مقال رأي: ثلاث مزايا استراتيجية في قانون البيانات المفتوحة الجديد في دبي

هذا المقالGTSummit15 318 بقلم: إبراهيم أحمد البدوي – خبير البيانات المفتوحة والمدرب العربي  الوحيد المعتمد من قبل معهد البيانات المفتوحة في المملكة المتحدة.

أعلنت دبي عن “قانون البيانات المفتوحة” والذي أعتبره بداية مرحلة جديدة كلياً فيما يتعلق بالعمل الحكومي وخاصة إدارة العلاقة بين المؤسسات الحكومية في دبي وغيرها من المؤسسات خارج القطاع الحكومي وكذلك الجمهور داخل وخارج المدينة.

وجاء الإعلان عبر التغريدة التالية التي نشرها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على حسابه على تويتر:

 

ولتوضيح مدى أهمية هذا القانون، أود هنا أن أشير إلى ثلاث مزايا هامة يتضمنها الإعلان عن هذا القانون. ولكن قبل ذلك، هذا توضيح مبسط ومباشر لمعنى البيانات المفتوحة:

البيانات المفتوحة هي ممارسة في القطاع الحكومي تعني عملياً أن تنشر المؤسسات الحكومية ملفات البيانات التي تملكها مثل الإحصاءات في مختلف المجالات (كمثال تفصيلي: إحصاءات الاقتصاد والتجارة، إحصاءات الحوادث المرورية، إحصاءات قطاع التعليم وغيرها) على الإنترنت بصورة تمكن أي فرد كان من الحصول عليها وكذلك استخدامها بدون قيود قانونية كانت (مثل عدم منح الإذن باستخدام البيانات المنشورة) أو تقنية (مثل توفير البيانات في صيغ ملفات لا تصلح للمعالجة الآلية مثل ملفات PDF) أو غيرها من القيود. نشر البيانات بهذه الطريقة سيمكن كل المهتمين مثل الباحثين ورجال الأعمال ومبرمجي التطبيقات الذكية من استخدامها في تحليل السياسات أو اتخاذ القرارات أو ابتكار تطبيقات جديدة.

ورغم أن جوهر الممارسة ليس بجديد – إذ إنه يرتبط بالشفافية والحوكمة الرشيدة الموجودة في منهجيات الإدارة منذ زمن بعيد – إلا أنها قد شهدت خلال السنوات القليلة الماضية زخماً هائلاً بدأه توقيع الرئيس الأمريكي باراك أوباما لمرسوم البيانات المفتوحة في أول يوم له في البيت الأبيض عام 2009 والذي نتج عنه نشر مئات آلاف الملفات الحكومية على بوابة البيانات المفتوحة الأمريكية ثم العديد من المبادرات من دول ومؤسسات حول العالم تصب كلها في ترسيخ هذه الممارسة في القطاع الحكومي ونشر ثقافتها بصورة منهجية.

مقطع الفيديو التالي يوضح المعنى (أعتذر عن عدم توفر ترجمة عربية):

بالعودة إلى إعلان دبي، يمكن في نظري فهم مدى أهمية هذا الإعلان عبر المزايا الاستراتيجية الثلاث التالية:

الأولى – قيادة التغيير: يمثل إصدار القانون وكذلك إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عنه رسمياً سابقة في منطقة الخليج، إذ أنه ولأول مرة نرى دعماً ورعاية رسمية من القيادة لمنهج البيانات المفتوحة خارج إطار “الحكومة الإلكترونية’. إذ إنه ورغم وجود مبادرات بصورة أو أخرى للبيانات المفتوحة في الإمارات (على مستوى الحكومة الاتحادية) وكذلك في البحرين، السعودية  وقطر إلا أن هذه المبادرات تنضوي تحت مظلة برامج الحكومة الإلكترونية ولا تحظى بدعم سياسي واضح وقد وضحت ذلك في ورقتي العلمية حول حالة البيانات المفتوحة في دول مجلس التعاون الخليجي والتي نشرتها في المؤتمر الأوروبي للحكومة الإلكترونية في برشلونة عام 2012.

ولذلك يرسل إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن هذا القانون رسالة واضحة وهامة للغاية تتمثل في دعمه لهذا النهج وكذلك يرسل تذكيراً بأن البيانات المفتوحة ليست مشروعاً تقنياً بحتاً بل هي ممارسة تصب في صميم تعزيز الابتكار في العمل الحكومي وكذلك إعادة صياغة العلاقة بين الجهات الحكومية والجمهور وتشجع نهج الشفافية وإشراك المواطن.

الثانية – الأساس التشريعي: يوفر القانون الجديد الأساس الذي ستقوم بموجبه الدوائر الحكومية في دبي بممارسة نهج البيانات المفتوحة بصورة واضحة ومؤسسية. إذ يوفر القانون تصنيفاً موحداً للبيانات التي تمتلكها الجهات ويوضح أنواع البيانات التي يمكن مشاركتها مع الجمهور بشكل مفتوح وتلك التي تتشاركها الجهات مع بعضها البعض وكذلك مع الشركات والمؤسسات خارج القطاع الحكومي. بدون هذا الأساس القانوني، يمكن أن تكون هنالك مبادرات للبيانات المفتوحة ولكنها ستكون مترددة ومجتزأه وستعاني من صعوبات في الاستمرار.

الثالثة – الابتكار والمدينة الذكية: توقيت إصدار القانون هام للغاية، إذ إنه يأتي في العام الذي أعلنته الدولة عاماً للابتكار وقبل أسابيع قليلة على “أسبوع الابتكار الإماراتي”. وبالإضافة إلى ذلك، يصدر القانون في وقت تتوالى في المشاريع والمبادرات من القطاعي الحكومي والخاص تحت مظلة مبادرة مدينة دبي الذكية من أجل بناء المدينة الأذكى في العالم. ولا يمكن تحقيق الرؤية الكاملة للمدينة الذكية دون إتاحة البيانات الحكومية بشكل مفتوح يمكن الجمهور من المشاركة في بناء هذه المدينة عبر ابتكار حلول تسهل حياة الناس في المدينة وتساعد في اقتناص الفرص الجديد في شتى المجالات. وتمثل خطة لندن الذكية أفضل مثال على ذلك، إذ تعتبر الخطة البيانات المفتوحة مكوناً رئيسياً من مكونات المدينة الذكية.

وهذا المعنى عبر عنه سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم بقوله:

” اليوم نحن مقبلون على ثورة إنترنت الاشياء حيث كل شيء بدءا من المنزل إلى السيارة إلى أماكن العمل إلى الأجهزة الحكومية وحتى أجهزة الاستشعار الموزعة في المدينة سيكون مرتبطا مع بعضه وبالتالي فإن القانون الجديد يرسي بيئة تنظيمية وتشريعية تجعلنا مستعدين بشكل كامل لثورة الانترنت القادمة”.

ومن الجميل أن كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية ستنظم برنامجاً تدريبياً حول البيانت المفتوحة في ديسمبر القادم، يمكنكم الاطلاع على التفاصيل وكذلك التسجيل عبر موقع الكلية.

في مقال قادم، سأحدثكم عن الفرص التي يمكن أن تخلقها البيانات المفتوحة لرواد الأعمال في دبي والإمارات.