“روبوتات” الإعلام الاجتماعي تشكل الأجندات السياسية

في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 بدأ حساب ilduce2016 في “تويتر” نشاطه بغاية وحيدة، وهي إرسال تغريدات إلى حساب دونالد ترامب، الذي كان حينها مرشحًا لرئاسة الولايات المتحدة، كل بضع ساعات، ويختتم تغريداته بوسم شعار حملة ترامب.

وواصل الحساب عمله بلا كلل إلى أن نال ما أراد؛ وأعاد ترامب نشر إحدى تغريداته. وحينها تكشف ما وراء الحساب الذي كانت جميع تغريداته مقتطفات من أقوال الزعيم الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني، وتجمع الصورة الشخصية بين شعر ترامب ووجه موسوليني، ويعني الاسم “الزعيم” باللغة الإيطالية وهو اللقب الذي اشتهر به موسوليني. وأثار الحدث جدلًا وسُئل ترامب عن آرائه في الفاشية وموسوليني خلال اللقاءات التلفزيونية.

وتبين أن الحساب عبارة عن بوت أو حساب آلي طوره موقع “جوكر” Gawker. والبوتات Internet Bot برمجيات بسيطة لا يتطلب تطويرها خبرة تقنية متقدمة، ويزخر بها الإنترنت، ودونها لا تستطيع محركات البحث العمل، ويكثر وجودها في “ويكيبيديا” لأغراض منها تنظيم المقالات والإبلاغ عن المراجعات المشكوك فيها. وأرجعت شركة “إنكابسول” للأبحاث 61% من حركة الإنترنت العالمية في عام 2013 إلى البوتات بزيادة 10% خلال اثنى عش شهرًا فقط.

وبينما تُنجز الروبوتات مهام التصنيع، تسعى البوتات أو الحسابات الآلية في منصات الإعلام الاجتماعي مثل “تويتر” إلى تشكيل تيار سياسي أو المساهمة في توجيهه، وباتت أداة في النشاط السياسي والنقاشات الجارية على الإنترنت.

وتتفوق البوتات على المستخدمين البشر بميزتين؛ الأولى حجمها الهائل، والثانية استفادتها من البيانات. وتُواصل البوتات عملها دون توقف ولأجلٍ غير محدد. وفي مطلع يونيو/حزيران 2016 حين تصاعدت حملة استفتاء انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي، قدّر الباحثان فيليب هوارد وبنس كولاني أن ثلث المشاركات ذات الصلة في “تويتر” كانت من حسابات آلية؛ نظرًا لأنه من الصعب على المستخدمين البشر المحافظة على مثل هذه الوتيرة السريعة من النشاط في “تويتر”.

ومثلًا رد حساب DroptheIBot على كل تغريدة استخدمت كلمة “مهاجر غير شرعي” بتصويبها إلى مهاجر غير موثق أو غير مُصرح له. وبعد التصويت بالموافقة على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي ظهرت عريضة تدعو لإجراء استفتاء ثان، وزورت البوتات أكثر من 77 ألف توقيع بحسب المنظمين.

كما يُمكن برمجة البوتات لتنتج بوتات أخرى غالبًا ما تنخرط في شبكات تُسمى botnet، ما يعني إمكانية استخدام أو شراء جيوش منها بمبلغ زهيد لإحداث التأثير المرجو. ويُوجد في “تويتر” وحده نحو 26 مليون حساب آلي.

وعلاوةً على ذلك، تتفوق البوتات في الاستفادة من البيانات، وعمومًا تُعد البرمجيات أفضل وأسرع كثيرًا من البشر في استخلاص البيانات والتصرف استنادًا إليها. ومثلًا تولى حساب EveryTrumpDonor البحث في قاعدة البيانات الانتخابية الفيدرالية ونشر اسم كل متبرع لحملة ترامب ومهنته والولاية التي يسكن بها.

وينشر حساب stopandfrisk تغريدة بكل عملية إيقاف وتفتيش نفذتها إدارة الشرطة في مدينة نيويورك في 2011. وربط برنامج تلفزيوني محلي في مدينة بنما بين حساب آلي على “تويتر” وأجهزة حساسة للحركة على حفر الشوارع، وينشر الحساب تغريدة في كل مرة تتعرض سيارة لحفرة في الطريق ويُرسل الشكوى إلى حساب وزارة الأشغال العامة.

وتُثير هذه التجارب الاهتمام والقلق في آنٍ واحد في ظل تنامي تأثير البوتات ومخالفتها القوانين وأحيانًا دون رغبة مطوريها. ومثلًا طوّر جيفري فان دير جوت حسابًا آليًا في “تويتر” لإعادة نشر مجموعة عشوائية من تغريداته، لكن هذه الغاية البريئة انتهت إلى نشر الحساب عبارة “أرغب جديًا في قتل الناس”، وطلبت الشرطة من المطور إغلاق الحساب.

وتتطلب النظريات القانونية التقليدية توافر النية أو سبق الإصرار لتقديم الاتهام والوقوع تحت طائلة المسؤولية، وهو ما يغيب في حالة الخوارزميات العشوائية. ويطرح ذلك أسئلةً أخلاقية وتنظيمية صعبة قد لا تكون المجتمعات مُؤهلة لمواجهتها في الوقت الراهن.

ويُعد استغلال الحسابات الآلية للتأثير بطريقة منظمة ومقصودة على النقاشات العامة الخطر الأقرب؛ وبمقدورها تقديم شعور زائف بشعبية موضوع أو قرار على عكس الحقيقة. وتابع أندريه جازين، من منظمة “تكستي” Texty الأوكرانية غير الحكومية، شبكات من البوتات الروسية بثت دعاية مُؤيدة للحكومة الروسية للتأثير المنهجي على النقاشات، ورصد عشرين ألف حساب آلي في “تويتر”.

وانتبهت “وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة” أو “داربا” التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية للمشكلة حتى أنها أطلقت منافسةً في عام 2016 لاستخدام علوم البيانات في اكتشاف الحسابات الآلية. وفاز فريق من شركة “سنتيمتريكس” SentiMetrix لتحليلات الإعلام الاجتماعي بعدما تمكن من اكتشاف 38 من بين 39 بوت في “تويتر” ضمن عينة بلغت سبعة آلاف حساب.

ويتوازى تطور تقنيات اكتشاف الحسابات الآلية مع تطور البوتات نفسها، وبعضها ينجح إلى حدٍ كبير في محاكاة المستخدمين البشر، ويستهدف بعضها الأشخاص وفقًا لأساليبهم وما ينشرونه، وبالتالي تتزايد فرص نجاحها في خداع الكثير من المستخدمين.

وتتخطى بوتات الإنترنت حدود الدول والثقافات وتُزور انطباعات بالغضب العام حيال أمر بعينه وتضر بمرشحين سياسيين وتُؤثر على المنافسات الانتخابية. وفي الواقع فإن تأثيرها على السياسة والمجال العام قد بدأ للتو وسيتكشف المزيد منه خلال الفترة المُقبلة.

المصدر

الصورة