رأي: هل تنجح خطة المدن الذكية في الهند في تخفيف الفقر أم ستزيده؟

أطلقت الحكومة الهندية خطةً طموحة لتحويل مائة من المدن صغيرة ومتوسطة الحجم إلى مدن ذكية مُستدامة ومُلائمة للعيش، وتشهد البلاد حاليًا نموًا كبيرًا في معدلات البناء، وتُسارع مختلف المناطق للتغيير بمشروعات ضخمة تستعين بالتكنولوجيا.

وفي أحد خطاباته مؤخرًا قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن الهند بحاجة إلى الطموح الكبير والتركيز على المهارة والحجم والسرعة من أجل إحياء مسيرة النمو. ولهذا الغرض قدم “المدن الذكية” كنموذج لتحقيق التحضر.

وتتضمن خطة المدن الذكية Smart Cities Mission استشارة الحكومات المحلية لمواطنيها، والتوصل إلى اقتراحات لتحويل مدنهم إلى مدن ذكية. وبعدها تختار الحكومة الاتحادية مائة مدينة بناءً على سجلها السابق وإمكانات نموها في المستقبل للحصول على الدعم والتمويل اللازمين.

وعرضت أيونا داتا، المُحاضِرة عن المواطنة والانتماء في كلية الجغرافيا في “جامعة ليدز” البريطانية، في مقال بعنوان “هل سُتعالج تجربة الهند في المدن الذكية الفقر أم ستجعله أسوأ؟”، جانبًا آخر للمدن الذكية في الهند، وأوردت أسبابًا قد تجعل من الخطة بصورتها الحالية في صالح الشركات أكثر مما تُفيد الفقراء والفئات المُهمشة، كما قد يغفل تصور المدن الذكية مُعالجة الأسباب الحقيقية للفقر ومعوقات التنمية في الهند.

وكتبت داتا أنه بينما يعتمد مفهوم المدن الذكية في الدول الغربية على تحليلات البيانات الضخمة بغرض إنشاء شبكات حضرية، تهدف رؤية المدن الذكية في الهند إلى توفير خدمات أساسية مثل المياه والصرف الصحي والكهرباء والإسكان ونحو ذلك. ويُمثل إنشاء حكومات إلكترونية وتوفير كابلات الألياف الضوئية واتصالات النطاق العريض فائقة السرعة جزءًا محوريًا من هذه الخطة.

وشهد تعريف المدن الذكية في الهند توسعًا يسمح بالتباين الإقليمي بدافعٍ من الابتكار وريادة الأعمال واحتياجات الأعمال التجارية. وتُركز الفكرة على الاستفادة من التحضر كفرصة لتحقيق الرخاء وبناء الثروات، كما تطمح أيضًا إلى تجاوز المدن الذكية الجديدة لأزمات تنموية مثل الجريمة والفقر ونقص إمدادات الطاقة والأحياء الفقيرة، وجميعها مشكلات تُصنف مدنًا كبيرة ضمن العالم الثالث.

وللوهلة الأولى تبدو هذه الرؤية لاستثمار الهند في المدن الذكية في صالح الحكومة والمواطنين على حدٍ سواء، لكن يُظهِر بعض التعمق فيما وراء السطح صورة بالغة الاختلاف.

وفي الواقع تُعزز رسالة المدن الذكية التوسع الحضري الإقليمي السريع، ويأتي ذلك من خلال المُضاربات والاستفادة المالية من المشاعات أو الأراضي العامة وتُحويلها إلى ممتلكات عقارية. وتعود ملكية هذه الأراضي بشكلٍ رسمي أو غير رسمي إلى المزارعين وأفراد القبائل، واستخدموها على مدار أجيال مُتعاقبة. ويعني ذلك حرمان أولئك الذين لا يتلائم وضعهم مع رؤية المدن الذكية.

ويُشكل جذب الاستثمارات من أجل تمويل إنشاء المدن الذكية تحديًا آخر. وبطبيعة الحال لا تكفي الاستثمارات الحكومية لتمويلها، وبالتالي يعتمد المشروع على الشراكات بين القطاعين العام والخاص. وتصطف شركات عالمية في مجال التكنولوجيا مثل “سيسكو” و”سيمنز” و”سامسونج” وأخرى في البنية التحتية مثل “أيكوم” وائتلافات للتخطيط والهندسة المعمارية والإدارة لتقديم المهارات والتكنولوجيا والمعرفة للمدن الذكية. أما عن ثمن إقبال الشركات ففي كثيرٍ من الأحيان يتضمن تجاوز العمليات الديموقراطية المرتبطة بالتخطيط والحوكمة.

وعلى سبيل المثال تُبين بعض القوانين الجديدة أن رحلة الهند في سبيل التحضر الذكي تتأثر بمصالح الشركات. وتتضمن قوانين تُجيز الاستثمارات الأجنبية المُباشرة في البناء، وأخرى تُسرع الحصول على الموافقات البيئية للمشروعات الرئيسية، بالإضافة إلى اقتراحات تُثير الكثير من الجدل بشأن تيسير لوائح الاستحواذ على الأراضي العامة.

وسهلت الإصلاحات التي جاءت باسم المدن الذكية في الهند حصول القطاع الخاص على مساحات عامة. وفي حين تعيش المدن صغيرة ومتوسطة الحجم في غمار نمو هائل، تشهد في الوقت نفسه تلاعبًا واسع النطاق في ملكيات الأراضي على حدودها.

ويُشجع الاستحواذ على مساحات الأراضي في الطرق الاقتصادية والصناعية الرئيسية، التي ستُمثل الموقع الاستراتيجي للمدن الذكية، إنشاء مدنًا تابعة بدرجة أكبر Satellite City.

ومما يُثير القلق أن هذه التطورات الجديدة تُعد إلى حدٍ كبير ملكية خاصة، وفي كثيرٍ من الأحيان تُدار بشكل خاص، ما قد يُؤشر على تحولها إلى مناطق امتياز لمُمثلي القطاع الخاص الذين يدعمون إقصاء الفقراء والمهمشين من خلال السياسات المفروضة والأسعار المرتفعة.

كما تُواجه رؤية المدن الذكية انتقادات أخرى بسبب تركيزها على مراقبة المواطنين العاديين. وبينما تُمثل المنازل المتصلة بالإنترنت وتوافر الإنترنت اللاسلكي أهدافًا جذابة للطبقات الوسطى، فإن الخدمات والمنتجات التي تُقدمها “سيسكو” و”سيمنز” وأمثالهما تُعالج الأعراض وحدها دون مُسببات الفقر والتخلف.

ويقود ذلك للتساؤل عن الجهات المستفيدة من مشروعات المدن الذكية، وأتبعت الكاتبة سؤالها بالحديث عن النشاط غير المسبوق في الزيارات الدولية خلال عام 2015، سواءً ما قام بها رئيس الوزاء الهندي مودي إلى الخارج، أو زيارات المستثمرين الدوليين المحتملين إلى الهند.

ومنذ عام 2014 زار الهند الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والكثير من قادة العالم. وعرض جميعهم تقديم المعرفة والمهارات والاستثمارات التي تحتاجها الهند للمدن الذكية. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي زار رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الهند، ووقع مذكرة تفاهم من أجل تحويل مدينة فاراناسي، التي تُعتبر العاصمة الروحية للهند والمُقدسة لدى الهندوس، إلى مدينة ذكية.

وتصل قيمة هذا التنافس الدولي إلى ملايين الدولارات تصب في صالح وأرصدة شركات الاستشارات والبناء في الولايات المتحدة وأوروبا.

لكن على الرغم من الإقبال الدولي وترحيب الهند، لا تمضي الأمور بسرعة ولاسيما عند النظر إلى الوعد الذي قطعه مودي بمد البساط الأحمر أمام المستثمرين الأجانب بدلًا من الإجراءات الرسمية المُعوقة. ولا تزال العمليات البيروقراطية للاستثمار والموافقات المطلوبة لعقود المدن الذكية أحد أهم العقبات، وأدت هذه الصعوبات إلى تراجع بعض مستثمري القطاع الخاص عن الاتفاقات.

وعلى مستوى المدن ترفض بعضها تنفيذ رؤية المدن الذكية، على اعتبار أنها تمنح الحكومة المركزية سيطرةً مُتنامية على التطوير الحضري، وهو مجال طالما كان من اختصاص السلطات المحلية وفقًا للدستور.

أما على المستوى الشعبي فتُواجه رؤية المدن الذكية تحديات جمة. وبعد مظاهرات وعرائض احتجاجية في مختلف أنحاء الهند، اضُطرت الحكومة مؤخرًا إلى سحب اقتراحات لتيسير قوانين الحصول على الأرض، واستهدفت الاقتراحات إلغاء بنود التشاور والتعويضات.

وفي كثير من المدن الذكية الجديدة يُعارض المزارعون وأفراد القبائل وجماعات السكان الأصليين استبعادهم من تحولات المدن الذكية. ويناضلون من أجل حقوقهم الدستورية في الأرض وسُبل العيش والحفاظ على الثقافات الأصلية. ورأت داتا أن هذه المساعي دليلٌ على أن الحكومة الهندية وكذلك حلفائها في عالم الشركات لا يمتلكون الكلمة الفصل، وقالت أن تجارب الهند الخاصة بالتصورات المستقبلية للتحضر الذكي ستظل محل خلاف، وستُواصل تطورها.

مصدر الصورة