زلزال نيبال: كيف أسهمت البيانات المفتوحة والإعلام الاجتماعي في جهود الإغاثة؟

أسفر الزلزال الذي أصاب نيبال في أبريل/نيسان الماضي عن مقتل نحو تسعة آلاف شخص وجرح آلاف آخرين، فضلًا عن تشريد ما يقرب من نصف مليون شخص، وأضرار بالغة بالمباني والطرق، كما كشف عن عجز الحكومة المحلية عن التعامل مع المرحلة التالية لكارثة طبيعية بهذا الحجم، ولاسيما مع زلزال آخر أصاب البلاد التي تقع على جبال الهيمالايا بين الهند والصين في الشهر التالي.

وفي الوقت نفسه أظهرت محاولات الإغاثة عقب الكارثة المروعة إسهامات جانب من الشباب النيبالي المتعلم والمهتم بالتكنولوجيا. ومن ذلك إطلاق موقع “كويك ماب” Quakemap.org الذي سعى لتعويض النقص في المعلومات الرسمية عقب الزلزال مُباشرةً.

وأتاح الموقع الإبلاغ عن الخسائر الناجمة عن الزلزال في الوقت الحقيقي، وتحديد نوعية المساعدات اللازمة في مُختلف أنحاء البلاد، ومثلًا ربما أضاف شخص يعيش في منطقة متضررة أو على اتصال بالقاطنين فيها إلى الخريطة حاجة منطقة محددة إلى خمسين خيمة.

كما أمكن للنيباليين تحديد الطرق المُتضررة والمغلقة، والأماكن التي يوجد بها سكان محاصرون. وتجاوز عدد التقارير في “كويك ماب” ألفي تقرير. وعلى الرغم من معاناة البلاد من خدمات متقطعة للاتصالات بسبب الزلزال، إلا أن الكثيرون وحتى في المناطق النائية تمكنوا من الاتصال بشبكة الإنترنت عبر هواتفهم المحمولة، ومن ثم صارت وسيلة التواصل الأساسية للمُتضررين من الكارثة.

وتوافرت المعلومات في “كويك ماب” للجمهور العام ولمسؤولي الحكومة والمنظمات العاملة في الإغاثة، وجرى تحديثها بمجرد توصيل المساعدات أو في حال تغير حاجات مجموعة من السكان، ما سمح بتجنب تكرار إرسال المعونات إلى نفس المنطقة.

وحاولت الخدمة علاج مشكلة غياب المعلومات التي كانت أحد التحديات الرئيسية التي واجهت الحكومة ومنظمات الإغاثة في المرحلة التالية لزلزال نيبال؛ إذ اتضحت الفجوة بين ما يبحث عنه الضحايا وما تُوفره مُنظمات الإغاثة. وتُمثل الخدمة جزءًا من مشروع “كاتماندو ليفينج لابز” Kathmandu Living Labs وهي مؤسسة تقنية غير هادفة للربح أسسها الدكتور ناما بودتوكي.

ونال بودوتوكي درجة الدكتوراه في البيانات المفتوحة وإعلام المحمول في “جامعة إلينوي” الأمريكية في عام 2010، وحينها ذكره الزلزال المُدمر الذي أصاب هايتي بحاجة بلاده المعرضة باستمرار لأخطار الزلازل إلى خرائط أفضل، واستعان بفريق من المتطوعين في نهاية 2013 بواسطة برنامج “أوبن ستريت ماب” مفتوح المصدر.

وقال بودتوكي أن الزلزال أدى إلى حشد جهود الشباب في نيبال: “بدأوا يُغادرون منازلهم ويتحدثون إلى أقرانهم، وبدأو ينظمون ويُشاركون”، وأضاف أن مباردتهم وتعاونهم كان أمرًا لا يُصدق وملهمًا لنيبال. وفيما يتعلق بمشروع “كويك ماب”، لفت إلى مساهمته في ملء الفراغ.

وأقر بودتوكي باعتماد “كويك ماب” على تقنيات متاحة بالفعل، إلا أن الاتصالات السريعة أسهمت في جعله واقعًا، وقال: “يُبالغ كثيرون في التركيز على التكنولوجيا. شكلت جهود التكنولوجيا نحو عشرين بالمائة، وتركز الجهد الباقي في إغلاق الحلقة فيما تفعله بالمعلومات”، وأشار إلى حاجة ذلك للكثير من العمل والمكالمات الهاتفية.

ونجح “كويك ماب” في تقديم معلومات موثوق بها لحدٍ كبير، ما جعله مصدرًا في تنسيق جهود الإغاثة استعانت به المؤسسات الحكومية وغير الهادفة للربح والجيش النيبالي طيلة الأسابيع الستة التي أعقبت الزلزال. واستجابت الحكومة المحلية لقصة نجاح الخدمة، وتأسس “برنامج التطوع الوطني” الذي يجمع شبكة من المنظمات منها “كاتماندو ليفينج لابز” بما يُتيح لها تعبئة جهودها سريعًا، والتعاون فيما بينها للتعامل مع أزمات مُماثلة.

حساب Nepal Photo Project  في إنستجرام لصور زلزال نيبال

جمع حساب “Nepal Photo Project” صورًا للدمار الذي أحدثه الزلزال وقصصًا إنسانية للسكان ويعرض محاولات النيباليين التعافي من الكارثة

ومن بين الطرق الأخرى التي ساعدت بها التكنولوجيا والإعلام الاجتماعي في جهود إغاثة النيباليين في وقتٍ أخفقت فيه المؤسسات الرسمية، وسم nepalphotoproject# أو “مشروع صور نيبيال”، وحساب يحمل الاسم نفسه في تطبيق مُشاركة الصور “إنستجرام”، ونال الحساب انتشارًا واسعًا.

وأطلق الحساب مصور صحفي وكاتب في يوم السادس والعشرين من أبريل/نيسان أي اليوم التالي للزلزال مُباشرةً، وعرض صورًا التقطها مصورون من نيبال والهند للخسائر التي خلفها الزلزال، ليراها عشرات الآلاف من المتابعين من مُختلف أنحاء العالم، ما منحهم فرصة لتصور الدمار الذي لحق بالبلاد والمناطق التي يصعب الوصول إليها.

وقدم المسؤولون عن إدارة حساب Nepal Photo Project مشروعهم باعتباره وسيلة ذات طابع شخصي وليس قناة للأخبار، فيُعبر المصورون بحرية عما يرونه بنظرة إنسانية، وسعوا للمُشاركة بمعلومات مُفيدة دون الاقتصار على نشر صور إنسانية حساسة، وغالبًا ما رافقت صور “إنستجرام” منشورات في “فيسبوك” تتضمن روابط لمؤسسات إغاثة موثوق بها أو مجموعات محلية من المتطوعين، كما ساهم في التعريف بموقع “كويك ماب”، ونشر صور أشخاص مفقودين خلال الأيام التالية للزلزال.

وساعد الزلزال فريق “مشروع صور نيبال” في إداراك أهمية التوثيق البصري الملائم، بعدما أدت الكارثة إلى تحول العديد من أهم معالم نيبال المعمارية والثقافية إلى مجرد مشاهد في صورٍ قديمة، ويُواصل الحساب حاليًا نشر صور إنسانية عن محاولات سكان نيبال التعافي من آثار الزلزال.

ويُقدم كلا المشروعين مثالًا عن دور التكنولوجيا في دعم جهود الإغاثة والتخفيف من آثار الكوارث من خلال توفير معلومات وصلت إلى سكان نيبال وغيرهم في مختلف أرجاء العالم، وتوجيه المساعدات خلال فترة عصيبة. وتكررت مثل هذه المساعي في كوارث مُشابهة مثل تسونامي اليابان في عام 2011، كما تُشارك فيها شركات التكنولوجيا والاتصالات بتسهيل النشر والعثور على الأشخاص، وإن كانت لا تُغني بحال عن المساعدات الطبية والإنسانية في الإنقاذ والإيواء، وتعويضات المتضررين ودعمهم نفسيًا وماديًا، وإعادة الإعمار.