حلول رقمية لمشكلات تعريف الهوية

باتت التعريفات الرقمية للهوية الشخصية جزءًا رئيسيًا من الحياة الحديثة من خلال جوازات السفر الإلكترونية والسجلات الصحية الرقمية وخدمات الدفع عبر الهواتف، لكنها جميعًا تُوفر طرقًا أسرع وأيسر وأكثر ذكاءً لخدمات مُتاحة بالفعل.

ويختلف الحال في البلدان النامية، وبمقدور تكنولوجيا الهوية الرقمية أن تُحدِث فيها تأثيرًا عميقًا على حياة السكان من خلال تمكينهم من الحصول على خدمات بالغة الأهمية للمرة الأولى، ولذلك تتطلع إليها الأنظار للمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ومنها توفير جميع الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، والبالغ عددها 193 دولة، لكل فرد من سكانها شكلًا قانونيًا لتعريف الهوية بحلول عام 2030؛ من أجل حماية حقوق المهمشين والمحرومين وإتاحة حصولهم على خدمات مثل التعليم والرعاية الصحية وتمكينهم من التصويت في الانتخابات.

وفي الدول الفقيرة تعيش أعداد كبيرة من السكان بعيدًا عن السجلات الرسمية التقليدية المُعتمدة على الأوراق، ولا تُسجل المواليد والوفيات والزيجات. وفي الواقع يفتقر طفل من بين كل ثلاثة أطفال تحت سن الخامسة إلى أي وجود رسمي بسبب عدم تسجيل ميلادهم.

وحتى حين يُسجل الميلاد لا يحصل كثيرون على إثبات رسمي أو شهادات ميلاد، وهو أمر قد تستمر أضراره طيلة حياة الأطفال ويُعرضهم للإهمال وإساءة المعاملة. ويُؤكد ذلك على الحاجة إلى حلٍ جذري وتقنيات للهوية الرقمية جديدة وميسورة التكلفة، تُلائم فقر الموارد مثل عدم توافر الكهرباء، وتصلح للجميع من سكان المناطق الريفية النائية إلى الأحياء الفقيرة في المدن.

وبدأ تطوير هذه التقنيات بالفعل كجزءٍ من جهود تحصين الأطفال في تجارب محدودة النطاق في أفريقيا وآسيا، وأسهمت في حصول 86% من الأطفال حاليًا على تطعيمات منتظمة وتلقي ثلاث جرعات من التطعيم ضد الديفتيريا والسعال الديكي والتيتانوس، وهو أمر يُبرز فوائد نشرها على نطاقٍ أوسع. وصُممت هذه الأنظمة أصلًا لمساعدة “منظمة الصحة العالمية” و”منظمة الأمم المتحدة للطفولة” وتحالف اللقاحات “جافي” على تجاوز الفجوة الحالية بعدم حصول طفل من كل سبعة أطفال قي العالم على التحصينات اللازمة.

ومنها “ماي تشيلد” MyChild الذي يُساعد البلدان في التحول من السجلات الورقية إلى الرقمية، ويبدو للوهلة الأولى شبيهًا بدفتر ورقي عادي يتضمن معلومات عن اللقاحات التي حصل عليها كل طفل وأدوية التخلص من الديدان والمكملات الغذائية، لكن يشمل كل دفتر رقم هوية فريد وقصاصات ورقية تُجمع ويجري مسحها ضوئيًا لاحقًا.

ويعني ذلك أنه حتى عند عدم تسجيل ميلاد الطفل، سيصحبه رقم الهوية المُميز خلال فترة الطفولة. وطورت النظام شركة “شيفو” Shifo السويدية الناشئة، واسُتخدم لتسجيل أكثر من 95 ألف رضيع في جامبيا وأفغانستان وأوغندا، وأتاح للعاملين في مجال الرعاية الصحية متابعة الأطفال شخصيًا أو تذكير الآباء بواسطة الرسائل النصية.

"خوشي بيبي"

يتضمن نظام “خوشي بيبي” قلادات إلكترونية للأطفال تحمل رقاقة بتكنولوجيا “الاتصال قريب المدى” ويستطيع العاملون في الرعاية الصحية مسحها بالهواتف المحمولة لتحديث البيانات

ومن بين الأنظمة الأخرى “خوشي بيبي” Khushi Baby، وهو نظام رقمي كليًا يمنح كل طفل قلادة رقمية تحوي رقمًا فريدًا لتعريف الهوية وتستخدم تكنولوجيا “الاتصال قريب المدى”. ويستطيع العاملون في مجال الرعاية الصحية المحلية قراءة البيانات المسجلة وتحديثها بواسطة الهواتف المحمولة. ونُفذت تجارب في ولاية راجاستان الهندية لمُتابعة أكثر من 15 ألف حملة تطعيم.

وتبحث منظمة ID2020 كيفية الاستفادة من تكنولوجيا “بلوك تشين” لتوفير هوية فريدة. وتعتمد بعض الحلول الرقمية الأخرى على المقاييس الحيوية أو البيومترية (اقرأ أيضًا من الهند: مشروع لبناء أكبر قاعدة بيانات للمعلومات البيومترية).

وتبدو هذه الحلول أكثر تقدمًا من الإمكانات المُتاحة، لكنها لن تكون المرة الأولى التي تنجح فيها الدول النامية في تخطي نقص البنية التحتية التقليدية والقفز مباشرة إلى التكنولوجيا الحديثة كما حدث مع انتشار الهواتف المحمولة في أفريقيا وتفوقها على الخطوط الهاتفية الثابتة، ومع شعبية الخدمات المالية عبر المحمول مثل “إم-بيسا” في كينيا التي تشهد تداول 44% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وبطبيعة الحال لا يخلو استخدام التكنولوجيا الرقمية لتعريف الهوية من مخاطر أهمها مستويات الأمن والموثوقية والخصوصية، لكن بالنظر إلى منافعها المحتملة يُمكنها إنقاذ الملايين من الأطفال الأكثر عرضة للخطر، وإظهار وجودهم في العالمين الرقمي والحقيقي.

المصدر

الصور: 1 2