خمسة دروس لمحاربة الفساد من المكسيك

يُشكل الفساد عائقًا أمام جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الكثير من بلدان العالم، ويتضح ذلك في أغلب دول أمريكا اللاتينية. وفي مقابل وجود أطر قانونية قوية وأنظمة جنائية وإدارية وآليات للمراجعة والوقاية والتحقيق والعقوبات في كثيرٍ من دولها، يتسم تنفيذ القوانين بالضعف ويستمر الإفلات من العقاب، وتحتل الكثير من دول المنطقة المراتب الأخيرة في مؤشرات مثل “مدركات الفساد” و”سيادة القانون”. وتُقدم تجربة المكسيك في محاربة الفساد دروسًا واستراتيجيات نافعة لبقية بلدان المنطقة والعالم ومنها:

أولًا: الوقاية أهم من المحاكمات:

من الضروري الاهتمام بمنع الفساد قدر الاهتمام بمحاكمة الفاسدين وعقابهم، ويُقلل هذا الأسلوب من الخسائر المالية الناجمة عن الفساد ويتجنب صعوبات الملاحقات القضائية. وعلى سبيل المثال خلال تنفيذ المطار الدولي الجديد في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، وهو من نوعية المشروعات التي ترتفع فيها احتمالات الرشاوى، وضعت الحكومة تدابير احتياطية لصناعة التشييد والبناء سعيًا لتقديم نموذج لإدارة مشروعات البنية التحتية الضخمة. وتعاونت شركات البناء في إنشاء مرصد لمتابعة المشروعات، كما تسعى “مبادرة شفافية صناعة البناء” إلى وضع اتفاقات عملية جماعية.

ثانيًا: الاشتراك في وضع الحلول:

يُقيم التعاون بين القطاعين العام والخاص والمشاركة المدنية أساسًا قويًا للتغيير الشامل. ويتميز نظام مكافحة الفساد، الذي أقرته المكسيك مؤخرًا، بجمعه بين أدوار المجتمع المدني والشركات والحكومة، وكلف لجنة تتألف من خمسة مواطنين بالإشراف على الهيئات الحكومية المعنية بمكافحة الفساد، وتقود اللجنة حملة شعبية يدعمها أكثر من 600 ألف شخص للدفاع عن القوانين والإجراءات الجديدة لمحاربة الفساد.

وزادت هذه الإصلاحات فهم المواطنين للقضايا المتعلقة بالفساد وجعلت من المحاربة الحكومية للفساد دورًا أساسيًا للدولة. وتحتاج هذه الجهود إلى تجنب التسييس من طرف أو آخر والتأكد من تنفيذها ولاسيما على المستويات المحلية التي غالبًا ما ترتفع فيها نسب الفساد.

ثالثًا: إجراءات لمحاربة الفساد:

يعني ذلك وضع إجراءات فنية لمكافحة الفساد لا ترتبط بالسياسة، ومثلًا يُدرك البنك المركزي في المكسيك دوره في بناء الثقة مع المواطنين، ولذلك أنشأ عمليات حازمة للتوظيف، ويبحث دائمًا عن موظفين يتمتعون بالنزاهة، ويزور المسؤولون الموظفون المحتملون ويتحدثون إلى جيرانهم وأصدقائهم وأسرهم لتقييم مدى استقامتهم، ويسمح ذلك للبنك المركزي المكسيكي بتوظيف أفضل الكفاءات وضمان الشفافية المالية.

رابعًا: نشر الإيجابيات:

لا تُعد محاربة الفساد عملية سهلة بأية حال، ومن المهم نشر النتائج الإيجابية ليطلع عليها المواطنون ومسؤولو الحكومة. ولا تقتصر فوائد مكافحة الفساد على توفير قدر أكبر من الشفافية والمساءلة فقط، وإنما تزيد الكفاءة وتُعزز الاستفادة من الموارد الحالية؛ وبحسب تقديرات يُضيف الفساد 10% إلى تكلفة ممارسة الأعمال التجارية و25% إلى تكلفة التعاقدات الحكومية.

ويتضمن نشر الإيجابيات تسليط الضوء على النماذج الناجحة، وبمقدور الحكومات والشركات ومؤسسات المجتمع المدني التوصل إلى طرق مبتكرة للاحتفاء بالنزاهة مثل “جائزة إبراهيم للإنجاز في القيادة الأفريقية” التي تُمنح لرؤساء الدول والحكومات السابقين في أفريقيا المنتخبين ديمقراطيًا لتقديمهم نموذج مميز في الحكم الرشيد وخدمة شعوبهم والتداول الديمقراطي للسلطة، وكذلك مشروع “نموذج النزاهة” Integrity Idol، وهي حملة عالمية يديرها متطوعون في أكثر من دولة، يبحثون عن مسؤولين حكوميين يتمتعون بالنزاهة، ويقدمون عنهم أفلامًا ليختار مواطنو كل بلد الفائز الذي يتلقى تكريمًا، وتستهدف إطلاق النقاش حول المسؤولية والنزاهة.

خامسًا: البداية المبكرة من التعليم:

تقل أعمار 50% تقريبًا من سكان المكسيك عن خمسة وعشرين عامًا، ولذلك تعتبر الحكومة والشركات محاربة الفساد قضية بالغة التأثير في الأجيال المقبلة، وتهتم الحكومة بدور التعليم الرسمي وتسعى لدمج تدريس الأخلاقيات والمواطنة المسؤولة في المناهج الدراسية ابتداءً من المرحلة الابتدائية. وتُوجد في الولايات المتحدة مبادرات غير حكومية يُمكن لدولٍ أخرى الاستفادة منها مثل “iCivics” التي تُقدم ألعابًا تعليمية على الإنترنت لتشجيع الطلاب على أن يصيروا مواطنين فاعلين في مجتمعاتهم، و”Generation Citizen” لتمكين الشباب من المشاركة الفعّالة في المجتمع.

ويُواجه بناء الثقة والنزاهة الكثير من التحديات في أمريكا اللاتينية، لكن المكسيك تتخذ خطوات إيجابية، وتُحرز تقدمًا بفضل تنفيذ الحكومة للإصلاحات ومشاركة القطاع الخاص في تغيير السلوكيات، واضطلاع المجتمع المدني بدور مراقبة التقدم الجاري وتقييمه.

المصدر والصورة