ثماني أسئلة عن القيادة وإجاباتها

على الرغم من قِدم الدراسات الخاصة بالقيادة، إلا أن أهم نتائجها تظل غير مألوفة للكثيرين ولاسيما المسؤولين عن تقييم القادة واختيارهم. وتُسبب الهوة الواسعة بين التحليل العلمي للقيادة والممارسة العملية لها خسائر فادحة في الإنتاجية والعائدات.

وتنتشر مشاعر عدم ثقة الموظفين في قياداتهم، ويترك كثير من الموظفين أعمالهم بسبب سلوكيات المديرين. وترتفع نسب السلوكيات الخاطئة وغير الأخلاقية والضارة بالعمل بين القيادات، الأمر الذي يُفاقم خسائر المؤسسات بمختلف فئاتها. ويرجع جانب من المشكلة إلى تضارب الكثير من الأفكار الشائعة حول القيادة مع الأدلة العلمية. ومثلًا من الشائع الاعتقاد بأن القيادة تعتمد على طبيعة الموقف، وبالتالي يصعب التنبؤ بقدرة الشخص على أن يصير قائدًا جيدًا أو العكس، كما يؤمن البعض بقدرة جميع الأشخاص على القيادة.

وفي الواقع تزيد احتمالات تولي البعض للمهام القيادية بغض النظر عن السياق والظروف أكثر من غيرهم، وتُساعد أدوات علم النفس في قياس هذه الاحتمالات. وفي السطور التالية ثماني أسئلة حول القيادة وإجاباتها استنادًا على نتائج الأبحاث العلمية.

1. من يستطيع أن يصير قائدًا؟

على الرغم من اختلاف فئات القادة وأساليبهم، إلا أن هناك بعض السمات الشخصية التي تُدلل على زيادة فرص الشخص في أن يُصبح قائدًا، ومنها القدرة على التكيف والتعامل مع المشكلات والمهارات الاجتماعية والطموح وحب المعرفة. ويُضاف إليها ارتفاع القدرات المعرفية أو نسبة الذكاء. وبطبيعة الحال لا يضمن التمتع بهذه الصفات نجاح القائد أو كفاءته.

2. ما هي السمات الجوهرية للقادة الأكفاء؟

يُعد أداء الفريق أو المؤسسة ولاسيما عند مقارنته بالمنافسين أهم مقياس لكفاءة القائد، ويستطيع القادة الأكفاء توفير الظروف المُلائمة للتفوق على المنافسين. ويتمتع أفضل القادة بمستويات مرتفعة من النزاهة تُمكنهم من تأسيس ثقافة عمل مُنصفة وعادلة، كما يتسمون بقدرٍ أكبر من الذكاء العاطفي يُتيح لهم الاحتفاظ بالهدوء وسط الضغوط والمشكلات، بالإضافة إلى مهارات أفضل للتواصل مثل التعاطف والتعاون والاستماع وحل المشكلات. وفي المُقابل تزيد احتمالات تصرف القادة النرجسيين، الذين يُبالغون في التركيز على أهميتهم الشخصية، بطرقٍ غير أخلاقية تضر العمل.

3. كيف تختلف أساليب القيادة؟

تتباين طريقة القيادة بين شخص وآخر استنادًا إلى طبيعة شخصيته، ويتجه القادة الطموحون للتركيز على ريادة الأعمال والابتكار، في حين يُركز القادة الذين يتسمون بالحساسية والمهارات الاجتماعية والتطلع للمعرفة على جاذبيتهم الشخصية أو الكاريزما، لكن أحيانًا ما تعكس الكاريزما صفات سلبية مثل النرجسية والاضطرابات النفسية.

وأبرزت دراسات اختلاف أسلوب القيادة بين الجنسين؛ فيميل الرجال لاتباع أسلوب القيادة التبادلية الذي يهتم بالإشراف والتنظيم وتحديد المكافآت والعقوبات، في حين تُفضل النساء أسلوب القيادة التحويلية من خلال التحفيز والمشاركة الجماعية ووضع مُثل أخلاقية. ومن الصحيح النظر إلى تأثير النوع كمُتغير نفسي مُنتشر بين الرجال والنساء بغض النظر عن الجنس البيولوجي.

4. هل القادة نتاج العوامل الوراثية أم البيئة؟

تُشبه القيادة أي نمط آخر للسلوكيات البشرية، وتُعد نتاج التأثيرات الوراثية والبيئية معًا. وتُشير تقديرات إلى أن ما بين 30 إلى 60% من السمات الشخصية التي تُشكل القيادة موروثة. ولا يُقلل هذا من أهمية التنشئة؛ وتتأثر السمات الموروثة الأخرى مثل الطول والوزن بالعوامل البيئية. وبينما لا تُوجد وصفة واضحة لتوفير الظروف المواتية لتنشئة القادة، تُفيد التدريبات جيدة التصميم في تعزيز المهارات المهمة للقيادة بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30%.

5. ما هو دور الثقافة؟

تُعد الثقافة عاملًا محوريًا في زيادة مشاركة الموظفين وتحسين أدائهم، لكنها ليست هدفًا للقيادة، وإنما نتيجة لها. وباستطاعة القادة وضع القواعد الصريحة والضمنية لتفاعل فريق العمل، وتُؤثر هذه القواعد على الحالة المعنوية والإنتاجية، وترتفع كفاءة المؤسسات حين تتوافق قيمها مع قيم القيادة والموظفين.

6. متى يُمكن التنبؤ بالقدرة على القيادة؟

نظرًا لاعتماد القيادة على الجانب الوراثي والتجارب في قترة الطفولة المُبكرة، فمن الممكن التنبؤ بإمكانات القيادة في سن مُبكرة، بغض النظر عن النقاش المهم حول مدى قانونية أو أخلاقية القيام بذلك. ويُمكن قياس أكثر المؤشرات شيوعًا لتقييم قدرات القيادة خلال الطفولة ومنها الإنجاز التعليمي والذكاء العاطفي والطموح ونسبة الذكاء.

7. هل تتأثر القيادة بالنوع؟

في الواقع يُؤثر النوع بدرجة أقل مما يبدو للوهلة الأولى، وترتبط ارتفاع نسبة الذكور بين القادة بعوامل اجتماعية مثل الفرص والثقافة والتوقعات العامة أكثر من الفروق الفعلية بين الجنسين فيما يخص القدرة على القيادة، وهي اختلافات غير موجودة تقريبًا.

وخلصت بعض الدراسات إلى تفوق النساء في المواقع القيادية عن الرجال، ويُمكن تفسير ذلك بأن معايير إسناد المناصب القيادة للنساء أعلى من معايير إسنادها للرجال. ويكمن حل مشكلة الفجوة بين الجنسين في اختيار القيادات بناءً على الكفاءات الفعلية.

8. لماذا يفشل القادة؟

لا يُمكن غض الطرف عن النتائج غير المرغوبة والضارة لعمل بعض القادة، ولا تحدث بسبب افتقارهم إلى سمات إيجابية، وإنما بسبب جمعهم بين الصفات الإيجابية والسلبية في آنٍ واحد كالبراعة التقنية والميل للتدمير الذاتي. ولذلك من الضروري أن تكتشف برامج تطوير القيادات والتدريب التنفيذي مواطن الضعف لدى القادة وتُساعدهم في السيطرة عليها.

ربما يُشكك البعض في صحة هذه الأفكار في ظل التغير التكنولوجي غير المسبوق. وفي الواقع لا تزال هذه النتائج صحيحة؛ إذ أن القيادة البشرية تطورت على مدار ملايين السنين وسمحت للبشر بالعيش في مجموعات، وبالتالي من المُستبعد تغير أسسها الجوهرية.

ومع ذلك، ستختلف الصفات والقدرات التي تسمح للقادة بالتكيف مع المتغيرات بين سياق وآخر. وكما فاقت أهمية القوة البدنية القدرات الفكرية في الماضي، تتأكد اليوم أهمية مهارات مثل التعاطف والإبداع في عالمٍ يتنامى اعتماده على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وأخيرًا لا يحتاج العالم إلى تطوير علم القيادة من أجل تحسين ممارساتها في الواقع، وإنما يحتاج إلى تطبيق ما يعرفه بالفعل عن الأسس العلمية للقيادة.

المصدر

الصورة