دور العلوم السلوكية في حل المشكلات المجتمعية

تتشكل اتجاهات التفكير والتحيزات غير الواعية والاعتقادات الراسخة والسلوكيات داخل الأفراد والمؤسسات، وفي كثيرٍ من الأحيان يتطلب حل المشكلات العامة وإنجاز الخطط الحكومية تغييرات واسعة النطاق في أفكار المواطنين وسلوكياتهم. وتُظهِر التطورات الأخيرة في العلوم العصبية والسلوكية دورهما في تحفيز التغيير، وهو أمر يتعين على مسؤولي الحكومات الاستفادة منه.

وعرض مقال نشره موقع “ماكينزي” للاستشارات منهجية مُوجَهة خصيصًا للحكومات، وتتألف من خمس خطوات للتأثير بفعالية على اتجاهات الأفراد والمجموعات وتغيير السلوكيات:

1. الطموح وشرح دواعي التغيير:

ينبغي أن ترتكز أية محاولة للتغيير السلوكي على طموح واضح المعالم يتضمن أسبابًا منطقية قوية تدعم التغيير، كما يتعين على القادة من البداية توضيح الغايات التي يسعون إليها ومدى أهمية تغيير السلوكيات لتحقيقها.

2. دراسة السكان:

تعني التعرف على المجموعات الفرعية أو قطاعات السكان التي قد تُحدِث التغييرات الصغيرة فيها تأثيرًا هائلًا على النتائج النهائية. ومن المُمكن تحديد هذه القطاعات من خلال تحليل يتناول الشخصيات والسلوكيات واتجاهات التفكير والعوامل الاجتماعية والاقتصادية. كما يكشف التحليل الأعمق عن الفئات المؤثرة والتحيزات غير الواعية وعوامل الخطر في كل مجموعة فرعية، ما يُسهِم في تحديد الأفراد الذين ينبغي استهدافهم في البداية لإطلاق شرارة تغيير واسع النطاق.

3. الاستفادة من المراحل الفاصلة:

خلال “لحظات الحقيقية” تُؤثر خيارات الأشخاص على مساراتهم لاحقًا، وتتباين بحسب شريحة السكان، ومن المُمكن تحديدها عبر تتبع دورات حياة الأفراد والمسارات التجريبية، ويلي ذلك تحديد السلوكيات المرغوبة في كل مرحلة والاتجاهات المُؤثرة عليها.

4. توجيه التدخلات:

يتعين في هذه الخطوة اختيار مجموعة الإجراءات والتدخلات وعوامل التمكين لتغيير السلوكيات في كل قطاع مهم من المواطنين، ومن الضروري أن تشمل التدخلات الأطراف المؤثرة والنظام بأكمله دون الاقتصار على الأفراد، وتُفيد الاستعانة بنموذج ماكينزي للتأثير الذي يتألف من أربعة عناصر هي: بناء نماذج للأدوار المرغوبة، وفهم المجموعات السكانية وقناعاتها حول التغيير، وتحديد المهارات المطلوبة، والآليات الرسمية لتعزيز السلوكيات.

5. تحديد المنافع أو الجوائز:

ينبغي تقدير العائد الاجتماعي على الاستثمار لكل مجموعة من التدخلات أو التدابير، ومقارنته بالميزانية والموارد اللازمة لتنفيذها.

مثال من دول الخليج العربية

تستلزم الكثير من التحديات التي تُواجه حكومات “مجلس التعاون لدول الخليج العربية” تغييرًا لسلوكيات مجموعات كبيرة من السكان، ومن هذه المسائل: ارتفاع نسب بطالة الشباب والحاجة لتحفيزهم ليصيروا أكثر إنتاجية وانخراطًا في المجتمع، وانتشار مرض السكري و ضرورة تشجيع أساليب صحية للمعيشة والالتزام بالعلاجات الطبية، وارتفاع معدلات استهلاك المياه والحاجة لزيادة الوعي البيئي وتقليل الاستهلاك.

وفيما يتعلق بمسألة تحفيز الشباب وزيادة إنتاجيتهم فإنها طموحٌ كبير تشمل نتائجه انتعاش الابتكار وزيادة القدرة التنافسية وتعزيز الاستقرار وتشجيع التنمية المجتمعية. ويحتاج تحقيق هذه الغايات فهمًا عميقًا لطبيعة السكان المستهدفين. وبينت دراسة من “ماكينزي” حول رحلة الشباب العربي من التعليم إلى التوظيف توزع الشباب بين سبع شرائح بحسب اتجاهاتهم سلوكياتهم، تتفاوت من مشاعر اليأس والإحباط إلى الحماس.

مركز تسوق "رد سي مول" جدة السعودية

ستستفيد دول الخليج من توظيف العلوم السلوكية لحث مواطنيها على تبني أفكار وسلوكيات جديدة والإسهام في علاج مشكلات عامة. الصورة لمركز تسوق “رد سي مول” في مدينة جدة، السعودية

ويُفيد هذا التقسيم السلوكي في تحديد قطاعات السكان الأقدر على إحداث تحول شامل وفي اختيار المراحل الأكثر تأثيرًا في التغيير. وبطبيعة الحال تختلف هذه المجموعات من بلدٍ إلى آخر بحسب ظروفه، لكن فيما يلي نموذجين لمجموعتين معتبرتين من السكان:

أولًا: يُمثلها شاب يُدعى -مثلًا- أحمد يبلغ من تسعة عشر عامًا وأتم تعليمه الثانوي، ويعتبر الدراسة عديمة الجدوى، ولم يبذل فيها سوى الحد الأدنى من الجهد. وأمضى عامًا بعد التخرج للحصول على وظيفة سببت له شعورًا بالإحباط مع استمراره في الاعتقاد أن المدرسة الثانوية كانت مضيعةً للوقت.

ويتطلب تغيير هذه الفئة تحويل نظرتها إلى أهمية التعليم، وإبراز مسارات متنوعة مثل التعليم الفني، وإثبات قيمتها في الحصول على فرص عمل جيدة. ولن يكون لخدمات التوظيف العامة تأثيرًا كبيرًا عليها، بل تحتاج إلى التواصل الفردي وهو خيار صعب وباهظ التكلفة، وتشكيل مجموعات من أقران مؤثرين لتعزيز مشاعر الهوية والانتماء وعرض البدائل المُتاحة.

ثانيًا: تُمثل سارة، وهي في الحادية والعشرين من عمرها، نموذجًا لمشاعر اليأس. وتعتقد أن جنسها وخلفيتها الاقتصادية حددا بشكلٍ كبير فرصها المهنية. وبينما طمحت في الماضي لاستكمال الدراسة والعمل في مجال المحاسبة، أذعنت لاحقًا لإحباطها ولفكرة أن الحصول على تعليمٍ أفضل لن يُغير حياة مثيلاتها.

وترجع هذه الاعتقادات الراسخة لدى هذه الفئة إلى إيمانها أن قدراتها ومواهبها لن تتغير. وبالتالي تحتاج إلى الإطلاع على قصص نساء ناجحات يُشبهونها في المستويين الاقتصادي والتعليمي واجهن عقبات وتغلبن عليها.

ويُبرز المثالات السابقان أهمية الاستفادة من الرؤى العلمية في فهم اتجاهات التفكير وتشجيع ما يُحفِّز التغيير السلوكي. ويتطلب التغيير الواسع اختيارًا دقيقًا للتدخلات المُلائمة لكل فئة من السكان.

واستنادًا إلى تحليل لبرامج التغيير في حكومات ومؤسسات ينبغي أن تتميز مبادرات التغيير بعدة سمات تشمل: إمكانية تطبيقها في أغلب المراحل العمرية للمجموعات المستهدفة، ومناسبتها لمجموعات كبيرة من السكان، وتحقيقها تأثيرًا سريعًا، وثبوت فعاليتها من الناحية العلمية.

الصور: 1 2

إضافة تعليق على المقاله