دروس من التحول الرقمي في آسيا

تُمثل آسيا مركزًا حيويًا للابتكارات الرقمية، وتُعد واحدة من أهم مناطق العالم في التجارة الإلكترونية والألعاب والإعلام الاجتماعي من بين تقنيات أخرى. وتدفع التحديات المحلية وانفتاح المستهلكين مؤسسات القطاعين العام والخاص إلى تقديم ابتكارات تختلف عن التجارب الغربية. وتناول آلان لاو وجريجور ثيسن، الشريكان لشركة “ماكينزي” للاستشارات في آسيا، الملامح المميزة للابتكارات الرقمية في آسيا وما يُمكن للعالم أن يتعمله من تجاربها.

وتختلف الدول الآسيوية فيما بينها، وتتفاوت طبيعة الاقتصاد كثيرًا بين اليابان وكوريا الجنوبية مُقابل اقتصادات ناشئة وكتل سكانية ضخمة مثل الصين وإندونيسيا والهند. وخلافًا للفكرة الشائعة عن التخلف التكنولوجي في الدول الآسيوية النامية، فإن غياب نظم موروثة لتكنولوجيا المعلومات وبنية تحتية قديمة للخدمات المصرفية والمالية دفعها لتقديم ابتكارات تتخطى مراحل التطور التقليدية وتنتقل مُباشرةً إلى الهواتف المحمولة والحسابات المصرفية عبر الإنترنت.

وتبدو الهند أرضًا خصبة للابتكار، وبدأت بالفعل مسيرتها حتى مع المعدلات المحدودة لانتشار النطاق العريض والإنترنت، ولديها نصيب وافر من أفضل الكفاءات المتخصصة في التكنولوجيا في العالم. وفي ظل الإمكانات الحالية نشأت في الهند بضع شركات متخصصة في التكنولوجيا تنتمي إلى فئة “يونيكورن” unicorn أي التي يتجاوز تقييمها مليار دولار.

كما أن التحديات المحلية وغياب تجارب سابقة مناسبة تفرض على الشركات المحلية ابتكار حلول فريدة. ودفعت صعوبات النقل شركات التجارة الإلكترونية مثل “فليبكارت” و”سناب ديل” إلى الاستعانة بالدراجات لإتمام المرحلة الأخيرة من توصيل البضائع وللاستفادة من العمالة الرخيصة.

أما الصين فتختلف عن غيرها من دول العالم في هيمنة شركات مختلفة في مجال التكنولوجيا والإنترنت بعيدًا عن “جوجل” و”فيسبوك”، وتمنع الحكومة الصينية عمل الكثير من الشركات الغربية بسبب المراقبة القوية ونظام “الجدار الناري العظيم”، ما أدى إلى نشأة بدائل محلية تحولت إلى شركات عملاقة مثل “علي بابا” و”تينسنت” و”بايدو”.

وكثيرًا ما تُتهم هذه الشركات بتقليد أفكار الشركات الغربية، لكن اقتصر التقليد على مرحلة البداية فقط، وسرعان ما تجاوزت التقليد إلى تطوير خدمات ونماذج تُلائم السوق المحلية. وتشمل ابتكارات الشركات الصينية الخدمات المالية والمصرفية والتسوق وطلب السيارات عبر تطبيقات التراسل مثل “وي شات”، بينما يلجأ المستخدمون في الدول الغربية لتطبيقات ومواقع مختلفة لكل خدمة.

كما أن الحجم الهائل للسوق الصينية يختلف عن غيرها من الدول؛ ومثلًا يشتري كل شخص في المتوسط خمسين مرة كل عام من متاجر “علي بابا” الإلكترونية، أي مرة أسبوعيًا تقريبًا، كما أن الشركة طورت نظام “سمسم كريديت” لتقييم الجدارة الائتمانية استنادًا على عوامل منها تاريخ التسوق من الإنترنت. ومما دعم كثيرًا تقدم الابتكار في الصين تقبل المستهلكين وعقليتهم المتفتحة، الأمر الذي يسر تنفيذ أفكار جديدة دون القلق من تخوف المستهلكين بشأن الخصوصية.

وتختلف اليابان وكوريا الجنوبية عن بقية آسيا؛ إذ أن لديهما بالفعل شركات رائدة في قطاع التكنولوجيا، وفي المقابل تغيب الشركات الناشئة المتميزة. وتشهد كوريا الجنوبية ابتكارات في مجال التجارة الإلكترونية وتطبيقات التراسل والألعاب وإن كانت على نطاق أقل من الصين. أما اليابان فتباطأت شركاتها في التحول الرقمي واعتماد نماذج أعمال جديدة.

وفيما يتعلق بالتحديات والفرص المرتبطة بالتحول الرقمي للمؤسسات، فلابد من الإقرار باختلاف التحول الرقمي الفعّال عن مجرد إضافة مواقع على الإنترنت وحسابات في مواقع الإعلام الاجتماعي. بل يعني تغيير آليات عمل المؤسسات وتحديث نظم تكنولوجيا المعلومات وتوظيف تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي.

وفي ذلك يتجلى اختلاف آسيا الناضجة عن الناشئة؛ نظرًا لأن المؤسسات في دولٍ مثل اليابان وكوريا الجنوبية تُواجه تحديات مُشابهة تمامًا لنظيراتها في دول أوروبا وأمريكا الشمالية. ويتطلب تحولها الرقمي أسلوب قيادة من القمة إلى القاعدة واستثمارات وإعادة تصميم شاملة لمختلف العمليات وبنية تكنولوجيا المعلومات والبيانات كحال المؤسسات الغربية.

أما الاقتصادات الناشئة في آسيا والشركات العملاقة الجديدة فتمتاز عن غيرها أولًا: بغياب أنظمة عتيقة لتكنولوجيا المعلومات، وبالتالي يسهل عليها الشروع في عملية التحول الرقمي دون قيود. وثانيًا: توافر قيادات قوية بتصورات وطموحات واضحة للمستقبل، ويقود بعضها المؤسسون بروحهم الريادية وأسلوبهم بالعمل من القمة إلى القاعدة. وثالثًا: توافر كفاءات بشرية متخصصة تكنولوجيا المعلومات.

ومن المهم أن تلتفت هذه المؤسسات إلى الأهمية البالغة لمشاركة فريق العمل مع القيادة، وهو أمر لا يتوافر كثيرًا بسبب الثقافة الآسيوية التقليدية التي تهتم بالترتيب الهرمي للوظائف. ويعني ذلك ضرورة إشعار القيادة جميع الموظفين بقدرتهم على إحداث التغيير وإبداء آرائهم بوضوح. وقدم لاو وثيسن نصائح إلى قادة المؤسسات خارج آسيا استلهامًا من الابتكارات الرقمية في دول القارة كما يلي:

  1. النظر عن قرب إلى واقع الأسواق الآسيوية؛ لما تشهده المنطقة من ابتكارات على نطاق واسع.
  2. اختلاف التغيير سواءً فيما يتعلق بدرجته أو سرعته الكبيرة. وعلى سبيل المثال تطمح شركات آسيوية يعمل فيها أكثر من مائة ألف موظف إلى التوقف عن استخدام الأوراق نهائيًا خلال ثلاثة أعوام فقط.
  3. الإقدام على إحداث تغييرات جذرية ومواصلة التطوير لبلوغ الغاية المنشودة، وهو أمر ضروري لنجاح أي تطوير بحيث لا يتوقف في منتصف الطريق بسبب أنظمة قديمة للتكنولوجيا والمبيعات.
  4. أهمية وجود مجلس مسؤول عن التحول الرقمي في المؤسسة يضم الكفاءات الملائمة، بالإضافة إلى التفكير مبكرًا في تأثير التغيير على المؤسسة وثقافتها والعاملين.

الصورة