خطة إدارة أوباما حول مستقبل الذكاء الاصطناعي

في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2016 نشر المكتب التنفيذي للرئيس الأمريكي باراك أوباما تقريرين يعرضان خطط إدارته لمستقبل الذكاء الاصطناعي تحت اسم “الخطة الاستراتيجية الوطنية للأبحاث والتطوير في الذكاء الاصطناعي” و“الاستعداد لمستقبل الذكاء الاصطناعي”.

وتلفت سرعة إعداد التقريرين، قياسًا بالمعايير الحكومية، إلى رؤية إدارة أوباما للذكاء الاصطناعي كأولوية ملحة؛ فخلال سنة أشهر فقط حددت الحكومة الموضوع وجمعت المساهمين الرئيسيين وتوصلت إلى خطة وطنية حول الذكاء الاصطناعي. وفي السطور التالية عرض لبعض خلاصات التقريرين وما لهما من تأثير على سياسة التكنولوجيا والابتكار في الولايات المتحدة على المدى الطويل.

  • الحكومة الأمريكية لا تستهدف الذكاء العام الاصطناعي أو القوي

لم تتناول خطة الحكومة الأمريكية الذكاء العام الاصطناعي Artificial General Intelligence، ويُطلق عليه أيضًا الذكاء الاصطناعي القوي أو الكامل، وعرفه التقريران بوصفه مستقبل نظري لأنظمة ذكاء الاصطناعي تتمتع بسلوكيات ذكية تُساوي على الأقل أداء الإنسان في المهام المعرفية. وترى الخطة أن السياسات الحالية لاينبغي أن تتأثر بطموحات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي مستقبلًا لثلاثة أسباب:

  1. يعتقد كثيرٌ من الخبراء أن الذكاء العام الاصطناعي ليس خيارًا مُمكنًا على المدى القصير أو المتوسط.
  2. يرى المؤلفون أن معالجة تحديات الذكاء الاصطناعي المحدود المستخدم حاليًا مثل الأمن والخصوصية أفضل سبيل للاستعداد للذكاء العام الاصطناعي. ويُوظف الذكاء الاصطناعي المحدود أو التطبيقي البرمجيات لحل المشكلات وتنفيذ بعض المهام المعرفية.
  3. التوصيات الخاصة بالذكاء العام الاصطناعي غير معروفة وربما تتعارض مع تلك الخاصة بالذكاء الاصطناعي الضيق الأكثر وضوحًا وذات التأثيرات الاقتصادية المباشرة.

ويُناقض هذا التوجه آراء مؤسسات بحثية تُركز على الذكاء العام الاصطناعي مثل “معهد مستقبل الحياة” التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا و”معهد مستقبل الإنسانية” في “جامعة أوكسفورد” وغيرهما.

  • الأهمية العلمية والاقتصادية للذكاء الاصطناعي

تُقدِّر إدارة أوباما الإمكانات الاقتصادية الهائلة للذكاء الاصطناعي، ولذلك ضمت اللجنة الفرعية التابعة للمجلس الوطني للعلوم والتكنولوجيا التي أسهمت في إعداد التقريرين ممثلين من وزارات التجارة والخزانة والنقل والطاقة إلى جانب الدفاع والاستخبارات.

وفي تقرير آخر عن الفرص التي يُوفرها الذكاء الاصطناعي وتحدياته، كتب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين لأوباما، جيسون فورمان: “أكبر مخاوفي حيال الذكاء الاصطناعي أنه لن يكون لدينا القدر الكافي منه وحاجتنا إلى بذل المزيد من الجهد”.

وأكد أوباما لاحقًا هذا الرأي بقوله: “لا يزال التشبيه الذي نستخدمه للدلالة على إنجاز تكنولوجي عظيم، حتى بعد مضي خمسين عامًا، هو Moonhot (أي إرسال مركبة إلى القمر)، وذكرني شخص أن برنامج الفضاء استحوذ على 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك لا يبدو كثيرًا، وسيُساوي اليوم إنفاق ثمانين مليار دولار سنويًا على الذكاء الاصطناعي”.

  • ضرورة زيادة أعداد المتخصصين في الذكاء الاصطناعي ورفع كفاءتهم

يتحقق تطوير الكفاءات البشرية عبر  طريقين؛ أولهما تدريب الطلاب داخل الولايات المتحدة، والثاني اجتذاب كفاءات من خارج البلاد. ولم يُحدد أيٌ من التقريرين مدى أهمية كل طريق، وهو أمر يعتمد على الوقت اللازم لتطوير الكفاءات المحلية، وتُيسر مصادر حديثة خوض مجال الذكاء الصطناعي مثل الدورات التعليمية المفتوحة عبر الإنترنت والبرمجيات مفتوحة المصدر (اقرأ أيضًا: استخدام تعلم الآلة لم يعد حكرًا على الخبراء). لكن تطوير مستوى أرقى من الخبرة لإجراء أبحاث والتوصل لاكتشافات مهمة سيستغرق وقتًا أطول، وسيحتاج على الأرجح إلى توظيف كفاءات بحثية أجنبية.

  • غياب الرؤية الواضحة حول تمويل الأبحاث

اعترف تقرير “الاستعداد لمستقبل الذكاء الاصطناعي” بإقبال القطاع الخاص على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وبوتيرة سريعة، ولفت إلى أهمية توجيه الحكومة مواردها إلى فروع الذكاء االاصطناعي التي لا تحظى بنصيبٍ كبير من اهتمام القطاع الخاص، دون أن يُحدد الموضوعات البحثية التجارية وتلك التي تتطلب استثمارًا حكوميًا. وقد يرجع ذلك إلى صعوبة التنبؤ بمجالات الأبحاث التي لا تُبشر بمنافع تجارية فورية أو في إطار زمني معقول. وفي الوقت الراهن لا يتضح الخط الفاصل بين أبحاث الذكاء الاصطناعي الأساسية التي تُؤثر في مستقبل التكنولوجيا والأبحاث التطبيقية العملية.

  • التأثير المزدوج للتنظيم القانوني على تطور الذكاء الاصطناعي

لم تعد التكنولوجيا العائق الوحيد أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في منتجات وخدمات مفيدة للمجتمع، وصار التنظيم القانوني مشكلة أساسية أمام تقنيات مثل السيارات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار. وبينما تُهدد طريقة التنظيم القانوني بزيادة تكاليف الالتزام بالقانون أو إبطاء تطوير ابتكارات مفيدة، فإن القواعد الجيدة قد تُسّرع وتيرة الابتكار واتجاهه من خلال حوافز تُوجه القطاع الخاص نحو استثمارات نافعة. ومثلًا قد تعزز اللوائح الخاصة بالشفافية إخضاع تطبيقات الذكاء الاصطناعي للقوانين حال اشترطت تفسير اقتراحها لعلاج يختلف عما يوصي به الأطباء البشر.

  • الذكاء الاصطناعي يُحسّن أداء الحكومة لمهامها

بمقدور الحكومة توظيف الذكاء الاصطناعي لتقديم خدمات أسرع وأكثر فعالية أقل تكلفة من إصدار تراخيص قيادة السيارات إلى أمور أكثر تعقيدًا مثل الأمن الإلكتروني وأنظمة التسليح. وسيكون الذكاء الاصطناعي مجالًا للمنافسة والتفاضل بين الحكومات الاتحادية والمحلية، وستستفيد المؤسسات التي تستثمر في هذا المجال أولًا من تحسين الإنتاجية واكتشاف منافع إضافية للذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات، وفي الوقت نفسه قد تتكبد تكاليف التجارب الأولى واستخدام تقنيات لم تُختبر بالقدر الكافي.

  • ريادة الصين في الذكاء الاصطناعي

على مدار السنوات الأربعة الماضية رفعت الولايات المتحدة والصين إنتاجهما من أبحاث الذكاء الاصطناعي أكثر من البلدان الأخرى، وشغلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى عالميًا، لكن تغير الحال خلال العامين الأخيرين بتفوق الصين استنادًا إلى عدد الأبحاث العلمية.

وعلى الرغم من إبراز تقرير “الخطة الاستراتيجية الوطنية للأبحاث والتطوير الذكاء الاصطناعي” بوضوح لأهمية الذكاء الاصطناعي، إلا أن صعود الصين وتأثيره على المنافسة في الأبحاث ورأس المال البشري لم يشغل سوى عبارة واحدة تطرقت إلى الاهتمام العالمي بأبحاث الذكاء الاصطناعي وتراجع الولايات المتحدة عن تصدر الدول في عدد الأبحاث العلمية.

إسهام الدول في أبحاث التعلم العميق

يعرض الرسم عدد الأبحاث العلمية التي تضمنت ذكرًا للتعلم العميق أو الشبكات العصبية العميقة بحسب الدول، وفي عاميّ 2014 و2015 تجاوزت الصين الولايات المتحدة لتحتل المرتبة الأولى عالميًا

ويُعبر ذلك عن تناقض واضح بين رسوم عرضت تفوق الصين ونص لم يأتي على ذكر الصين ولو مرة واحدة في كلا التقريرين. وربما اعتبر المؤلفون أن البيانات ليست مقياسًا دقيقًا للأبحاث المهمة، أو لم يرغبوا في لفت الانتباه العام إلى السعي لتوظيف أهم المتخصصين في أبحاث الذكاء الاصطناعي من خارج البلاد.

وتُدرك الصين أهمية التكنولوجيا الجديدة والابتكار لمستقبلها. وقال روبن لي، مؤسس شركة “بايدو” التي تمتلك أكثر محركات البحث على الإنترنت شعبيةً في الصين: “حين يبزغ عصر الذكاء الاصطناعي سيصبح (إنترنت الأشياء) سوقًا كبيرًا ويُغير الصناعة تمامًا. أعتقد أن جميع عمليات التصنيع في المستقبل ستصير جزءًا من الذكاء الاصطناعي، وتُعد الصين عملاقًا في التصنيع. وأرى أننا بحاجة إلى الاهتمام الحقيقي بتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي”.

المصدر

الصورة