رؤية مدينة شارلوت الأمريكية للمدن الذكية: ربط الاستدامة بالنمو الاقتصادي

تحظى المدن الذكية بالكثير من الاهتمام في الوقت الحاضر، ويكثر الترويج لفوائدها المُحتملة ومنها تحقيق استخدام أكثر استدامة للموارد، وتعزيز مرونة المدن، وتحسين مشاركة المواطنين والنقل الحضري والسلامة العامة. وبالطبع فإن إنجاز بعض هذه المزايا يجعل من بناء مدينة ذكية هدفًا جديرًا بالاهتمام والجهد.

ويسهل إلى حدٍ كبير وصف البنية التحتية للمدن الذكية. وتعتمد أساسًا على نشر تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات الرقمية وتوفير اتصالات النطاق العريض فائقة السرعة بالإنترنت، كما تتضمن بنية تحتية ذكية ومنها الشبكات الذكية للطاقة والمياه، والبيئات الافتراضية للرعاية الصحية والتعليم، والأنظمة الذكية للنقل والمباني.

وعلى الرغم من سهولة الوصف، إلا أنه لا يُوجد تصميم واحد وشامل للمدينة الذكية النموذجية. وحتى في حال توافر مثل هذا التصميم تُشير آراء الخبراء والتجارب السابقة إلى أهمية بناء كل مدينة تصميمها الخاص انطلاقًا من احتياجاتها ومواردها المحلية الفريدة.

وتُقدم مدينة شارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية مثالًا جيدًا على بناء المدن تصورها الخاص للمدينة الذكية. وفي عام 2011 ركزت المدينة، التي يسكنها نحو 800 ألف شخص، على مسألة استهلاك الطاقة في منطقة الشركات. وأطلقت شراكة طوعية تحمل اسم “تصور شارلوت” Envision Charlotte بهدف ربط الاستدامة بالنمو الاقتصادي.

واعتمد مفهوم “تصور شارلوت” على خفض استهلاك الطاقة، وبالتالي الحد من تكاليف التشغيل في المباني المستخدمة للأغراض التجارية. ووظف أصحاب العقارات، بما في ذلك المباني التابعة لإدارة المدينة، تكنولوجيا ذكية للمباني بالإضافة إلى البنية التحتية القائمة لإنشاء لوحة تحكم تعرض بيانات الوقت الحقيقي. وسعت شارلوت إلى تخفيض استهلاك الطاقة بنسة 20% على مدار خمسة أعوام.

والآن وبعد أربعة أعوام يمضي المشروع بنجاح في تحقيق هدفه. وقالت المديرة التنفيذية لمشروع “تصور شارلوت”، إيمي أوسيكر، أن المشروع ليس رائعًا من ناحية التأثير على البيئة والمواطنين فحسب، بل ثبتت فاعليته بالبيانات المالية أيضًا.

وقالت أوسيكر: “نعرف بفضل تركيبنا عدادات في المباني أن الاستهلاك انخفض بننسبة 16%. الأمر لا يقتصر على اعتقادنا أننا خفضنا الاستهلاك بنسبة 16%، بل نقيس نتائجنا ونستخدم البيانات لاتخاذ القرارت”. وبلغ إجمالي الوفورات المالية في مدينة شارلوت سبعة عشر مليون دولار. ونجحت المباني الحكومية في تخفيض استهلاكها من الطاقة بنسبة 30%.

وكان توم شركليف، رئيس مجلس الإدارة الأول لمشروع “تصور شارلوت” قد أشار في مقابلة أجُريت في عام 2013 إلى أهمية دور الحكومة في تصميم المشروع، وعملها كمُيّسر لتشجيع الإجراءات المستقلة التي تتخذها مجموعة متنوعة من المشاركين. ووفقًا لهذا النهج قد تتحول المدن يومًا إلى منصات فعلية للموردين، تدعم نظامًا شاملًا ثريًا ومتنوعًا ومنتشرًا من التطبيقات. وهو نموذج ثبتت فاعليته في القطاع الخاص على غرار شركة “آبل”.

وفي الوقت الراهن يُواصل مشروع “تصور شارلوت” من خلال نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص المُضي قدمًا مع قيادة مُبتكِرة. واستنادًا على نجاحها الأول في قضية استهلاك الطاقة، وسعت المدينة رؤيتها لتشمل المياه والنفايات والهواء.

كما قطع المسؤولون عن “تصور شارلوت” خطوةً هامة في شهر سبتمبر/أيلول 2015 بالإعلان عن تأسيس “تصور أمريكا” Envision America كمؤسسة غير ربحية تُعالج هذه القضايا على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، أو كما عبرت عن مهمتها أوسيكر: “تسريع نشر تكنولوجيا المدن الذكية”. ولهذا الغرض استضافت ورشة عمل هذا الشهر ضمت عشر مدن أمريكية لمساعدتها على تخطيط مشروعاتهم الخاصة بالمدن الذكية.

وترجع أهمية نقل رؤية شارلوت للمدن الذكية إلى عنايتها الكبيرة بالمشاركة المجتمعية. وخلال ورشة العمل الافتتاحية لمؤسسة “تصور أمريكا”، قال الخبير في المناطق الحضرية ومُؤلف كتاب “من أجل حب المدن”، بيتر كاجياما، أن الناس لا يهتمون باستدامة شيء لا يحبونه. ولم يبتعد ذلك عن الصواب؛ إذ تتضح العلاقة العاطفية القوية التي تربط الأشخاص بالأماكن التي يحبونها. ولذلك فمن المهم وضع هذا الهدف في الحسبان عند بناء المدن الذكية.

المصدر

مصدر الصورة