دبلوماسية المدن تُحدِث تحولًا في إدارة السياسة الخارجية

تتجه الكثير من المدن والمحافظات والحكومات المحلية إلى تعزيز علاقاتها على الصعيد الدولي؛ انطلاقًا من إدراك إمكاناتها الاقتصادية ولمواجهة جمود العواصم المركزية. ويُنشئ ذلك ما يُطلَق عليه “الدبلوماسية الموازية” Paradiplomacy. وعلى الرغم من أنها ظاهرة قديمة، إلا أنها ازدادت وضوحًا عن ذي قبل.

وتُمثل المدن قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة، ومثلًا يتجاوز الناتج المحلي لمدينة نيويورك الأمريكية نظيره في أسبانيا أو كوريا الجنوبية، وتُعد ولاية ساو باولو البرازيلية أغنى من الأرجنتين وأوروجواي وباراجواي وبوليفيا مجتمعين، كما أن مقاطعة جواندونج الصينية أغنى من دولٍ مثل روسيا والمكسيك. ويجعل ذلك الدبلوماسية الموازية خطوة لا مفر منها.

رسم يُظهِر أعلى مدن العالم وفقًا للناتج المحلي الإجمالي في عام 2030

يعرض الشكل أعلى مدن العالم وفقًا للناتج المحلي الإجمالي في عام 2030

ويرى البعض أن إدارة الحكومات دون الوطنية أو الفرعية لشبكاتها الدبلوماسية يقتصر على المناطق الساعية إلى الحكم الذاتي، وهو أمر طبيعي بسبب صراعاتها الداخلية والدور المحوري للصلات الدولية في نصرة قضاياها. ويصدق ذلك على كيبك وكتالونيا واسكتلندا.

ومع ذلك، تُؤسس الكثير من الحكومات المحلية مكاتب تمثيلية في بلدان أجنبية لحماية مصالحها الخاصة. وافتتحت مقاطعة ألبرتا الكندية اثنى عشر مكتبًا في آسيا وأوروبا والأمريكيتين، وفي أوروبا تمتلك مدن مثل ليفربول ولودز وجوتنبرج وكالات في العاصمة البلجيكية بروكسل للتقارب مع الاتحاد الأوروبي.

كما تشترك المدن في اتفاقات دولية مثل “المدن والحكومات المحلية المتحدة” و”حكومات محلية من أجل الاستدامة”، ويصعب تحديد مدينة يتجاوز تعدادها مليون نسمة لا تشترك في اتفاقات مُتعددة الأطراف. ويتجاوز نمو هذه الاتفاقات المنظمات التي تضم الدول الوطنية التقليدية. وفي الشهر الماضي تأسس “البرلمان العالمي لرؤساء البلديات” بهدف “الاستفادة من القوة الجماعية للمدن”.

وتُشارك حكومات دون وطنية رسميًا في هيئات تضم دولًا، مثل عضوية هونج كونج وماكاو في “منظمة التجارة العالمية”، كما أنهما إلى جانب فلاندرز وماديرا أعضاء منتسبون في “منظمة السياحة العالمية”.

وتسعى حكومات دون وطنية إلى ترسيخ دورها الدولي في وثائق تأسيسية كما يظهر في الدستور الجديد للعاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، ويتضمن مادة تنص على عالمية المدينة واتباعها استراتيجية لتعزيز دورها على المستوى الدولي. وتضع مدن أولويات لسياستها الخارجية وتعتمد خطط عمل وترتبط بعلاقات مع دول ذات سيادة.

ولم يمنع تطور العلاقات الخارجية للحكومات المحلية النظرة إليها كممارسات تجريبية وناشئة، وبطبيعة الحال تتفوق الدول القومية في الموارد والقدرة على تنفيذ خطط خارجية. لكن هذه الرؤية تتجاهل التباين الكبير بين الدبلوماسية الموازية والدبلوماسية الذي يجعل المقارنة بينهما غير منطقية، وفيما يلي بعض الاختلافات:

أولًا: غالبًا ما تعتمد السياسة الخارجية للحكومات دون الوطنية على قدراتها المحلية، وتهتم بقضايا الصحة والتعليم والسياحة والنقل والسلامة العامة من منظور محلي عالمي. ونادرًا ما تتطلع إلى مجالات بعيدة عن تخصصها. وكما تصعب مناقشة وزير الشؤون الخارجية في دولة ما لموضوع مثل الصرف الصحي، يتجنب رؤساء البلديات طرح النزاعات العالمية وانتشار الأسلحة النووية؛ أي أن لكلٍ من الدبلوماسية والدبلوماسية الموازية أجندات مختلفة وغير مُتنافسة.

ثانيًا: تستعين حكومات المدن والولايات بالقطاع الخاص والمؤسسات المدنية وغير الربحية لمساعدتها في تعزيز مصالحها في المجال الدولي وحمايتها. ومثلًا يُعبر مكتب كاليفورنيا الرسمي في الصين، الذي افُتتح في عام 2013، عن شراكة القطاعين العام والخاص ويديره “مجلس منطقة الخليج” وهي مؤسسة برعاية شركات خاصة.

ثالثًا: تختلف الدبلوماسية الموازية عن التقليدية في أسلوب العمل؛ فالأولى أكثر عملية واستغلالًا للفرص بينما تُركز الأخيرة على التقاليد والمناسبات الاحتفالية وتعتمد أكثر على العمل المؤسسي.

رابعًا: تتمتع اتفاقات وشراكات الحكومات دون الوطنية بمرونة تفوق الاتفاقات بين الدول القومية، ويسهل عليها استهداف احتياجات تغيب عن جداول أعمال السياسة الخارجية. كما أن هذه الاتفاقات أكثر ملائمة للابتكارات في مجال السياسة. وعلى سبيل المثال، تحصل “لندن آند بارتنرز” London & Partners، الذراع الدولية لمدينة لندن، على رسوم مالية نظير تقديم خبراتها لحكومات محلية ووطنية حول أمور مثل التنقل الحضري وتنظيم الفعاليات العالمية.

خامسًا: يختلف النوعان في الغاية النهائية؛ فتُركز الدبلوماسية الموازية على احتياجات المواطنين وتحصيل أفضل الأدوات المُتاحة لتحسين رفاهية السكان، بما يُوضح تأثير العمل الدبلوماسي للمواطنين. وفي بلدان بعيدة عن النزاعات الدولية وتحظى بروابط تجارية مستقرة مع دول العالم، يصعب على السكان إدراك التأثير المباشر للسياسة الخارجية لبلادهم على رفاهيتهم الفردية.

ويعني ذلك استهداف الدبلوماسية الموازية صالح السكان مُقابل تركيز الدبلوماسية على مصالح الدول. وبكلمات مايكل بلومبرج، عمدة نيويورك السابق: “نُمثل المستوى الحكومي الأقرب إلى أغلبية سكان العالم، ونحن مسؤولون مُباشرةً عن رفاهيتهم ومستقبلهم. وفي حين تتحدث الدول وكثيرًا ما تتكاسل، تتحرك المدن بالفعل”.

وتُواجه السياسة الخارجية للحكومات المحلية تحديات تخص المرونة والمهنية والتنسيق والكفاءة، لكن الإصرار على ربط السياسة الخارجية بالحكومات المركزية وحدها يغفل تعقيد الحوكمة والتنافسية على مستوى العالم. ومع توقع الأمم المتحدة بعيش 75% من سكان العالم في المدن بحلول 2050، ستتنامى أهمية الدبلوماسية الموازية.

المصدر

الصورة