دورات مياه عامة جديدة في الصين بلمسة تكنولوجية تروق للبعض وتُغضب آخرين

خلال السنوات الأخيرة غيرت التكنولوجيا الحديثة مُختلف أوجه الحياة في الصين، وحولت مناطق نائية منعزلة إلى مدن نابضة بالحياة، ووفرت الهواتف المحمولة لنحو مليار شخص. ومع ذلك، بقيت الحمامات العامة في الكثير من مناطقها دون تغيير كبير، واحتفظت بمراحيض القرفصاء التقليدية التي استخدمها الصينيون لأجيالٍ مُتعاقبة.

وفي ظل سعي الحكومة الصينية لتحسين الصرف الصحي والحد من النفايات البيئية، تُخطط لإصلاحات رئيسية للحمامات العامة، وتعتزم على مدار الأعوام الثلاث المُقبلة بناء وتجديد سبعة وخمسين ألف دورة مياه، وستُصمم بعضها على غرار حمامات عامة فائقة التكنولوجيا افُتتحت في التاسع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بالتزامن مع “اليوم العالمي لدورات المياه” في ميدان فوتشيان في منطقة فانجشان جنوب غربي العاصمة بكين، وهي الأولى من نوعها في البلاد، بحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

وتتوافر دورة المياه الجديدة في فانجشان على غرفة مُنفصلة لآلات البيع وماكينة الصراف الآلي، بالإضافة إلى محطات لشحن الهواتف المحمولة والسيارات الكهربائية، وتُتيح للسكان سداد الفواتير بواسطة هواتف عامة مُتعددة الأغراض. كما تُوفر خدمة الاتصال اللاسلكي بالإنترنت “واي فاي”، وشاشات تلفزيونية شخصية، فضلًا عن صوت موسيقى هادئة من آلة التشيلو، ونوافذ تحمل نباتات الصبار.

وسرعان ما تحولت الحمامات العامة إلى نقطة جذب في المنطقة، وفي كل ساعة يتردد عليها عشرات الأشخاص ويبقى بعضهم لفترة أطول من المُعتاد. وحظيت الفكرة بإشادة بعض السكان المحليين الذين استنكروا طويلًا الحالة القذرة والمُتداعية للكثير من دورات المياه، لكنها نالت انتقادات آخرين رأوا في الكثير من هذه التقنيات إهدارًا لموارد يُمكن استثمارها على نحوٍ أفضل.

وقالت لي جونينج، وهي مزارعة متقاعدة تبلغ من العمر أربعة وسبعين عامًا وتعيش في فانجشان: “إنه مجرد مرحاض”. وأضافت متسائلة عن سبب تصميمه على هذا النحو: “تبسط الحكومة يدها، وتطلب من الناس دفع الضرائب. لماذا لا يتبرعون بتلك الأموال إلى الأحياء الفقيرة بدلًا من ذلك؟”.

وفي المُقابل، أبدى تشو وانج، وهو سائق سيارة أجرة في بكين يبلغ خمسة وعشرين عامًا، إعجابه بالحمامات العامة الجديدة، وقال: “حتى أصوات تدفق الماء مختلفة”، واعتبر أنها قد تُساعد في جذب الزوار الأجانب الذين يرون الصين متخلفة بسبب المراحيض.

وصُممت دورات المياه الجديدة في فانجشان لتُراعي الحفاظ على المياه من خلال إعادة تدوير مياه الصرف الصحي من الأحواض لتُستخدم في تنظيف المراحيض. وتُوفر مراحيض القرفصاء التقليدية، بالإضافة إلى أخرى للجلوس على النمط الغربي. وحافظت على بعض السمات الصينية مثل توفير أوراق المرحاض عند الدخول، وصندوق منفصل للأوراق المستخدمة.

وذكر مُتحدث باسم مجموعة هندسة الصرف الصحي البيئي في بكين أنهم يأملون في تحول دورة المياه العامة لتصير الفضاء الخامس، إلى جانب فضاء الأسرة، والعمل، والترفيه، والفضاء الإلكتروني. وتحمل دورة المياه الرقم “5” بدلًا من العلامة التقليدية. وأشار المتحدث إلى نية الاستفادة من تجربة اليابان في توفير الفحوصات الجسدية الأساسية في دورات المياه مثل ضغط الدم وضربات القلب وتحليل البول.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فقد عملت الصين على تحسين المراحيض كثيرًا خلال الأعوام الأخيرة، وحدثت التجهيزات المُتاحة لعدد 593 مليون شخص بين عاميّ 1990 و2010. لكنها تُواجه تحديات أخطر في المناطق الأكثر فقرًا، وحتى الآن لا يزال أربعة عشر مليون صيني يقضون حاجتهم في العراء.

وقال مسؤولون صينيون أنهم يُخططون لتشييد مزيد من دورات المياه العامة في ضواحي المدن والمناطق الريفية تُحاكي المنشأة الجديدة في فانجشان، وذلك بهدف بناء “مدن جميلة وأوطان مُلائمة للعيش” بحسب تقرير نشره موقع “تشاينا دوت كوم” التابع للدولة.

وتتباين آراء السكان تجاه دورة المياه الجديدة. ومثلًا يرى لو سويشنج أنها ستُشجع مواطني الصين على العناية بالبيئة على نحوٍ أفضل. وعمل لو البالغ من العمر تسعة وستين عامًا مدرسًا في منطقة منغوليا الداخلية، ويزور حاليًا ابنه في فانجشان. وقال: “هناك حاجة أكيدة إلى التغيير” لافتًا إلى الحالة القديمة السيئة للمراحيض.

وتعتبر تشانج مين، إحدى العاملات في صيانة دورة مياه فانجشان، أنها تُمثل تحسنًا كبيرًا مُقارنة بتلك القديمة التي عُرفت براوئحها الكريهة في فصل الصيف. وقالت: “إنها أكثر نظافة الآن”، وأشارت إلى إتاحتها غرفة للاستحمام تغيير الملابس للعاملين.

لكن بعض السكان يتخوف من تنامي شعبية دورة المياه العامة الجديدة بسبب شاشات التلفزيون والواي فاي، الأمر الذي سيدفع الزوار إلى البقاء وقتًا أطول، وهو ما حدث مع لي بيلينج، التي تعمل مساعدة لطبيب أسنان، وفقدت هدوئها بعد اضطرارها للانتظار خمس دقائق، ولجأت إلى الطرق على الغرف صارخة: “انتهى الوقت. البعض منا بحاجة للعودة للعمل!”.