دراسة: نموذج دبي في بناء المدن الذكية

يعيش اليوم ما يقرب من أربعة مليارات نسمة في المدن، ويُتوقع ارتفاع نسبتهم إلى 66% من سكان العالم بحلول عام 2050. وتسعى مدن متباينة الحجم والإمكانات إلى معالجة تحديات التوسع الحضري والبنى التحتية والعصر الرقمي بابتكارات في السياسة واستثمارات في التكنولوجيا الحديثة وتسخير قوة البيانات.

وبينما تحمل الكثير من هذه المساعي عنوان المدن الذكية، إلا أنه لا يُوجد اتفاق كامل على سمات المدينة الذكية، وتتباين تعريفاتها بحسب إمكانات كل مدينة ورؤيتها وأجندتها السياسية. لكن تشترك جميعها في الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحسين سُبل العيش والعمل وتطوير طُرق الإدارة والتخطيط الحضري وزيادة الاستدامة.

ويراها البعض مدينةً قادرة على جمع البيانات وتحليلها لاتخاذ قرارات ذكية وتحسين التخطيط والتنمية. وتُعرِّفها الأمم المتحدة كمدينة مُبتكِرة تُوظِّف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحسين نوعية الحياة وكفاءة عملياتها وخدماتها الحضرية وقدرتها التنافسية، ولضمان تلبية احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية مع العناية بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

دراسة "مدينة ذكية للقيمة العامة - نموذج دبي الذكية" فادي سالم

دراسة “مدينة ذكية للقيمة العامة: التحول الرقمي عبر الأداء السريع للحكومة- نموذج دبي الذكية” للباحث فادي سالم

وبحثت دراسة “مدينة ذكية للقيمة العامة” في العوامل التي تُشكل المدن الذكية ومكوناتها التنظيمية والثقافية والتقنية، وسُبل بناء مدن ذكية تعود بالنفع على المجتمعات من خلال تحليل المرحلة الأولى من سعي مدينة دبي في الإمارات العربية المتحدة للتحول إلى مدينة ذكية. وصدرت الدراسة في فبراير/شباط 2016. وكتبها فادي سالم، وهو زميل باحث ومؤسس برنامج الحوكمة والابتكار في “كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية”.

وحللت الدراسة رؤية دبي للمدينة الذكية وسعيها لتصير المدينة الأكثر ذكاءً في العالم وواحدة من أسعد أماكن العيش والعمل في 2017، وخطتها لتنفيذ رؤيتها، والمسارات التي سلكتها، والدروس المستفادة من تجربتها، ومؤشرات نجاحها في تحقيق القيمة العامة للمجتمع وتحسين الأداء الحكومي، وتأثيرها على خطط التطوير الحضري الإقليمية والعالمية، وما تحتاج إليه لمواصلة المرحلة التالية من التطور.

أسُس دبي الذكية

لا تُعد رؤية المدينة الذكي التحول الأول لدبي خلال عقود قليلة. ففي عام 1970 كانت بلدة صغيرة على ساحل الخليج العربي يسكنها 80 ألف شخص، تحولت في العام التالي إلى إمارة ضمن الإمارات العربية المتحدة. وخلال العقدين الماضيين صارت دبي مركزًا اقتصاديًا عالميًا ومثالًا على التحول الرقمي الناجح مع انتشار الإنترنت. ويصل حجم ناتجها المحلي الإجمالي إلى 92 مليار دولار، وهي واحدة من الاقتصادات الحضرية الأسرع نموًا في العالم.

وتطمح دبي للاستفادة من التكنولوجيا المتطورة لحل مشكلاتها وتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز قدرتها التنافسية وتحسين نوعية حياة سكانها. ويدفع سعي دبي للتحول إلى مدينة ذكية عدة عوامل:

1. الزيادة السكانية:

يبلغ عدد سكان دبي اليوم 2.4 مليون نسمة، وخلال ساعات الذروة يعمل فيها يوميًا ما يصل إلى 3.5 مليون شخص، فضلًا عن استقبالها 20.5 مليون زائر سنويًا، وتوقعات باستقبالها خمسين مليون زائر مع استعداها لاستضافة معرض “إكسبو 2020”. وتُعد دبي واحدة من أسرع مدن العالم في النمو السكاني خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية.

وأدت الزيادة المتواصلة في عدد السكان إلى ضغوط على البنية التحتية مثل مشكلة ازدحام المرور على الرغم من استثمارها مليارات الدولارات في إنشاء الطرق السريعة وقطارات الأنفاق ووسائل المواصلات العامة. وبالتالي تُعتبر المدينة الذكية سبيلًا لإدارة تحديات النمو المستقبلي.

2. التنافسية الاقتصادية:

تستهدف رؤية دبي الذكية المحافظة على مكانتها الاقتصادية العالمية، وهي مهمة تتطلب ابتكارًا مُتواصلًا في أساليب الإدارة والتخطيط والتشغيل، والإبقاء على جاذبية المدينة للشركات والكفاءات البشرية والاهتمام بالقطاعات الاقتصادية الناشئة.

3. الاستدامة البيئية:

تشهد الإمارات واحدًا من أعلى معدلات انبعاثات الكربون مقابل كل فرد، ويتعين على دبي تحمل مسؤوليتها باعتبارها أكبر مدن البلاد من ناحية عدد السكان. ولذلك جعلت المدينة تخفيف آثار التحضر السريع على البيئة ضمن أولوياتها لتحقيق صالح الأجيال الحالية والمُقبلة.

4. نوعية الحياة:

تتطلب مواكبة توقعات السكان لجودة الحياة ومستوى التنمية تبني أساليب فائقة التطور ومواصلة الابتكار.

مدينة دبي خلال فترة الستينيات

مدينة دبي خلال فترة الستينيات

وتعتبر دبي رؤيتها للمدينة الذكية مبادرة طويلة الأمد لتحقيق التنمية المستدامة وتحسين نوعية الحياة، ويتضح ذلك في تركيزها على تحقيق السعادة لمواطنيها وسكانها وزوارها، وسعيها لتصير المدينة الأسعد في العالم، وهي رؤية بسيطة وفريدة مُقارنةً بمبادرات غيرها من المدن حول العالم.

ويكمن تحقيق القيمة العامة في قلب رؤية دبي للمدينة الذكية؛ نظرًا لاهتمامها الأول برفع نوعية الحياة وتحقيق السعادة والرفاهية. وتُعتبر القيمة العامة هي انتفاع المجتمع عمومًا من البضائع والخدمات وخيارات الإنتاج العادلة وكفاءة التوزيع والاستغلال المشروع للموارد والابتكار والتكيف مع تغير التفضيلات وطبيعة الطلب.

وصارت فلسفة السعادة مُحركًا لأغلب المبادرات الحكومية وأجندات التطوير في دبي، وواضحة تمامًا في بيانات أبرز المسؤولين، وتتماشى مع الأهداف الاستراتيجية على مستوى دبي والإمارات. ومثلًا تتطلع خطة دبي لعام 2021 إلى إنشاء موطن لأفراد سعداء ومبدعين ومُمكَّنين يعيشون في مجتمع متماسك ومدينة ذكية ومستدامة. وتُقدم الخطة ترتيبًا مختلفًا لأولويات دبي مقارنةً بخطتها الاستراتيجية لعام 2015 التي أثمرت نموًا سريعًا للاقتصاد.

وبدأت دبي تخطيطها الأول للتحول الرقمي منذ عام 2000 عند إطلاق مبادرة الحكومة الإلكترونية، ثم تأسيس دائرة حكومة دبي الذكية. وخلال الأعوام الماضية وضعت أُسس المدينة الذكية على مستوى المجتمع من خلال القبول الواسع للتكنولوجيا وانتشار استخدام الإنترنت والإعلام الاجتماعي والهواتف الذكية من جانب، وعلى مستوى الحكومة من جانبٍ آخر. وتُوفر ما يقرب من 95% من الخدمات العامة عبر الإنترنت وقدمت مبادرات للحكومة الإلكترونية والذكية.

وتُركز الخطة الاستراتيجية لدبي الذكية على بعدين هما: الاقتصاد الذكي والحياة الذكية. وتشمل عشرات المبادرات في مجالات مثل البنية التحتية والتخطيط الحضري والنقل والكهرباء والاتصالات والخدمات الاقتصادية.

إنجازات دبي وعوامل التمكين

تطرقت الدراسة إلى الإنجازات التي حققتها دبي ضمن سعيها لتصير المدينة الأذكى والأسعد في العالم. ومنها تطوير مؤشرات لقياس عملها استنادًا إلى معايير دولية موضوعية، ووضع مؤشر السعادة للخدمات الحكومية على الإنترنت وفي العالم الحقيقي.

مؤشر دبي الذكية

يشمل “مؤشر دبي الذكية” عناصر منها التعليم والسلامة العامة ونوعية الهواء والطاقة والتجارة والابتكار والكهرباء والشبكات والانفتاح والمشاركة العامة

تشمل إنجازات دبي إصدارها قانون البيانات في 2015 الذي استهدف إتاحة البيانات الحكومية غير المُصنفة كمعلومات سرية للجمهور، وحدد آليات لمشاركة البيانات بين الهيئات المختلفة، وشمل بيانات الهيئات الاتحادية والقطاع الخاص حول المدينة. بالإضافة إلى نجاح دبي في تحقيق شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص صارت إحدى سماتها المميزة، وإصدار عدة تشريعات لدعم خطة دبي الذكي، وتأسيس “مكتب مدينة دبي الذكية”.

ويُضاف إلى ذلك تغيرات ثقافية وهيكلية عميقة الأثر أهمها:

  1. التحول من الكيانات الحكومية المنعزلة إلى تدفق الابتكار عبر المؤسسات الحكومية وقطاعات المدينة عمومًا، وتغيير الرؤية القطاعية الضيقة لكل إدارة أو مؤسسة على حدة إلى نظرة شاملة للحكومة والمدينة ككل.
  2. اعتياد الانفتاح والشفافية.
  3. التعاون كمبدأ حكومي وأسلوب عمل.
  4. التحول من النظرة إلى الجمهور كعملاء للخدمات الحكومية والسعي لإرضاءهم إلى الاهتمام بسعادة السكان والزوار.

ومع إيمان دبي بدور التكنولوجيا الرقمية في تنفيذ رؤيتها في إسعاد المجتمع، لا تُعتبر تجربتها تكنولوجية في المقام الأول بل فلسفة أساسية للتنمية، ويفرض عليها الاهتمام بالرفاهية والسعادة العمل المستمر لمواكبة تغير احتياجات سكانها وتوقعاتهم لنوعية الحياة.

ويقف وراء نجاح دبي الطابع الريادي لحكومتها وإقدامها على المخاطرة ومرونتها، وساعدها خلال المرحلة الأولى من تحولها إلى مدينة ذكية عدة عناصر تشمل:
• اعتماد رؤية واضحة تستند إلى قيمة مشتركة.
• تطبيق الأساليب المنهجية في تقييم مواطن الخلل وتصميم الخطط.
• التعلم من الممارسات الدولية.
• الشراكات القوية مع مؤسسات القطاع الخاص على المستويين المحلي والدولي.
• الاستفادة من المعايير الدولية في تقييم الإنجاز.
• اعتماد أساليب ريادة الأعمال بعيدًا عن الترتيب الهرمي للمؤسسات.
• التجريب وعرض الأفكار والقيادة عبر تقديم النموذج والتعاون.

تأثير مُمتد لتجربة دبي

تعكس تجربة دبي الدور المهم للقيادة والدعم السياسي والازدهار الاقتصادي وأساليب الإدارة المرنة والتعاون. وجميعها دروس قد تُفيد الكثير من المدن الرامية للتحديث والتحول الرقمي حول العالم. وعلى المستوى الإقليمي تخوض عدة مدن تجارب مختلفة لمفهوم المدن الذكية مثل مصدر في أبوظبي ولوسيل في قطر والمدن الاقتصادية في السعودية، وإن كانت جميعها مدن جديدة تدمج الأنظمة الذكية ومبادئ الاستدامة في تصميمها ولا تُواجه التحديات المعتادة في المدن القائمة بالفعل.

وفي ظل سكن 58% من سكان العالم العربي في المدن، وارتفاع هذه النسبة في دول الخليج إلى 85.1%، هناك حاجة ماسة لتبني أساليب التنمية الذكية والمستدامة وبالتالي فرص لنجاح مشروعات المدن الذكية، ولاسيما في المستقبل بعد استقرار الكثير من مناطق النزاعات الحالية والبدء في إعادة الإعمار. وقد يُؤثر إلهام تجربة دبي على حياة الملايين في الدول العربية وخارجها.

تحديات أمام دبي الذكية

لاقت الكثير من مشروعات التحول الرقمي واسعة النطاق حول العالم فشلًا جزئيًا أو كليًا لأسباب منها الأطر التنظيمية القديمة، وعزلة المؤسسات الحكومية عن بعضها، ونقص المواهب البشرية، ومشكلات البنية التحتية، والفجوة بين إمكانات التكنولوجيا واحتياجات التنمية.

وخلافًا للكثير من مدن العالم، لا تُعاني دبي من العقبات التقنية المعتادة في البنية التحتية، وساعدت مبادراتها السابقة تحولها الراهن، ما يختلف تمامًا عما جرى قبل خمسة عشر عامًا تقريبًا حين أصدرت حكومتها قرارًا بمنح المؤسسات ثمانية عشر شهرًا فقط للانتقال من الأساليب اليدوية قديمة الطراز إلى التقديم الإلكتروني للخدمات، وواجهت صعوبة بالغة في التكيف السريع. والآن تبدو الحكومة والمجتمع على استعداد للتغيير، لكن لكل تحول جذري عقبات، وواجهت رؤية المدينة الذكية تحديات أساسية تشمل:

1. الانتقال من المنافسة إلى التعاون:

خلال العقد الأخير تحولت المؤسسات الحكومية في دبي من العمل المنعزل التقليدي إلى التنافس لتحقيق التميز، وهو أمر زاد من كفاءتها. لكن هذه المنافسة فرضت الاستفادة من البيانات والمعرفة والابتكارات كمصادر للقوة وتحقيق الميزة التنافسية، وبالتالي أعاقت التدفق الرسمي وغير الرسمي للمعلومات عبر الحكومة، وقللت مستوى الثقة بين الأفراد والمؤسسات المتنافسة، وظهر نوعٌ جديد من عزلة المؤسسات والبيانات قيّد تطور الابتكارات الحكومية.

وكان هذا أحد العقبات الثقافية التي واجهت دبي الذكية، وتطلبت تعزيز ثقافة التعاون ومشاركة البيانات عبر تدابير مختلفة منها سن التشريعات ووضع أهداف مشتركة وتوفير قنوات اتصال مباشرة ودعم التعبير المنفتح عن الأفكار، واعتماد مبادرة دبي الذكي على شراكة مؤسسات حكومية متنوعة تُسهِم في كل خطوة، وكذلك مشاركة إدارات حكومية مختلفة في لجنة البيانات المفتوحة.

2. المخاوف العامة حيال الأمن والخصوصية:

يُثير انتشار إنترنت الأشياء والبيانات الضخمة مخاوف أمنية تتعلق بسرية البيانات والخصوصية وأمن المعلومات. وتكررت الهجمات الإلكترونية وحوادث اختراق المدن الذكية حول العالم. وبالإضافة إلى توفير طبقات الحماية التكنولوجية، من الضروري بناء الثقة العامة في تقنيات المدن الذكية وزيادة التوعية العامة.

وفي دبي أسهم قانون البيانات في معالجة بعض المخاوف حول الخصوصية، وأرسل إشارات لطمأنة الجمهور، لكنه سيحتاج مراجعات وإضافات مستمرة؛ لمواكبة تغير أساليب الاستخدام والتقنيات والمخاطر الجديدة.

3. المهارات البشرية:

على الرغم من الانتشار الواسع لتقنيات الاتصالات والمعلومات في الإمارات، إلا أن البلاد تحتل المركز السابع والتسعين عالميًا في مؤشر فرعي يتعلق بالمهارات ويقيس التحصيل التعليمي. ويتطلب تطوير المدن الذكية والاستفادة منها الاستثمار في تطوير التعليم والمواءمة بين السياسات التعليمية والتنموية.

وعلى الرغم من أن اقتصاد دبي أحد أكثر الاقتصادات جذبًا للمواهب البشرية على المستوى الإقليمي، إلا أن بناء دبي الذكية يحتاج نوعًا مختلفًا من المهارات علاوةً على المحافظة على جذب الكفاءات البشرية في ظل عدم كفاية أعداها لاحتياجات المدن الذكية حول العالم.

ويعتمد مستقبل دبي الذكية على مدى مرونتها وتمكنها من تجاوز العقبات الحالية وتلك التي ستظهر خلال المراحل التالية من تطورها. وبالنظر إلى الإنجازات التي تحققت في المرحلة الأولى من مساعي دبي الذكية، تبدو فرصها في النجاح وافرة، لكن رحلتها لتصير المدينة الأذكى والأسعد في العالم ستتواصل دون نهاية، وسيكون عليها إعادة ابتكار أساليب عملها باستمرار، والتكيف مع تغير التكنولوجيا واستخداماتها وارتفاع سقف توقعات الجمهور وتبدل احتياجاتهم.

الصور: 1 2 3