ستة ملامح تميز مجتمعات ريادة الأعمال

في كتابه “الابتكار وريادة الأعمال” الصادر عام 1986 كتب بيتر دراكر، المؤلف الشهير في مجال الإدارة، عن المجتمعات الداعمة لريادة الأعمال وتأثيرها على التنمية الاقتصادية: “ترتكز ريادة الأعمال على نظرية للاقتصاد والمجتمع. ترى النظرية في التغيير أمرًا عاديًا وصحيًا بالتأكيد. وتعتبر المهمة الرئيسية في المجتمع، وتحديدًا في الاقتصاد، هي القيام بشيءٍ مختلف بدلًا من تنفيذ الأمور المعتادة بطريقة أفضل”. وفي ضوء ذلك تتميز مجتمعات ريادة الأعمال بستة ملامح مميزة ترتبط بدعم ابتكارات تُسهِم فعليًا في تحسين حياة السكان والنمو الاقتصادي وإتاحة اختيارات متنوعة للجميع:

1. الابتكار قبل التنظيم القانوني وليس العكس:

في المجتمعات الريادية دائمًا ما تسبق الابتكارات بتقديم حلول ناجعة لمشكلات ملحة، وبعدها يُحاول المشرعون مواكبتها بإصدار القوانين واللوائح المنظمة. أما في غيرها من المجتمعات قأحيانًا ما تُقيد القوانين مساعي رواد الأعمال للابتكار.

2. استفادة رواد الأعمال والمبتكرين من إنجازاتهم:

تكشف مكانة المبتكرين في أي مجتمع عن مقدار تشجيعه لريادة الأعمال؛ إذ يتمتعون بشعبية كبيرة ويربحون من أفكارهم ويُحاول آخرون الاقتداء بهم في المجتمعات الريادية. وبينما لا يحظى مسؤولو الحكومة والساسة بمكانة مماثلة في المجتمعات الأقل مساندةً لريادة الأعمال، إلا أنهم يجنون أكثر المنافع الاقتصادية بسبب نفوذهم الواسع. ويتضح ذلك في الهند؛ فقبل تحرير اقتصادها شغل كبار موظفي الحكومة أعلى المراتب الاجتماعية والاقتصادية، لكن اليوم يُقدم الكثير من رواد الأعمال الهنود ابتكارات ناجحة ويحققون أرباحًا طائلة.

3. اعتماد الحكومة على مهارات المبتكرين:

تُمثل قدرة المجتمع على تطوير ابتكارات لحل مشكلاته أفضل مؤشر على فرصه في النمو والازدهار على المدى الطويل، وتُدرك الحكومات الناجحة واجبها في إدارة الاقتصاد على نحوٍ يُشجع الابتكار وريادة الأعمال ويدعم على إمكاناتاها التنافسية. وفي الجانب المُقابل، تجعل الحكومات التي تُفرط في الاعتماد على الموارد الطبيعية مواطنيها تحت وطأة تقلبات أسعار السلع التي تُحددها الأسواق العالمية.

4. ابتكارات تنبع من المجتمع دون أن تُفرض عليه:

في كثيرٍ من الأحيان تفرض الحكومات ومؤسسات دولية مشروعات مبتكرة، لكن تفشل نسبة كبيرة منها في نيل قبول المجتمعات ما يُهدد استمرار نجاحها على المدى الطويل. وخلص بحثٌ أجراه “البنك الدولي” إلى أن نسبة تقل عن 3% من مشروعاته منذ مطلع السبعينيات من المرجح جدًا استدامتها.

وتنبع الابتكارات في المجتمعات الريادية من واقعها وتُقدم حلولًا إبداعية لمشكلات مهمة. ويتجلى ذلك في إقبال ملايين الفقراء في أفريقيا والهند والصين على استخدام الهواتف المحمولة التي صُنفت قبل خمسة عشر عامًا فقط ضمن سلع الرفاهية وألعاب الأثرياء. وأسهم في هذا الانتشار الواسع ابتكارات لأجهزة وخدمات مفيدة وميسورة التكلفة.

5. زيادة تقسيم العمل:

تشهد المجتمعات الريادية أشكالًا مختلفة من العمل؛ فلم يعد قاصرًا على العقود التي تفرض على الموظفين العمل لما لايقل عن ثمانية ساعات يوميًا لصالح الشركات. وبدلًا من ذلك يتزايد اعتماد الأعمال على تعاقدات قصيرة الأجل لإنجاز مشروعات معينة. وتقود منصات توفير الخدمات بحسب الطلب مثل “أوبر” و”ليفت” و”تاسك رابيت” هذه الثورة بالفعل.

6. مجتمع مزدهر أو يسلك طريقًا ممهدًا نحو الازدهار:

ربما يكون أكثر الدلائل وضوحًا على المجتمعات الريادية هو رخاءها الفعلي أو اتجاهها لتحقيق الرخاء. ويختلف الرخاء عن النمو؛ فالأول أشمل ويتضمن رفع مستوى معيشة الفقراء وذوي الدخول المنخفضة، ولا يضمن النمو الاقتصادي رخاء المجتمع ورفاهيته كحال بعض الدول الأفريقية خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكانت اقتصادات نيجيريا وأنجولا وغينيا الاستوائية الأسرع نموًا في العالم آنذاك، ومع ذلك أخفقت في توفير الرخاء للملايين من المواطنين وظلت أحوالهم دون تغيير تقريبًا. ويختلف ذلك عن نمو النمور الآسيوية خلال الخمسينيات والستينيات الذي دعم القطاع الخاص وشركات رائدة مثل “سامسونج” و”إل جي” و”هيونداي”.

المصدر

الصورة