين على هذه الحكومات التكيف مع متغيرات جديدة كنمو استخدام السيارات الكهربائية.

وأخيرًا سترتبط التغيرات المستقبلية في قطاع الطاقة ارتباطًا وثيقًا بتطورات أوسع نطاقًا للثورة الصناعية الرابعة التي تُعبر عن تقنيات حديثة تُزيل تدريجيًا الحدود الفاصلة بين العوالم المادية والرقمية والبيولوجية مثل الذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي والبيانات الضخمة والتكنولوجيا الحيوية.

ويُعد توفير إمدادات ميسورة التكلفة وموثوقة من الطاقة للفقراء والمناطق النائية خطوة ضرورية لسد الفجوة الرقمية، كما ستُقدم لسكان تلك المناطق فرصًا ثمينة للانتقال مباشرةً إلى تقنيات رقمية أحدث. وبالمثل، من الضروري ابتكار تقنيات جديدة للدول النامية من أجل توفير الطاقة ميسورة التكلفة. ولذلك ينبغي أن يلعب نظام الطاقة في المستقبل دورًا أساسيًا في تميكن النمو الاقتصادي والاجتماعي الشامل والمُنصف. (اقرأ أيضًا: الطاقة الشمسية والعمل خارج الشبكات الوطنية لحل أزمة الكهرباء في أفريقيا)

ويتوقف جانب كبير من نجاح ذلك على سياسات الصين والهند، البلدين الأكبر في العالم من ناحية عدد السكان. وفي الوقت الحاضر تعتمد الصين على الفحم للحصول على نحو ثلث احتياجاتها من الطاقة. وإذا جعلت الاقتصادات الناشئة الكبيرة من الفحم أساسًا لتأمين احتياجاتها من الطاقة للتنمية في المستقبل، فستدعم فقط جانبيّ إتاحة الطاقة وتكلفتها على حساب الاستدامة البيئية.

وتُواجه الهند أسئلةً كثيرة مثل طبيعة التعاون بين القطاعين العام والخاص على الصعيدين الوطني والدولي، وأهداف تغيير نظام الطاقة بما في ذلك إتاحة الوصول الشامل لمصادر موثوقة من الطاقة والتعامل مع التكاليف والفرص الجديدة.

وأثبت تراجع تكاليف إنتاج الطاقة الشمسية التأثير الإيجابي الكبير لتبني الأسواق الكبيرة وسريعة النمو للطاقة النظيفة. وفي ظل الفرص والمخاطر التي تُصاحب الثورة الصناعية الرابعة، يبدو مستقبل أنظمة الطاقة أكثر انفتاحًا على التغيير.

المصدر

الصور: 1 2