#خلوها_تخيس و#طلعت_ريحتكم: الإعلام الاجتماعي أداة للاحتجاج والتغيير

ربما لا يختلف كثيرون على دور الإعلام الاجتماعي في تيسير الاتصالات والتدفق السريع للمعلومات بين الأفراد وضمن المجتمعات وكذلك بين المجتمعات المحلية والعالم، وتوفيره المجال لنشر الرسائل الشخصية والعامة على نطاقٍ واسع وبسرعة كبيرة تتجاوز وسائل الإعلام الأخرى، وحتى شبكة الإنترنت عمومًا.

وتتمثل إحدى أهم خصائص الإعلام الاجتماعي في قدرته على تغيير موازين القوى وتحويلها نسبيًا من المراكز التقليدية مثل الحكومات والشركات إلى المواطن الفرد، كما يُسهل اجتماع المواطنين حول غاية اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها والدفاع عنها.

وعلى سبيل المثال، تُؤثر آراء المستهلكين في المنتجات والخدمات وما يُشاركونه في خدمات الإعلام الاجتماعي على القرارات الشرائية لغيرهم وبالتالي على نجاح الشركات، ما دفع بعضها للاهتمام البالغ بتمثيلها في الإعلام الاجتماعي واجتهادها في التعامل مع الشكاوى مُبكرًا، وصولًا إلى الاستعانة بمشاركين مؤثرين كنوع جديد من الدعاية إلى جانب الميزانيات الطائلة التي تُخصص للإعلانات.

وعلى مستوى أكثر أهمية، وجدت حكومات عديدة حول العالم نفسها في مواجهة تطور قدرات المواطنين على التعبير الفوري عن آرائهم في مختلف القضايا، والتظاهر الإلكتروني الذي قد ينتقل سريعًا إلى الشارع، والاحتجاج على غلاء السلع أو سوء الخدمات الأمر الذي قد يتحول إلى معارضة منظمة وحملات يُديرها مئات وربما آلاف من المتطوعين خلال ساعات، ودون أن يعرفوا بعضهم بعضًا.

ودفع ذلك بعض الحكومات للاستعانة بالسلاح نفسه في التواصل مع المواطنين وحل المشكلات المحلية، كما ظهر في تجارب دول استعانت بالتطبيقات الذكية لتسهيل إبلاغ المواطنين عن حوادث الفساد ودفع الرشى، ومشكلات مثل القمامة والمياه الراكدة في الشوارع.

ولعل أحدث الأمثلة على قوة وسائل الإعلام الاجتماعي ما نشهده هذه الأيام في بلدين عربيين هما الكويت ولبنان حيث يشهد البلدان حملتين تختلفان في الأسباب والدوافع ولكنها تتفقان في توظيف المواطنين لأدوات الإعلام الاجتماعي من أجل التأثير وإحداث التغيير في على الأرض.

#خلوها_تخيس

في الثاني والعشرين من أغسطس/آب انطلقت في الكويت حملة باسم #خلوها_تخيس أي “دعوها تفسد” في “تويتر” احتجاجًا على غلاء أسعار الأسماك، وقادها حساب moqat3@ الذي يُعرف عن نفسه بمجموعة من الشباب الكويتين المتطوعين، ووصل عدد التغريدات المُشاركة نحو 121 ألف تغريدة، غلبت عليها مشاركة الذكور بنسبة 64%. كما شهدت الحملة مُشاركة مستخدمين في “فيسبوك” و”إنستجرام” بمعدل أقل.

واعتمدت الحملة على سلاح المقاطعة القديم، لتقوم مُؤقتًا بمهمة هيئات الدفاع عن حقوق المستهلكين، وشارك عشرات المغردين بالتقاط الصور والفيديو من داخل سوق الأسماك في الكويت وخارجها والمقارنة بين الأسعار.

ونجحت الحملة خلال يومين في خفض أسعار الأسماك إلى النصف، وتراجع الإقبال على سوق الأسماك وربما ساعدها طبيعة الأسماك القابلة للفساد سريعًا، كما دعت “خلوها تخيس” إلى مشاركة المطاعم باعتبارها تُعاني مثل المواطنين من غلاء الأسماك.

ووصلت أصداء الحملة إلى أعضاء مجلس النواب الكويتي، ورأى بعضهم في حملة “خلوها تخيس” دلالة على إخفاق الحكومة في القيام بمسؤولياتها في مراقبة الأسعار ومواجهة الأسباب الغلاء المختلفة كارتفاع تكاليف الإيجار في الأسواق، ما دفع المواطنين إلى المقاطعة للحد من الغلاء ومواجهة الجشع.

ولاقت “خلوها نخيس” مشاركة وترحيبًا من المغردين في دول الخليج عمومًا، كما حظيت باهتمام وسائل الإعلام كما في تغريدة الشيخ عادل الكلباني من السعودية:

وشجع نجاح الحملة المشاركين الكويتين على التلويح بمدها إلى سلع أخرى مثل الخضروات والفواكه والألبان وغيرها، كما دفع نجاحها “شركة نقل وتجارة المواشي” في الكويت إلى خفض أسعار الخراف الأسترالية تفاديًا لاتجاه التجار رفع أسعار اللحوم.

وكما أشرنا في بداية المقال، تمثل الحملة مثالاً على الدور الذي يمكن أن يقوم به المواطن في تعديل الممارسات السالبة في مجتمعه كما في تغريدة د. شبيب الزعبي من الكويت:

#طلعت_ريحتكم

إلى لبنان حيث بدأت قصة #طلعت_ريحتكم في شهر يوليو/تموز الماضي بعد الإعلان عن إغلاق مكب نفايات “الناعمة” في السابع عشر من الشهر ذاته، وعلى مدار ثمانية عشر عامًا مثل المكب الذي يقع جنوبي العاصمة اللبنانية بيروت الوجهة الأساسية التي تنتهي إليها نفايات المدينة.

وطيلة هذه السنوات توسعت مساحة المطمر المُعد أصلًا لاستيعاب مليونيّ طن من النفايات على مدى عشر سنوات من نحو 120 ألف متر مربع ليصل إلى 297 ألف متر مربع ويستوعب أكثر من خمسة عشر مليون طن من النفايات، وواجه احتجاجات متكررة من أهالي المنطقة الذين اعتصموا ورفضوا أية محاولات لتمديد العمل به.

وبعدها عانت بيروت من تراكم أكوام النفايات في الشوارع والميادين مُعلنةً عن وجودها بمظهرٍ سيء، ورائحة نتنة، ومُهددة بمشكلات صحية أخطر ولاسيما مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف. الأمر الذي دفع اللبنانيين للاحتجاج على إخفاق الحكومة في التعامل مع أزمة النفايات رغم وعود وزير البيئة بتأمين مكبات بديلة خلال أسبوعين وهو ما لم يحدث، وألجأ البعض إلى حرقها أو نقلها إلى مكبات مؤقتة تهدد مناطق أخرى.

الصورة من جل الديب , قضاء المتن , الجمهورية اللبنانية . #طلعت_ريحتكم

Posted by ‎طلعت ريحتكم‎ on Monday, August 3, 2015

وتزايدت مشاركة المواطنين في الحملة التي اجتذبت أيضًا بعض الفنانين والسياسيين عبر مواقع الإعلام الاجتماعي ولاسيما “تويتر” الذي احتل فيه وسم #طلعت_ريحتكم قبل يومين مرتبة متقدمة بين الوسوم الأكثر نشاطًا عالميًا، واجتذب حتى لحظة كتابة المقال أكثر من 200 ألف تغريدة، كما تنشر صفحة “طلعت ريحتكم” في “فيسبوك” صور وأخبار الحملة والفاعليات المُساندة من المغتربين اللبنانيين.

وبعكس حملة “خلوها تخيس” في الكويت التي بقيت حتى الآن ضمن مواقع الإعلام الاجتماعي وركزت على هدفها الأساسي في مواجهة غلاء الأسماك والسلع الأخرى، انتقلت “طلعت ريحتكم” مبكرًا إلى الشوارع بعشرات المحتجين مطلع شهر أغسطس/آب وصولًا إلى آلاف المحتجين في تظاهرة السبت الماضي التي شهدت أحداث عنف وتفريق الشرطة للمحتجين بقنابل الغاز وخراطيم المياه، ما أسفر عن إصابة العشرات منهم، واعُتبرت مؤشرًا على انتعاش جديد لروح الاحتجاج في لبنان انطلاقًا من متطلبات معيشية هذه المرة.

وألغت مجموعة “طلعت ريحتكم” دعوتها للاعتصام أمس الاثنين معللةً ذلك بأسباب أمنية، وداعية إلى تظاهرة جديدة يوم السبت المُقبل. وتجاوزت الحركة مشكلة النفايات إلى مشاكل لبنان عمومًا ولاسيما الفساد والمطالبة باستقالة حكومة رئيس الوزراء تمام سلام، وإن لم تسلم النقاشات المحيطة بها من اتهامات بوقوف جهات حزبية خلفها، وأخرى بغياب تطورات واقعية للمرحلة التالية. ويرى كثير من المحللين في الاحتجاجات بسبب النفايات انعكاسًا للمشكلات التي يواجهها لبنان في مجال البنية التحتية، وتراكماً لأزمات مختلفة بقيت دون حل جذري لسنوات في ظل ميل الحكومات للحلول المؤقتة، ما ظهر في تكرار انقطاع الكهرباء وتراكم النفايات وسوء الخدمات. كما يرونها صورة للأزمات السياسية المتلاحقة والانقاسامات الداخلية في ظل نظام حكم يقوم على التقسيم الطائفي، وفشل البلاد في اختيار رئيس منذ استقالة ميشيل سليمان في مايو/أيار من العام الماضي.

مصدر الصورة