حكومات تتبنى مبادئ وادي السيليكون لإصلاح خدماتها

للوهلة الأولى تبدو المؤسسات الحكومية بهياكلها البيروقراطية مختلفة تمامًا عن الشركات الناشئة بأساليبها المرنة؛ فالحكومات ضخمة وبطيئة الحركة في حين تتخذ الشركات الناشئة قرارات سريعة، وتُقاوم المؤسسات الحكومية الفشل بينما تتقبله الشركات الناشئة كجزءٍ من تطورها ونجاحها، وتتجنب الأولى التغييرات وفي المُقابل تسعى الشركات الناشئة إلى الابتكارات التحويلية، ويُضاف إلى الاختلافات سلسلة طويلة من الإخفاقات الحكومية في إدارة مشروعات تكنولوجيا المعلومات.

ومع ذلك، يبدو أن العالمين يتقاربان بفعل التغير السريع في التكنولوجيا وتبدل احتياجات المستخدمين وتوقعاتهم من الخدمات الحكومية، الأمر الذي يُحتم على الحكومات مواكبة التطور وتحديث خدماتها، وبذلك تتفق مع الشركات الناشئة في السعي المُتواصل نحو تحسين تجربة المستخدمين.

وتُقبِل الكثير من الحكومات على إنشاء مؤسسات رقمية لإصلاح الخدمات العامة وتُطبق فيها مبادئ شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون وأساليب الشركات الناشئة. ومن بين النماذج الأولى إطلاق الحكومة البريطانية في عام 2011 “خدمة الحكومة الرقمية” وموقع Gov.uk الذي يجمع مختلف المواقع الحكومية.

وسعت حكومات أخرى لمُحاكاة النموذج ذاته؛ وفي عام 2014 أسست الولايات المتحدة “الخدمة الرقمية للولايات المتحدة” التي تعتمد أسلوب الشركات الناشئة ضمن البيت الأبيض، وفي العام الماضي بدأ عمل “مكتب التحول الرقمي” في أستراليا، وشهد شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي تأسيس مؤسسة “جوف تك” GovTech التابعة لحكومة سنغافورة.

وتختلف تجربة سنغافورة عن غيرها؛ فمن ناحية تتفوق مؤسسة “جوف تِك” من ناحية الحجم وتضم 1800 موظفًا في مُقابل نحو سبعين موظفًا يعملون في “مكتب التحول الرقمي” الأسترالي، وتعمل بطريقة مركزية؛ إذ أن حكومة سنغافورة تتألف من مستوى واحد، ووُلدت “جوف تِك” من اندماج إدارتين وتُدير جميع مشروعات التكنولوجيا الحكومية.

وقالت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة “جوف تك”، جاكلين بوه، أن الحجم الكبير للمؤسسة لم يمنعها من اعتماد ممارسات العمل الرشيق والمرن على غرار شركات التكنولوجيا الناشئة. ويعمل فيها مجموعات من مهندسي البرمجيات والمصممين وعلماء البيانات وخبراء تجربة المستخدم في مُسّرعات رقمية ويتقاسمون مكان العمل لتشجيع التعاون وتسريع وتيرة الابتكار.

وتتمتع “جوف تك” بصلاحيات ومسؤوليات تفوق المؤسسات المُماثلة في دولٍ أخرى. وعلاوةً على دورها في تغيير أساليب تقديم الخدمات العامة بالاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات، كُلفت بتطوير مجالات أخرى. وتسعى إلى توفير تطبيقات تستخلص المعلومات من البيانات الحكومية وأجهزة الاستشعار الذكية ونظم المعلومات الجغرافية المكانية.

وأوضحت بوه أن المؤسسة تبحث الاستفادة من تقنيات تطبيقية لتحسين الرعاية الصحية والتخطيط الحضري ضمن مبادرة “أمة ذكية” التي أطلقتها حكومة سنغافورة في عام 2014، وتُشجع التعاون بين الحكومة والمواطنين والشركات لتحسين الحياة اليومية بواسطة التكنولوجيا. وتسعى “جوف تك” لتبسيط تبادل البيانات بين مؤسسات القطاع الخاص فيما بينها ومع الحكومة.

وقال بول شلتر، الرئيس التنفيذي لمكتب التحول الرقمي في أستراليا، أن المؤسسات الحكومية حول العالم تتبادل المعرفة حول الابتكارات الجديدة، وأضاف أن أستراليا تُتابع عن كثب خطوات المملكة المتحدة والولايات المتحدة وإستونيا ونيوزيلندا وسنغافورة لتحديد الإجراءات الناجحة منها.

ويعتقد أستاذ الإعلام وسياسة المعلومات في “جامعة ولاية ميشيجان” الأمريكية، بيل دوتون، أن تغيير الخدمات الرقمية يتطلب دعمًا إداريًا من المستويات الأعلى إلى الأدنى، وثقة المؤسسة المركزية في الابتكارات التي تنبع من المستويات الفرعية، وهو أمر يصعب تحقيقه عمليًا.

وخلص تقرير نشره “معهد الحكومة” البريطاني الشهر الماضي إلى رأيٍ مُماثل. وقال التقرير الذي حمل عنوان “تحقيق النجاح في الحكومة الرقمية” أن تأسيس “خدمة الحكومة الرقمية” في المملكة المتحدة أثار الكثير من النزاعات ومقاومة التغيير وجمع بين الإخفاق والنجاح. وأرجع ذلك إلى الأسلوب التقليدي في تنفيذ المشروعات. وتُقر بوه بوجود تحديات ترتبط بالثقافة السائدة في العمل الحكومي، لكنها تثق بدعم الإرادة السياسية للتغيير، وترى أن نموذج “جوف تك” قد يتحول إلى عامل مُساعد للتغيير الرقمي التحويلي.

المصدر والصورة