ريادة الأعمال علاج محتمل لمشكلات اقتصادية وسياسية

خلال العامين الماضيين شهد العالم أزمة كبرى في الهجرة واللجوء الإنساني، وتدفق مئات الآلاف من الأشخاص عبر البحر والبر إلى أوروبا بحثًا عن ملجأ آمن من الحروب والفوضى في أوطانهم، وأثارت الأزمة تساؤلات لم تهدأ حول السبيل الأمثل للتعامل مع موجات الهجرة وفقًا للمقتضيات الإنسانية والمصالح الوطنية.

واقترح ستيفن كولتاي، المؤلف والمحاضر ومستشار ريادة الأعمال في وزارة الخارجية الأمريكية تحت إدارة هيلاري كلينتون، دعم ريادة الأعمال كحل للبطالة وانعدام الأمن الاقتصادي، وسبيل لإيقاف تدفق المهاجرين والاستفادة من أكثر مليون مهاجر في أوروبا.

وثبتت فعالية ريادة الأعمال في توفير فرص العمل الجديدة في الاقتصادات الكبيرة والصغيرة. ووفقًا لمؤسسة “إيوينج ماريون كوفمان” البحثية الأمريكية المعنية بريادة الأعمال، تتفوق الشركات الناشئة على القديمة في إتاحة فرص العمل، وبين عاميّ 1985 و2005 وفرت ثلثي الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة.

وبالتأكيد لا يُعد تحسين الحكومات لمناخ الأعمال فكرةً جديدة بأية حال، وكثيرًا ما تستثمر الحكومات في صناعات وتُقدم إعفاءات ضريبية سعيًا لجذب الشركات إلى قطاعات أو مناطق محددة. ويختلف تشجيع ريادة الأعمال عن ذلك قليلًا، ويتطلب نظامًا شاملًا من الأنشطة والأطراف الفاعلة لمساعدة الشركات الناشئة على النمو وإتاحة فرص عمل.

وعرض كولتاي في كتابه “السلام عبر ريادة الأعمال: الاستثمار في ثقافة الشركات الناشئة للأمن والتنمية” ستة أنشطة وستة أطراف ترتبط بتنمية ريادة الأعمال تشمل: الشركات، والمؤسسات، والجامعات، والحكومات، والمؤسسات غير الحكومية، والمستثمرين.

وتتضمن الإجراءات الستة: اكتشاف رواد الأعمال من خلال منافسات لتقديم اقتراحات وخطط لمشروعات جديدة، وتدريب رواد الأعمال، ودعم صلات رواد الأعمال ببعضهم البعض عبر الاجتماعات ومسرعات الأعمال ومساحات العمل المشتركة، وتمويل مشروعاتهم سواءً في المراحل الأولى أو بإطلاق صناديق للاستثمار المغامر، وإصدار القوانين المشجعة مثل تحسين حماية الملكية الفكرية وتيسير إجراءات إنشاء الشركات وتخفيف الأعباء التنظيمية، وأخيرًا الاحتفاء برواد الأعمال ونشر قصص النجاح.

وبينما يرتبط الحديث عن ريادة الأعمال بالشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا، إلا أن تعزيز ريادة الأعمال لا يعني فقط إضافة “وادي السيليكون” إلى اسم مدينة أو منطقة، بل يحتاج إلى فهم الخصائص الجغرافية والديموغرافية المُميزة لكل منطقة وتخصيص البرامج بحسب ظروفها، وقد تناسبها خيارات لا تتصل بالتكنولوجيا أو تستخدم تقنيات بسيطة. وفي البلدان النامية غالبًا ما تتفوق الشركات التي تعتمد تقنيات بسيطة على شركات التكنولوجيا في توفير فرص العمل.

ويرى كولتاي أنه يتعين على الأوربيين والأمريكيين القلقين من تدفق المهاجرين ذوي المهارات المحدودة على بلدانهم التفكير جديًا في دور الوظائف في تحقيق الاستقرار؛ فالمجتمع العامل أكثر استقرارًا من آخر تتفشى فيه البطالة، وتتسبب البطالة أكثر من التناقضات الثقافية في أكبر مخاوف الأوروبيين من الهجرة، أي الاضطرابات والعنف وتدمير أسلوب العيش القائم.

وتُظهِر الأبحاث معاناة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من معدلات مرتفعة لبطالة الشباب تصل إلى 40% في بعض المناطق، وتُعاني بعض الأحياء التي يسكنها المهاجرون في أوروبا من معدلات مُماثلة كحي مولينبيك في العاصمة البلجيكية بروكسل. وبالإضافة إلى العوامل السياسية والتاريخية أذكى الفقر والبطالة وغياب الفرص الاقتصادية ثورات الربيع العربي. وتُقدم ريادة الأعمال هذه الفرص الاقتصادية الغائبة؛ فتُنشئ الشركات الجديدة وظائف وتُنعش عمل المستثمرين.

وعلى الرغم من شهرة الولايات المتحدة بثقافة ريادة الأعمال، إلا أن برامجها للمساعدات الخارجية تُخصص 1% فقط من إنفاقها على برامج ريادة الأعمال. وفي المُقابل تُنفق أوروبا، تتقدمها ألمانيا وهولندا والسويد، نسبًا أكبر من مخصصات التنمية الدولية على دعم مشروعات ريادة الأعمال والشركات في البلدان النامية، ومن ذلك التدريب ومنح الأبحاث والتطوير وحاضنات الشركات الناشئة. ولا تزال برامج الدعم المادى لريادة الأعمال بحاجة إلى مزيدٍ من الاهتمام، وفي كل الأحوال تظل تكاليفها أقل من سياجات الحدود والتعامل غير الإنساني للشرطة والحروب.

وبمقدور ريادة الأعمال الإسهام في تحقيق الرغبة الأوروبية بعيدة المنال بالاندماج وتجاوز الحدود بين المهاجرين والمواطنين؛ ففي أغلب الأحيان تتشابه أساليب تفكير رواد الأعمال بغض النظر عن الاختلافات الثقافية والعرقية. وحتى في أوروبا نفسها ستُفيد ريادة الأعمال في مواجهة الارتفاع الكبير في نسب البطالة في دولٍ مثل أسبانيا وإيطاليا واليونان، وهي مشكلة تسببت في متاعب اقتصادية وتنامي قوة الأحزاب الشعبوية.

واختتم كولتاي مقاله بالإشارة إلى اعتماد أوروبا في السابق حلولًا اقتصادية لمشكلاتها السياسية المزمنة وللمحافظة على سلامها مثل خطة مارشال والسوق الأوروبية المشتركة واتفاقيات شنجن والاتحاد الأوروبي. وفي حين أن ريادة الأعمال لا تحمل الطابع المؤسسي لتلك الحلول، إلا أنها تتفق معها في الإطار العام.

الصورة