دراسة: تنامي دور الروبوتات يستدعي فرض حصص للعمالة البشرية

تتميز الثورة الصناعية الرابعة عن سابقاتها، الصناعية والكهربية والرقمية، بسرعة التغييرات التي تُحدثها وعمقها واتساع مداها، ولاسيما بآثار الذكاء الاصطناعي والروبوتات على أماكن العمل والأنظمة الاجتماعية والاقتصادية.

وخلصت دراسة جديدة إلى أن الآلات أو البرمجيات ستشغل ثلث الوظائف التي يُؤديها حاليًا خريجو الجامعات حول العالم، الأمر الذي سيُفقد قوانين التوظيف وحماية حقوق العمال جدواها، ويُجبر الحكومات على سن تشريعات جديدة تُواكب التغيير، وقد تُضطر إلى تخصيص حصص للعمالة البشرية في مجالات محددة لمواجهة ارتفاع معدلات البطالة، والإبقاء على الدور البشري من أجل تجنب الآثار السلبية للروبوتات المستقلة كليًا.

كما ستتراجع ميزة العمالة الرخيصة التي تعتمد عليها الاقتصادات الناشئة؛ نظرًا لأن تكاليف خطوط إنتاج الروبوتات وأنظمة الحاسب الذكية ستصير أقل كثيرًا. ومثلًا يحصل العامل في إنتاج السيارات الألمانية على أكثر من 40 يورو في الساعة، في حين تتراوح تكلفة الروبوت بين 5 إلى 8 يورو في الساعة، ما يعني أن روبوتات الإنتاج ستُكلف أقل من العمالة في الصين. وعلاوةً على ذلك، لا تُصاب الروبوتات بالأمراض، ولا تحتاج إجازات لرعاية الأطفال، ولا تُضرب عن العمل، ولا يحق لها الحصول على عطلات سنوية.

وحملت الدراسة عنوان “الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتأثيرهما على بيئة العمل”، وأعدها فريقٌ متخصص من “الرابطة الدولية للمحامين” التي تُمثل منتدى عالمي للمتخصصين في القانون. وتناولت الآثار القانونية للتغيير التكنولوجي السريع.

وتُشير الدراسة إلى أنه سيكون على الحكومات تحديد الوظائف التي سيُؤديها البشر فقط مثل رعاية الأطفال دون منافسة الروبوتات وأنظمة الحاسب، وربما تفرض الحكومات حصصًا محددة للعمالة البشرية أو Human Quota في كل قطاع على غرار ما تفعله بعض الحكومات حاليًا بتخصيص نسب من الوظائف أو المنح الدراسية لفئات بعينها كالنساء والأقليات وذوي الاحتياجات الخاصة. كما قد يصير لزامًا على الحكومات طرح علامات مُميزة على المنتجات التي يصنعها البشر، وفرض ضرائب على استخدام الآلات.

دراسة "الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتأثيرهما على بيئة العمل"

دراسة “الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتأثيرهما على بيئة العمل” من “المعهد العالمي للتوظيف” التابع للرابطة الدولية للمحامين

ويتسبب تطور قدرة الآلات والروبوتات على الاستقلال في صعوبة تحديد المسؤولية القانونية والتأمينية، وما إذا كانت تقع على المالك أو المستخدم أو الشركة المُصنعة كما هو الحال مع السيارات ذاتية القيادة. وتُحذر الدراسة أن القضايا المتعلقة بالمسؤولية قد تصير عقبة يصعب تخطيها أمام القيادة الآلية تمامًا. وخلال الأعوام الثلاثين الماضية تسببت الروبوتات في 33 وفاة بين الموظفين في الولايات المتحدة الأمريكية بحسب الدراسة.

ويقترح بحث “الرابطة الدولية للمحامين” تقييد بعض جوانب استقلال الآلات، وتبني مبدأ وزارة الدفاع الأمريكية بضرورة وجود مُشغّل بشري للأسلحة؛ لمنع تطوير طائرات بدون طيار مُستقلة كليًا يُمكن برمجتها لاختيار أهدافها دون تدخل.

وتتجنب علوم الذكاء الاصطناعي مجال تطوير أنظمة أسلحة ذكية تُطلق النار دون قرار بشري، وقالت الدراسة أن عواقب خلل مثل هذه الأنظمة والآلات ستكون وخيمة، ولذلك ينبغي أن تُناقش الأمم المتحدة، وليس الولايات المتحدة وحدها، حظر أنظمة الأسلحة المستقلة.

وفي الوقت الراهن تضعف الصلة بين الواقع الاقتصادي في ظل العمل المستقل واقتصاد الخدمات المؤقتة من ناحية والأطر القانونية القائمة من ناحية أخرى. كما تتداعى أماكن العمل بشكلها التقليدي. ومن المُتوقع أن يُسفر اقتصاد المعلومات عن زيادة الاحتكارات واتساغ فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء؛ نظرًا لارتفاع مستوى البطالة من جانب وزيادة ثروات المهنيين المؤهلين جيدًا والمبدعين والطموحين من جانب آخر.

وعددت الدراسة ضمن المهن التي يُرجح إسنادها للبرمجيات بدلًا من البشر المحاسبين وكتبة المحاكم والموظفين في شركات الخدمات المالية، كما قد يُواجه بعض المحامين خطر البطالة. وضربت مثلًا ببحث خوارزمية ذكية في قرارات “المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان” ورصدها أنماطًا في النصوص، ومن خلال التعلم نجحت في التنبؤ بالأحكام في قضايا أخرى بنسبة دقة بلغت 79%. وتوقعت دراسة لشركة “ديلويت” للاستشارات إنجاز مهام مائة ألف وظيفة في القطاع القانوني البريطاني آليًا خلال العقدين المُقبلين.

وصاغ مصطلح الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى عالم الحاسب الأمريكي جون مكارثي في عام 1955، ورأى أنه “من المُمكن –نظريًا- وصف مختلف جوانب التعلم وسمات الذكاء بدقة بما يسمح للآلات بمحاكاتها”. وحتى الآن يسعى مطورو البرمجيات لتحقيق هذا الهدف.

وتتصدر كوريا الجنوبية دول العالم في استخدام الروبوتات في القطاع الصناعي، ولديها 437 روبوت مُقابل كل عشرة آلاف موظف، تليها اليابان بعدد 323 روبوت، ثم ألمانيا بعدد 282 روبوت لكل عشرة آلاف موظف. ولن يقتصر تأثير الروبوتات على بيئات العمل والاقتصاد، بل ستصل إلى المنازل وقطاعات كالترفيه والضيافة.

وعرضت الدراسة لتجربة فندق “هين-نا” Henn-na في مدينة ساسيبو اليابانية الذي يعتمد على روبوتات بملامح بشرية أو “أكترويد” لاستقبال النزلاء وخدمتهم وحمل الحقائب وتنظيف الغرف، كما تُعِد الروبوتات الطعام وتتجاوب مع احتياجات النزلاء بثلاث لغات. ويُخطط الفندق لإسناد المزيد من المهام إلى الروبوتات وتقليل الموظفين وحصر دورهم في مراقبة الكاميرات والتدخل عند وقوع مشكلات.

المصدر والصورة