ثلاث مزايا في إطلاق إصدارات تجريبية من المواقع الحكومية

على مدار سنوات اعتادت المدن والإدارات الحكومية إطلاق مواقعها الجديدة على الإنترنت بطريقة افتتاحها للميادين والمتنزهات ومشروعات البناء؛ فتكشف دفعة واحدة عن الموقع الرسمي بعد إضافة مختلف الميزات واستكمال التصميم والمحتوى باستثناء بعض التحسينات الفرعية.

وفي كثيرٍ من الأحيان ينتهي الأمر إلى اكتشاف المسؤولين مُشكلات غير مُتوقعة تُؤثر على وظائف المواقع، ما قد يضطرهم إلى إنفاق مبالغ طائلة في محاولة لعلاجها، فضلًا عن الضغوط الناجمة عن انتقادات الجماهير ووسائل الإعلام.

ومُؤخرًا اتجهت مدن وإدارات حكومية للتعامل مع مواقعها على الإنترنت كمنتجات تقنية تنتمي للقرن الحادي والعشرين، وتتسم بالتطور المُتواصل. وهو ما دفعها لاعتماد فكرة الاختبار التجريبي للمواقع أو نسخة “بيتا” Beta، وكما يقول أنصار هذا الاتجاه فإن أفضل ما يُفعل قبل إطلاق موقع جديد على الإنترنت هو إطلاق الموقع بالفعل.

ويُعيد إطلاق نسخ تجريبية تكوين التوقعات بشأن المنتج النهائي ويُؤكد فكرة تواصل تطوير منتجات التكنولوجيا. ووفقًا لهذا الأسلوب تنشر المدن والمؤسسات الحكومية نموذجًا أوليًا من مواقعها ثم تجمع تعليقات الجمهور وتُجري التعديلات اللازمة، ثم تحصل على المزيد من التعليقات والآراء، وهكذا حتى إطلاق الموقع.

وتلقى هذه الطريقة قبولًا في عددٍ من المدن الأمريكية منها بوسطن وفيلادلفيا ولوس أنجليس وويست كارولتون وغيرها، بهدف تحسين خدماتها وتجنب أخطاء نشر المواقع. ويُمكن إيجاز العوامل التي تدفع المدن لتطبيق هذا الأسلوب في ثلاثة أسباب:

أولًا: تخفيف الضغوط

أطلقت مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس النسخة التجريبية من موقعها في شهر مايو/أيار 2015، واستهدفت جذب السكان للمشاركة في تطوير الموقع. وأنشأ قسم تكنولوجيا المعلومات في المدينة مدونة تعرض الترتيب الزمني لمراحل تطوير الموقع، وحددها بست مراحل؛ الأولى تحديد شركاء المدينة في تطوير الموقع، والثانية إجراء أبحاث حول المستخدمين واحتياجاتهم، والثالثة إنشاء النموذج الأولي الفعلي.

وتبع المراحل الثلاثة الإصدار التجريبي للموقع بهدف استقبال تعليقات الجمهور ثم الإطلاق الرسمي للموقع، أما المرحلة الأخيرة فمن الناحية النظرية لا تنتهي وتتضمن التحسين المُتواصل بناءً على نتائج التجارب والاختبارات.

وتختلف هذه الطريقة عن أساليب العمل الحكومية التقليدية من ناحية افتقارها إلى مواعيد نهائية ومُحددة لإنجاز العمل. وفي مدينة بوسطن حدد فريق العمل مواعيد غير صارمة؛ سعيًا لتوفير الوقت الكافي لتحسين مستوى الجودة.

وعلاوةً على ذلك، عالج التصميم المرن أية أسباب للشكاوى العامة وحولها إلى مُساهمات بناءة في التطوير من خلال استطلاعات الرأي ورسائل البريد الإلكتروني والتعليقات المُباشرة أثناء ساعات العمل الرسمية. وبالنسبة للحكومة مثلت هذه العملية تغييرًا غريبًا نوعًا ما وجريئًا من الناحية الإجرائية، لكن في الوقت نفسه آمن ومُثمر على نحوٍ فريد.

وأوضحت الرئيسة التنفيذية الرقمية لمدينة بوسطن، لورين لوكوود، أن المدينة نظرت إلى الموقع كشيءٍ ينبغي تحسينه على الدوام، عوضًا عن اعتباره مُنتج يُترك بمجرد إصداره رسميًا.

وأسهمت فلسفة بناء الموقع ثم تعديله في تخفيف التوترات الداخلية في الأروقة الحكومية. وقالت لوكوود أنه من منظور إدارة المشروع يُوضِّح التواصل والعمل على تصميم منتج ملموس الكثير من المفاهيم الخاطئة في مُقابل الأسلوب التقليدي بتركيز العمل لفترة طويلة على أفكار نظرية ومخططات.

ثانيًا: حل المشكلات الحقيقية

تشتهر “18 إف”، وكالة الخدمات الرقمية في الحكومة الفيدرالية الأمريكية، بمهاراتها في حل المشكلات التقنية في التطبيقات والمواقع الحكومية، وتسعى لتحويل السياسات والتقنيات المُعقدة إلى خدمات صديقة للمستخدم. ومن بين نماذج نجاحاتها إنقاذها منصة التأمين الصحي التابعة لقانون الرعاية بأسعار معقولة أو “أوباما كير” في عام 2014. كما أدخلت تحسينات على تطبيق الهجرة التابع لوزارة الأمن الداخلي، وأجرت النوع نفسه من التنقيح على خدمة وزارة شؤون المحاربين القدماء، وأسهمت في تيسير تلقي المحاربين القدماء لمخصصاتهم المالية.

ويُرجِع فريق “18 إف” الفضل في مهاراته في حل المشكلات إلى اعتماده مفاهيم التصميم الحديث مثل التصميم الذي يتمحور حول الإنسان والتطوير المرن، وهي مجموعة من المفاهيم تُقيّم السلوك الإنساني وتتبنى منهجيات مُتكررة لتقديم تكنولوجيا صديقة للمستخدم.

وفيما يتعلق بإطلاق نسخ تجريبية من المواقع الحكومية لاختبارها، أوضح فريق “18 إف” أن هذه الخطوة مكونًا أساسيًا. وينجح الفريق في مشروع للويب يبدأ بمرحلة استكشافية للاستفادة من أبحاث المستخدم لاستهداف الاحتياجات المهمة، ما يقود إلى منتج أولي في مرحلة “ألفا” التي تقتصر غالبًا على المطورين والمتخصصين لاختبارها، وبعد فترة قصيرة يبدأ اختبار الموقع وجمع الملاحظات والتعليقات لتأتي مرحل الإطلاق الرسمي.

وأوضح الفريق أن طريقته في التصميم تنطلق من تحديد المشكلات الواقعية للتأكد من مُعالجتها، وبعدها اعتماد الاختبار المُتكرر الذي يتضمن تحليلات واختبارات لقابلية الاستخدام من أجل التاكد من عملهم على حل المشكلة الحقيقية بأفضل ما يُمكن.

وفي الوقت الحاضر يعمل فريق “18 إف” على إعادة إطلاق موقع “لجنة الانتخابات الفيدرالية” على الإنترنت. ويسعى المشروع إلى تحسين وصول المواطنين إلى بيانات عن تمويل الحملات الانتخابية الفيدرالية. وتَعمق الفريق في دراسة اللوائح المالية المُعقدة وأنظمة البيانات القديمة لإنشاء النسخة التجريبية.

ومن المُقرر أن يحل الموقع الجديد مكانة النسخة القديمة، ويجلب التحديث مجموعة من الميزات والإضافات جرى صقلها بالتعاون مع “لجنة الانتخابات الفيدرالية” ومواطنين عاديين. وأوضح الفريق أنه عند بداية المشروع بالنقاش مع الأطراف المعنية والمستخدمين تبين قلق المستخدمين أساسًا من عدم عثورهم على جميع المعلومات التي يريدونها أو بعضها أو افتقادهم أحدث المعلومات.

وتتوافر النسخة الحديثة من الموقع على أدوات بسيطة تستهدف في المقام الأول الإجابة على تساؤلات المستخدمين وعلاج مخاوفهم، ومنها قائمة جديدة للتصفح تسمح للزوار بالبحث عن معلومات تمويل الانتخابات بحسب اسم المرشح والموقع الجغرافي أو ضمن الإدارات التنفيذية والتشريعية في الحكومة.

وينصح فريق “18 إف” المدن الراغبة في تطوير مواقعها على الإنترنت بعدم الاكتفاء بجمع تعليقات الجمهور، وإنما جمع آراء مُمَثِلة للسكان، هو أمر يُمكن إتمامه بتكلفة ميسورة وفي أغلب الأحيان دون الحاجة إلى خوارزميات مُتقدمة أو تحليلات المشروعات، ويتحقق ذلك من خلال أدوات مثل “تحليلات جوجل” ورسائل البريد الإلكتروني، وتسجيل الملاحظات البسيطة ومراجعتها.

ثالثًا: مُشاركة المجتمع

يُمكن في هذا الشأن النظر إلى تجربة مدينة ويست كارولتون في ولاية أوهايو، وهي لا تُعادل مدنًا مثل نيويورك أو شيكاغو أو سان فرانسيسكو من ناحية إمكانات تكنولوجيا المعلومات أو السكان، ويبلغ عدد سكانها نحو ثلاثة عشر ألف نسمة.

ولذلك حين قرر المسؤولون تطوير موقع المدينة اتجهوا إلى الاختبارات التجريبية كوسيلة لكسب دعم المجتمع المحلي ومشاركته. وقالت مُنسقة العلاقات العامة في المدينة، إريكا ماتينجلي، أن إعادة التصميم جاءت بإرشاد من شركة “براود سيتي” ProudCity الناشئة المثتخصصة في تكنولوجيا القطاع الحكومي.

واقتصر الإطلاق التجريبي لموقع ويست كارولتون على أسبوعين فقط، وخلالها اكتشف فريق التصميم من المدينة والشركة عددًا مُثيرًا للدهشة من الإصلاحات والتعديلات اللازمة، بحسب ماتينجلي. وأتاحت هذه الطريقة للمواطنين وغيرهم من المستخدمين تقديم ملاحظاتهم واقترحاتهم للتحسين طالت جوانب ربما لم تطرأ على ذهن فريق العمل في المقام الأول.

ونشرت المدينة رابطًا للموقع التجريبي في النسخة الأقدم لاستقبال التعليقات، كما تواصلت إدارتها مع الأطراف المعنية لاستطلاع آرائها. وأثمرت التجربة تحسينات تقنية على الأيقونات والمحتوى ومصطلحات البحث، لكن الأمر الأكثر أهمية كان إيجاد نوع من قبول أفراد المجتمع بعدما رأوا مقترحاتهم تتحول إلى تحديثات ملموسة للموقع.

المصدر

مصدر الصورة