رؤية جديدة للوظائف ودور الآلات الذكية في تحسين الأداء

عند بحث تأثير الروبوتات والذكاء الاصطناعي على الوظائف تتباين الآراء بين من يتوقع توليها المهام الروتينية ليتفرغ البشر للإبداع والابتكار، وفي الطرف الآخر توقعات بارتفاع مستويات البطالة ونهاية سوق العمل كما نعرفه الآن.

وبين الجانبين تنتهي تحليلات أدق إلى تجزئة الوظائف وإنجاز الأنظمة الذكية للكثير من مهام الوظائف الحالية. وتدعو هذه الرؤية إلى إعادة التفكير فيما تعنيه الوظائف أصلًا، وكيف يُمكن إعادة تشكيلها وربما تعريفها من جديد؟ وكيف ينبغي للشركات تقييم المهارات الأكثر أهمية؟ وأي المهارات تستطيع توفيرها من العاملين المستقلين أو بالتعاون مع شركائها وربما منافسيها؟

ولفترة طويلة جرى الربط بين تحسن الأداء والعائد الذي تحصل عليه المؤسسة، وهي فكرة ثبت زيفها. ومع إسهام التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في التغيير السريع للوظائف، ازداد تعقد الصلات بين الأداء والقيمة. ويقيس “العائد على تحسن الأداء” Return on Improved Performance قيمة الأداء ذي المستوى المرتفع وليس المتوسط.

ويُقدم قطاع الطيران مثالًا واضحًا على الفارق بين أنواع الوظائف وقيمة تحسن الأداء في كلٍ منها والمساهمات المحتملة للذكاء الاصطناعي. ويُعد الطيارون ركنًا بالغ الأهمية، ويتوجب توظيف العدد الكافي من الطيارين الذين يتمتعون بالمهارات الضرورية من الناحية القانونية والموافِقة للحد الأدنى من متطلبات الشركات.

وفي الواقع فإن وجود طيارين من ذوي الأداء المرتفع لن يُحقق للمؤسسة قيمةً إضافية فيما يخص ولاء المستهلكين أو المسافرين، بينما يُؤثر وجود طيار واحد من ذوي الأداء المنخفض سلبًا على الأداء وسمعة المؤسسة. ويُفسر هذا حاجة الطيارين إلى وقتٍ طويل للترقي من المراكز المساعدة إلى الرئيسية، والاستثمارات الكبيرة في تكنولوجيا القيادة والتدريب. ومع ذلك، فإن تجاوز مستوى المهارات الحد اللازم لن يُقدم قيمة إضافية للمؤسسات، ويُمثل الطيارون الوظائف التي تكفي فيها الكفاءة Proficiency Role.

وفي المُقابل، يختلف دور فرق الضيافة، وعادةً ما يُمثلون الوجه الوحيد لشركة الطيران أمام أغلب المسافرين، وبالتالي فإن تحسن أداءهم لتقديم خدمات ممتازة تُناسب تفضيلات كل مسافر يُعزز ولاء المستهلكين. ويُعد دورهم نموذجًا للوظائف المحورية في تحقيق القيمة والنجاح Pivotal Role.

ويعني ذلك تباين العلاقات بين أداء الموظفين والقيمة النهائية التي تنالها المؤسسات، وبالتالي اختلاف أدوار الذكاء الاصطناعي في الارتقاء بالأداء دون الاكتفاء بتقليل تكاليف القوى العاملة.

وبالعودة إلى الوظائف في شركات الطيران، قد يستخدم المضيفون أجهزة على غرار “نظارة جوجل” للحصول على بيانات فورية حول تفضيلات كل راكب والتصرف تبعًا لها كتجنب تقديم نوع معين من الطعام إلى مسافر بسبب الحساسية. وبذلك تُسهِم تكنولوجيا “الواقع المُعزز” في رفع مستوى السلوكيات التقديرية من الموظفين بقدرٍ غير مسبوق، ما يعود بالنفع على المؤسسة.

وبالنسبة للطيارين تستطيع الروبوتات أو الطائرات الآلية إنجاز الأجزاء الروتينية والمُتكررة في وظائفهم وتحقيق الحد المطلوب قانونًا، ليتحول التركيز إلى تدريب طيارين بمستوى مرتفع يسمح لهم بالإشراف عن بُعد على أكثر من رحلة والتدخل عند وقوع أحداث غير مُتوقعة، وبذلك تستفيد شركات الطيران من الطيارين المهرة على نحوٍ أكثر كفاءة، وتُخفض تكاليف القوى العاملة بالتقليل من عدد الطيارين والحد من احتمالات الحوادث.

وهناك الكثير من التحديات تتعلق بالسلوك البشري تجاه الروبوتات؛ فلا يتوقع البشر أخطاء الروبوتات والأنظمة الآلية مُقابل تسامحهم إلى حدٍ كبير مع الأخطاء البشرية.

ويجدر بالمؤسسات التفكير مُجددًا في أعمالها وتأثرها بالذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي في ضوء النقاط الخمسة التالية:

  1. التمييز بين الوظائف التي تكفي فيها درجة مقبولة من الكفاءة والأخرى التي تزيد فيها القيمة مع ارتفاع مستوى الأداء.
  2. فهم اختلاف العلاقة الأداء والقيمة في كلا النوعين.
  3. تقسيم مستوى الأداء بين الحد المطلوب من الناحية القانونية، والوفاء بالحد الأدنى من توقعات المؤسسة، والجهد التقديري المبذول من الموظفين.
  4. تحديد المساهمات المحتملة للذكاء الاصطناعي في مختلف الأنشطة والتكاليف والإمكانات والمخاطر.
  5. التخطيط لمشاركة الأطراف ذات الصلة في فهم التغييرات المُحتملة وتقبلها والإقرار بالتحيزات وعوامل الرفض.

وتستفيد المؤسسات كثيرًا من إدراكها دور التكنولوجيا في تحويل الأداء والقيمة، ويتجاوز تفكير القادة الناجحين الوظائف إلى فهم الدور التحويلي للذكاء الاصطناعي في إعادة تعريف منحنى الأداء للعمل في المستقبل.

المصدر

الصورة