دراسة تُبرز الإسهامات القيّمة للعرب في الابتكار والتكنولوجيا في الولايات المتحدة

قدم المهاجرون العرب إسهامات مهمة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار في الولايات المتحدة الأمريكية من المخترع اللبناني حسن كامل الصباح الذي تُوفي عام 1935، إلى أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، وفاروق الباز العالم في وكالة “ناسا” الذي شارك في برنامج أبولو للهبوط على سطح القمر، وإلياس زرهوني المدير الخامس عشر للمعاهد الوطنية للصحة، وصولًا إلى آلاف الباحثين ورواد الأعمال والعاملين في شركات التكنولوجيا من المهاجرين العرب.

وتستحق هذه الإسهامات تسليط الضوء عليها، وخصوصًا في ظل اتجاه إدارة الرئيس دونالد ترمب للحد من الهجرة الوافدة من البلدان العربية والإسلامية. وهو أمر سيُؤثر سلبًا على شركات التكنولوجيا والمشروعات البحثية وسيُفقد البلاد كفاءات بشرية وفرصًا لتعزيز الابتكار وفوائده المالية.

علماء عرب في الولايات المتحدة

من اليمين إلى اليسار: اللبناني حسن كامل الصباح، المصري أحمد زويل ثم مواطنه فاروق الباز، والجزائري إلياس زرهوني

وسعى فريقٌ يتألف من سامي محروم المحاضر ومدير مبادرة الابتكار والسياسة في كلية “إنسياد” لإدارة الأعمال وجورج زهردنك وبرنارد داكس العالمان في مركز نظم وسياسات الابتكار في “المعهد النمساوي للتكنولوجيا” لتقدير حجم إسهامات المخترعين العرب في الولايات المتحدة.

ونشر الفريق عرضًا لنتائج دراستهم في مجلة “بيزنس هارفارد ريفيو”، واعتمدوا على مطابقة الأسماء العربية الأولى وبراءات الاختراع المُسجلة ضمن “معاهدة التعاون بشأن البراءات” التي تجمع براءات اختراع من داخل الولايات المتحدة وخارجها. واستخدم الفريق المنهج ذاته من قبل لدراسة الابتكار على أساس الأعراق في الولايات المتحدة والابتكار بين النساء.

وأقر الباحثون بالعيوب الواضحة في هذا المنهج؛ ومنها أن الكثير من المسلمين من غير العرب يحملون أسماءً عربية مثل محمد وعمر وعلي، وفي الوقت نفسه يحمل بعض العرب أسماءً غير عربية. وأخفق أسلوب الدراسة في التمييز الكامل بين المخترعين العرب ومن يحملون أسماءً عربية من دول غير عربية.

وحاول الباحثون التخفيف من حدة هذه المشكلة عبر استبعاد تنويعات الأسماء العربية التي تشيع في أوساط المسلمين من غير العرب. كما لم يستطع الباحثون التفرقة بين المخترعين المولدين في الولايات المتحدة وخارجها، وإن تمكنوا من تحديد مكان تسجيل براءات الاختراع.

ولا ينتقص هذا القصور من دور البحث في الإضافة إلى المعرفة الحالية المحدودة حول دور المهاجرين العرب، ولاسيما في ظل استهداف سياسات الهجرة التي تطرحها إدارة ترمب أصحاب الهويات المسلمة والعربية على حدٍ سواء.

وبحسب النتائج تُعد الولايات المتحدة موطنًا رئيسيًا للمخترعين العرب. وخلال خمسة أعوام بين 2009 و2013 سُجلت 8786 براءة اختراع أسهم فيها مخترعٌ عربي واحد على الأقل، ما يعني أن 3.4% من إجمالي براءات الاختراع الأمريكية تعود إلى فريق يضم ما لا يقل عن مخترع عربي على الرغم من أن المخترعين العرب يُمثلون نسبة 0.3% من السكان.

وفي كثيرٍ من الأحيان ترجع براءات الاختراع إلى فرق من المخترعين من جنسيات وأصول مختلفة وليس شخص واحد، وفي ضوء ذلك تُنسب 2962 براءة اختراع أو 1.2% من براءات الاختراع الأمريكية إلى مبتكرين عرب حصرًا. وتفوقت ولاية كاليفورنيا على غيرها من الولايات وحتى بقية دول العالم في براءات الاختراع التي شارك فيها مبتكرون عرب، واستحوذت وحدها على 1134 براءة اختراع، ما يُعادل 16% من جميع البراءات التي قدمها مخترعون عرب في جميع أنحاء العالم.

براءات الاختراع لمبتكرين عرب في الولايات المتحدة

تعرض الخريطة توزيع براءات الاختراع لمبتكرين عرب في الولايات المتحدة بين عاميّ 2009 و2013، وتُمثل كل نقطة زرقاء براءة اختراع واحدة ويتضح تفوق كاليفورنيا (CA) بفارقٍ كبير عن غيرها

وضمت أوروبا عددًا أقل بكثير من المخترعين العرب، وصدرت 1424 براءة اختراع لمبتكرين يحملون أسماءً عربية من بلدان الاتحاد الأوروبي الثمانية والعشرين. وبعد الولايات المتحدة جاء ترتيب الدول من ناحية عدد براءات الاختراع لمبتكرين عرب كما يلي: فرنسا (513 براءة اختراع)، ثم كندا (361)، وألمانيا (342)، والسعودية (307)، واليابان (279)، والمملكة المتحدة (273).

ولا تُشكل الولايات المتحدة الموطن الأكبر للمخترعين العرب فقط، بل شهدت نموًا في عدد براءات الاختراع العربية بنسبة 62% خلال عشرة أعوام، وارتفعت من 1826 بين عاميّ 1999 و2003 إلى 2962 براءة اختراع من عام 2009 إلى 2013. ويزيد معدل نموها بنحو 2.6% عن نسبة النمو في إجمالي براءات الاختراع الأمريكية التي بلغت 40% خلال الفترة ذاتها.

دور المخترعين العرب في الابتكار داخل شركات التكنولوجيا الأمريكية

يُبين الرسم دور المخترعين العرب في الابتكار ضمن شركات “جوجل” و”آبل” و”مايكروسوفت” والنمو المضطرد في عدد براءات الاختراع التي أسهم فيها عرب

وأبرزت نتائج البحث تخصص المخترعين العرب في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والحوسبة والإحصاء والتكنولوجيا الكهربائية، بالإضافة إلى العلوم الطبية والبيطرية. ويضطلع المخترعون العرب بدورٍ كبير في شركات التكنولوجيا الأمريكية سواءً في وادي السيليكون أو مدينة بوسطن أو غيرهما.

وتطول قائمة رواد الأعمال العرب في الولايات المتحدة ومنهم عمرو عوض الله المؤسس المشاركة في شركة “كلاوديرا” لإدارة البيانات، ورنا القليوبي الرئيسة العلمية في “أفكتيفا” لتحليل تعبيرات الوجه، وآية بدير المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة “ليتل بيتس” لمصادر الإلكترونيات مفتوحة المصدر، وشريف بدوي الشريك الرئيسي في مؤسسة “تك وادي” غير الربحية التي تربط وادي السيليكون بالعالم العربي، ومحمد جودت في “جوجل”، وأسامة الخطيب مدير مختبر الروبوتات في “جامعة ستانفورد”.

وهذه مجرد أمثلة على حضور المهاجرين العرب في مشهد الابتكار الأمريكي. وتُشير البيانات إلى زيادة إسهامات المخترعين العرب في أهم شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة على مدار الأعوام الخمس عشرة الماضية.

وتطرق البحث إلى طرق هجرة المخترعين العرب إلى الولايات المتحدة. وعمومًا لا يستفيد العرب ومواطنو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من تأشيرات “إتش-1 بي” الخاصة بالعمالة المتخصصة الماهرة، ويحصلون إجمالًا على تأشيرات من هذا النوع تقل بنسبة 10% عن مجموع التأشيرات الممنوحة للعمالة الماهرة الذين ولدوا خارج الولايات المتحدة.

وبينما وصل عدد الطلاب من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا افي الولايات المتحدة إلى نحو 108 ألف طالب في عام 2016، فإن مواطني هاتين المنطقتين لا يُصنفون ضمن المجموعات الأكثر حصولًا على شهادات الدكتوراه من جامعات أمريكية. ويعني ذلك أن استقرار أغلب المخترعين العرب في الولايات المتحدة يتم عبر قنوات أخرى للهجرة كالانضمام إلى أفراد العائلة واللجوء.

ويرتبط هذا مباشرةً بالجدل القائم في الولايات المتحدة حول الهجرة. وفي عام 2013 وصل عدد المهاجرين من بلدان عربية إلى 1.02 مليون مهاجر شكلوا 2.5% من بين 41.3 مليون مهاجر في البلاد. ويتميز المهاجرون العرب عن غيرهم بارتفاع نسب التعليم الجامعي. وحصل نحو 43% من المهاجرين العرب البالغين من العمر خمسة وعشرين عامًا أو أكثر على درجة البكالوريوس، في مُقابل نسبة 28% بين المهاجرين عمومًا و30% بين البالغين المولدين في الولايات المتحدة.

وتزيد احتمالات دخول المهاجرين العرب المؤهلين إلى الولايات المتحدة وفق تأشيرات أخرى سوى العاملة الماهرة عن بقية المجموعات العرقية. وسيكون للحظر الأخير على دخول مواطني سبع دول، هي سوريا والعراق وإيران والسودان وليبيا واليمن والصومال، آثاره السلبية على الشركات الأمريكية والأجنبية العاملة في الولايات المتحدة ولاسيما على مشروعات الأبحاث والتطوير.

وستصير إدارة الأبحاث والتطوير أكثر صعوبة وأقل كفاءة في ظل القيود على تنقلات الأشخاص بين مقرات الشركات داخل الولايات المتحدة ومواقع العمل الدولية، وستزيد احتمالات تقديم اعتبارات التوافق القانوني واللوجيستي على الجدارة والكفاءة عند اختيار الموظفين، كما سيكون لدى الشركات المحلية والدولية حافز أكبر لنقل بعض أنشطة الأبحاث والتطوير خارج الولايات المتحدة من أجل تجنب المتاعب والتعقيدات المرتبطة بدخول البلاد ومغادرتها.

وبالإضافة إلى ارتفاع معدلات التعليم العالي بين المهاجرين العرب مُقارنة ببقية السكان ومجموعات المهاجرين الأخرى، هناك صلة واضحة بين المهاجرين الحاصلين على تعليم جيد والتدفقات التجارية وعائداتها. واختتم الباحثون مقالهم بالقول أن مهمة ترمب في استعادة عظمة أمريكا، بحسب شعار حملته الانتخابية، ستصير أكثر صعوبة في ظل نظام تأشيرات الدخول العقابي.

الصورة